تفسير سورة الحجرات
وهي مدنية، [وعدد آياتها (18) آيةً].
الآية (1-3): هذه آداب، أَدَّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: لا تُسْرِعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تَبَعًا له في جميع الأمور.
قال ابن عباس: ﴿ لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وقال الضحاك: لا تقضوا أَمْرًا دون الله ورسوله من شرائع دينكم. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي: فيما أمركم به، ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ أي: لأقوالكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بنياتكم.
وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ هذا أدب ثانٍ أَدَّب الله به المؤمنين: ألَّا يَرْفَعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ فوق صوته. [سبب النزول]: روى البخاري عن ابن أبي مُلَيْكَة قال: كاد الـخَيِّران أن يَهْلِكا -أبو بكر وعمر- رَفَعَا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قَدِم عليه رَكْب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خلافي. قال: ما أردتُ خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأَنزَل الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ الآية. وروى البخاري عن أنس أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك عِلْمَه. فأتاه فوَجَدَه في بيته مُنَـكِّسًا رأسه، فقال له: ما شأنُك؟ فقال: شَرٌّ؛ كان يَرْفَعُ صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حَبِطَ عمله، فهو من أهل النَّار. فأتى الرجلُ النبيَّ ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال: «اذهب إليه فقُلْ له: إنك لستَ من أهل النار، ولكنَّكَ من أهل الجنة». وقد نَهَى الله عز وجل عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ.
ثم نَهَى عن الجهر له بالقول كما يَجْهَر الرجل لِـمُخَاطِبِه ممَّن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ كما قال: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ﴾ [النور: 63]. وقوله عز وجل: ﴿ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ أي: إنَّما نهيناكم عن رَفْع الصوت عنده خشيةَ أن يَغْضَبَ من ذلك، فيَغْضَب الله لغَضَبِه، فيُحْبِط الله عَمَل من أغضَبَه وهو لا يدري. ثم نَدَب الله عز وجل إلى خَفْض الصوت عنده، وحَثَّ على ذلك، وأَرْشَدَ إليه، ورَغَّب فيه، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ أي: أخْلَصَها لها وجَعَلها أهلًا ومحلًّا ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .
الآية (4): ذَمّ الذين ينادونه من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف الأعراب، فقال: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ .
الآية (5): ثم أَرْشَدَ إلى الأدب في ذلك فقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ أي: لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة.
ثم قال داعيًا لهم إلى التوبة والإنابة: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ . وقد ذُكر أنها نَزَلَت في الأقرع بن حابس التميمي، فيما أورده غير واحد.