تفسير سورة الغاشية
وهي مكية، [وعدد آياتها (26) آيةً].
قد تقدم عن النعمان بن بشير: [كان ﷺ يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ ، و ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ ، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما [رواه مسلم]].
الآية (1-7): ﴿ الْغَاشِيَةِ ﴾ : من أسماء يوم القيامة. قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد؛ لأنها تَغشَى الناس وتَعُمُّهم. ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴾ أي: ذليلة. قاله قتادة. وقال ابن عباس: تَخْشَع ولا ينفعها عملها. ﴿ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴾ أي: قد عَمِلَت عملًا كثيرًا، ونَصَبَتْ فيه، وصَلِيَتْ يوم القيامة نارًا حاميةً. وقال ابن عباس: النصارى. وعن عكرمة والسُّدِّي: ﴿ عَامِلَةٌ ﴾ في الدنيا بالمعاصي ﴿ نَاصِبَةٌ ﴾ في النار بالعذاب والأغلال. قال ابن عباس والحسن وقتادة: ﴿ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً ﴾ أي: حارة شديدة الحر، ﴿ تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ أي: قد انتهى حَرُّها وغَليانها. قاله ابن عباس ومجاهد والحسن والسُّدِّي.
﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴾ قال ابن عباس: شجر من نار. وقال ابن جبير: هو الزقوم. وعنه: أنها الحجارة. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو الجوزاء وقتادة: هو الشِّبرِق. قال قتادة: قريش تسميه في الربيع: الشِّبرِق، وفي الصيف: الضريع. قال عكرمة: وهو شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض. وقال البخاري: قال مجاهد: الضريعُ نبتٌ يُقال له: الشِّبرِقُ، يسميه أهل الحجاز: الضريعَ إذا يَبِس، وهو سُمٌّ. ﴿ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾ لا يحصل به مقصود، ولا يندفع به محذور.
الآية (8-16): لَـمَّا ذَكر حال الأشقياء، ثنَّى بذِكر السعداء فقال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ نَاعِمَةٌ ﴾ أي: يُعرَف النعيم فيها. وإنَّما حَصَل لها ذلك بسعيها. وقال سفيان: ﴿ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ قد رضيت عملها. ﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾ أي: رفيعة بهيَّة، في الغرفات آمنون، ﴿ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴾ أي: لا تَسمع في الجنة التي هُمْ فيها كلمةَ لغو؛ كما قال: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ﴾ [مريم:62]، وقال: ﴿ لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ ﴾ [الطور:23]، وقال: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ﴿ ٢٥ ﴾ إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ [الواقعة:25-26]. ﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴾ أي: سارحة. وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليس المراد بها عينًا واحدةً، وإنما هذا جنس، يعني: فيها عيون جاريات. ﴿ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴾ أي: عالية ناعمة كثيرة الفُرُش، مرتفعةُ السَّمْك، عليها الحور العين. ﴿ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ﴾ يعني: أواني الشُّرب معدةٌ مُرصَدَة لمن أرادها من أربابها، ﴿ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ﴾ قال ابن عباس: النمارق: الوسائد. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك والسُّدِّي والثوري وغيرهم.
﴿ وَزَرَابِيُّ ﴾ قال ابن عباس: البُسُط. وكذا قال الضحاك وغير واحد. ومعنى ﴿ مَبْثُوثَةٌ ﴾ أي: ههنا وههنا لمن أراد الجلوس عليها.
الآية (17-22): يقول تعالى آمرًا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ ؟! فإنها خَلْق عجيب، وتركيبها غريب؛ فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحَمْل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتُؤْكَل، وينتفع بِوَبَرها، ويُشْرَب لبنها. ونُـبِّهُوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل. ﴿ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ أي: جُعِلَت منصوبةً قائمةً ثابتةً راسيةً لئلا تَـمِيد الأرض بأهلها، وجَعَل فيها ما جَعَل من المنافع والمعادن. ﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ ؟! أي: كيف بُسِطَتْ ومُدَّتْ ومُهِّدَتْ، فنبَّه البدويَّ على الاستدلال بما يُشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم الخالق الـمُتَصَرِّف المالك، وأنه الإله الذي لا يَستحقُّ العبادة سواه.
﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ ٢١ ﴾ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ أي: فذَكِّر -يا محمد- الناس بما أُرسِلْتَ به إليهم، فإنَّما عليك البلاغ وعلينا الحساب؛ ولهذا قال: ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: لست عليهم بجبار. وقال ابن زيد: لستَ بالذي تُكْرِهُهم على الإيمان. وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا مني دِمَاءَهم وأموالهم إلا بِحَقِّها، وحسابهم على الله عز وجل». ثم قرأ: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ ٢١ ﴾ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [رواه مسلم].
الآية (23-26): ﴿ إِلَّا مَنْ تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ﴾ أي: تولَّى عن العمل بأركانه، وكَفَر بالحق بجنانه ولسانه ﴿ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴾ ، عن علي بن خالد أن أبا أمامة الباهلي [سُئِل] عن أَلْيَن كلمة سمعها من رسول الله ﷺ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا كلكم يدخل الجنة، إلا من شَرَد على الله شِرَاد البعير على أهله» [رواه أحمد، وصححه الألباني]. ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴾ أي: مرجعهم ومنقلبهم ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ أي: نحن نُحَاسِبهم على أعمالهم ونُجَازيهم بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.