حجم الخط:

محتوى الدرس (38)

تفسير سورة إذا زلزلت

وهي مكية، [وعدد آياتها (8) آيات].

الآية (1-8): ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا قال ابن عباس: أي: تحرَّكَت من أسفلها. ﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا يعني: ألقَتْ ما فيها من الموتى. قاله غير واحد من السَّلَف. وهذه كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1]، وكقوله: ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ﴿ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [الانشقاق:3-4]. وعن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله : «تَقيء الأرض أفلاذ كَبِدِها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيَجِيء القاتل فيقول: في هذا قَتَلْتُ، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قَطَعتُ رَحِمي، ويَجِيء السَّارق فيقول: في هذا قُطِعَتْ يدي، ثم يَدَعُونه فلا يأخذون منه شيئًا» [رواه مسلم].

﴿ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ؟! أي: استنكر أَمْرَها بعدما كانت قارةً ساكنةً ثابتةً، وهو مُستَقِرٌّ على ظهرها، أي: تَقَلَّبَتْ الحال، فصارت متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر الله ما قد أُعِدَّ لها من الزلزال الذي لا مَحِيد لها عنه، ثم أَلْقَتْ ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذٍ استنكر الناس أَمْرَها وتَبَدَّلَت الأرض غير الأرض والسموات، وبَرَزُوا لله الواحد القهار. ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا أي: تُحَدِّث بما عَمِل العاملون على ظهرها.

﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا قال البخاري: أَوْحَى لها وأَوْحَى إليها، ووَحَى لها ووَحَى إليها: واحد. وكذا قال ابن عباس: ﴿ أَوْحَىٰ لَهَا أي: أَوْحَى إليها. والظاهر أن هذا مُضَمَّن بمعنى أَذِنَ لها. وقال ابن عباس: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا قال: قال لها ربها: قولي، فقالت. وقال مجاهد: ﴿ أَوْحَىٰ لَهَا أي: أَمَرَها. وقال القُرَظي: أَمَرَها أن تنشق عنهم. وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أي: يرجعون عن مواقف الحساب، ﴿ أَشْتَاتًا أي: أنواعًا وأصنافًا؛ ما بين شَقِيٍّ وسعيد، مأمور به إلى الجنة، ومأمور به إلى النار. قال ابن جريج: يتصدَّعون أشتاتًا فلا يجتمعون آخر ما عليهم. وقال السُّدِّي: ﴿ أَشْتَاتًا فِرَقًا.

﴿ لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ أي: ليُعْلَموا ويُجَازوا بما عملوه في الدنيا، من خير وشر. ولهذا قال: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .

عن أبي هُرَيرة: سُئِل رسول الله عن الـحُمُر، فقال: «ما أَنزَلَ الله فيها شيئًا إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [متفق عليه].

تفسير سورة العاديات

وهي مكية، [وعدد آياتها (11) آيةً].

الآية (1-5): ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا يقسم تعالى بالخيل إذا أُجْرِيَتْ في سبيله فَعَدَتْ وضَبَحت، وهو: الصوت الذي يُسمَع من الفَرَس حين تَعدُو. ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا يعني: اصطكاك نعالها للصَّخْر فتَقْدَح منه النار. ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا يعني: الإغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله يُغِيرُ صباحًا، ويستمع الأذان، فإن سمع أذانًا وإلا أغار، ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا يعني: غُبارًا في مكان معترك الخيول، ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا أي: تَوسَّطْنَ ذلك المكان كُلُّهن جُمَع.

عن عليٍّ وابن مسعود: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا : الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغ عَلِيًّا قولُ ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خَيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بُعِثَتْ. وقد قال بقول علي: إنها الإبل جماعة. منهم: إبراهيم وعبيد بن عمير، وبقول ابن عباس آخرون، منهم: مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والضحاك. واختاره ابن جرير.

وقال أكثر هؤلاء في قوله: ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا يعني: بحوافرها. وقيل: نيران القبائل. قال ابن جرير: والصواب أنها الخيل حين تقدح بحوافرها. وقوله ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني إغارة الخيل ﴿ صُبْحًا في سبيل الله. وقال من فَسَّرَها بالإبل: هو الدَّفْع صُبحًا من المزدلفة إلى منى. وقالوا كلهم في قوله: ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا هو: المكان الذي إذا حَلَّتْ فيه أثارت به الغبار، إما في حج أو غزو.

﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا قال ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة والضحاك: يعني جَمع الكفار من العدو. ويُحتَمَل أن يكون: فوَسَطْنَ بذلك المكان جَميعُهُن، ويكون ﴿ جَمْعًا منصوبًا على الحال المؤكِّدة.

الآية (6-10): ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ : هذا هو المقسم عليه، بمعنى: أنه بنعم ربه لجحود كفور. قال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النَّخعِي وسعيد بن جبير والحسن وقتادة: الكنود: الكفور. قال الحسن: هو الذي يَعُدُّ المصائب، ويَنْسَى نِعَمَ ربه.

﴿ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد. ويُحتَمَل أن يعود الضمير على الإنسان، قاله محمد بن كعب القرظي، فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودًا لَشهيدٌ، أي: بلسان حاله، أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله.

﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ وهو: المال ﴿ لَشَدِيدٌ . وفيه مذهبان: أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال. والثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح.

ثم قال تعالى مُزَهِّدا في الدنيا، ومُرَغِّبًا في الآخرة، ومُنَبِّهًا على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يَستَقْبِله الإنسان من الأهوال: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ أي: أُخْرجَ ما فيها من الأموات. ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ قال ابن عباس وغيره: يعني أُبْرِزَ وأُظْهِرَ ما كانوا يُسِرُّون في نفوسهم.

الآية (11): ﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ أي: العالِم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون، ومجازيهم عليه أوفر الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة