حجم الخط:

محتوى الدرس (1)

التمهيد

ويشتمل على ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: بيان بعض المصطلحات العقدية، وتعريفها.

[تعريف العقيدة]

ونبدأ هذه المصطلحات بذكر تعريف العقيدة نفسها.

1- فالعقيدة في اللغة: مأخوذة من العقد، وهو الشد والربط والإيثاق والثبوت والإحكام[1].

وفي الاصطلاح: الإيمان الجازم بالله تعالى، وبما يجب لـه من التوحيد، والإيمان بملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرِّه، وبما يتفرع عن هذه الأصول ويلحق بها[2] مما هو من أصول الدين.

وقد أطلق كثير من السلف على العقيدة الصحيحة اسم (السُّنَّة)، وذلك لتمييزها عن عقائد ومقولات الفرق الضالة، لأن العقيدة الصحيحة ـ وهي عقيدة أهل السنة والجماعة ـ مستمدة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، التي هي مبينة للقرآن.

وقد ألَّف بعض السلف كتباً في العقيدة أسموها (السنة)، ومنها كتاب (السنة) للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب (السنة) لابن أبي عاصم، وغيرهما[3].

كما أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم (أصول الدين)، وذلك أن ملة النبي صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى اعتقاديات وعمليات، والمراد بالعمليات علم الشرائع والأحكام المتعلقة بكيفية العمل، كأحكام الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها، وتسمى (فرعية)، أو (فروع)، فهي كالفرع لعلم العقيدة، لأن العقيدة أشرف الطاعات، ولأن صحتها شرط في قبول العبادات العملية[4]، فإذا فسدت العقيدة لم تقبل العبادة، وبطل أجرها، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿ ٦٥ [الزمر: 65].

قال ابن أبي العز في مقدمة شرح الطحاوية: «أما بعد، فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم[5] - وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى- ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين (الفقه الأكبر) - وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيهـا فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه..».

هذا وقد أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم (الفقه الأكبر)، وذلك لأن العقيدة هي أصل الدين، والفقه العملي - الذي يسمى (الفقه الأصغر) - فروعه، كما سبق.

وقد ألّف الإمام أبوحنيفة رسالة في العقيدة أسماها (الفقه الأكبر)[6].

2- أهل السنة والجماعة:

هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة[7].

وهم: المتمسكون بالعقيدة الصحيحة الخالية من شوائب البدع والخرافات وهي العقيدة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلّم واتفق عليها أصحابه رضي الله عنهم[8].

وقد سُمُّوا (أهل السنة) لعملهم بمقتضى سنة النبي صلى الله عليه وسلّم المبينة للقرآن، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلّم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ»[9]، فهم يعلمون أن هدي النبي صلى الله عليه وسلّم خير الهدي، فقدموه على هدي من سواه.

وسُمُّوا (الجماعة) لأنهم اجتمعوا على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه سلف هذه الأمة، فهم قد اجتمعوا على الحق، وعلى عقيدة الإسلام الخالية من الشوائب[10].

وأيضاً فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الفرقة الناجية المتبعة لسنته وطريقة أصحابه - وهم أهل السنة والجماعة- سماهم (الجماعة)، فقد ثبت عن معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهـواء كما يتجارى الكَلَبُ[11] بصاحبه..»[12].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلام لـه: «ولهذا وصفت الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع. فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة»[13].

وهذه التسمية (أهل السنة والجماعة) وصف صادق يميز أهل العقيدة الصحيحة وأتباع الرسول صلى الله عليه وسلّم عن الفرق الأخرى التي تسير على غير طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من عقول البشر وعلم الكلام الذي ورثوه عن فلاسفة اليونان، فيقدمونها على كلام الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيردون النصوص الشرعية الثابتة أو يؤولونها لمجرد أن بعض العقول البشرية لم تقبل أو لم تستسغ ما دلت عليه هذه النصوص. ومن هذه الفرق: الفلاسفة، والقدرية، والماتوريدية، والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة الذين قلَّدوا الجهميَّة في بعض آرائهم.

ومن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من آراء مشايخهـم وأئمتهم المبنية في كثير من الأحيان على الهوى، كالصوفية والرافضة وغيرهم، فيقدمون كلامهم على كلام الله وكلام رسوله خير البشر محمد صلى الله عليه وسلّم.

كما أن هذه الفرق منها من تنتسب إلى من أسسها وأنشأ أصولها العقديَّة، كالجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان، والأشاعرة نسبة إلى أبي الحسن الأشعري - وإن كان الأشعري رجع عن هذه العقيدة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة[14]، لكن مقلِّدوه استمروا على عقيدته المخالفة لطريقة النبي صلى الله عليه وسلّم التي رجع عنها -، والأباضية نسبة إلى عبدالله بن أباض، وغيرهم.

ومن هذه الفرق من تنتسب إلى بعض آرائها العقدية المخالفة للهدي النبوي، أو إلى بعض أفعالها السيئة، كالروافض نسبة إلى رفضهم إمامة أبي بكر وعمر وتبرئهم منهما، والقدرية نسبة إلى نفي القدر، والخوارج نسبة إلى الخروج على الولاة، وغيرهم[15].

فعصم الله أهل السنة من الانتساب والاتباع لغير سنة المعصوم من الخطأ والزلل رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلّم، المؤيد بالوحي من السماء، والذي لاينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فليس لهم اسم ينتسبون إليه سوى (السنة)[16].

وقد سأل رجلٌ الإمامَ مالك بن أنس، فقال: من أهل السنة يا أبا عبدالله؟ فقال: «الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا رافضي، ولا قدري»[17].

وقد أطلق بعض العلماء على أهل السنة اسم (أصحاب الحديث) أو (أهل الحديث)، وذلك لأنهم اهتموا بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلّم رواية ودراية[18]، واتبعوا ما جاءت به من العقائد والأحكام[19].

و(الحديث) و(السنة) لفظان معناهما متقارب.

وأهل السنة كذلك هم الفرقة المنصورة[20] إلى قيام الساعة[21]، الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلّم بقولـه: «لن تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» رواه البخاري ومسلم، وغيرهما[22].

وهم الفرقة الناجية[23] المذكورة في حديث معاوية الذي سبق ذكره قريباً، وغيره.

3- السلف:

السلف في اللغة: الجماعة المتقدمون: يقال: سلَف يسلُف أي مضى، وسلَفُ الإنسان: آباؤه المتقدمون[24].

وفي الاصطلاح: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم وسار على طريقتهم من أئمة الدين من أهل القرون الثلاثة المفضلة[25].

4- الخَلَف:

الخلف في اللغة: المتأخر، وكل من يجيء بعد من مضى[26].

وفي الاصطلاح: من خالف طريقة النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه في باب العقائد كالخوارج والرافضة، وكأهل الكلام الذين قدموا العقل البشري على النصوص الشرعية: كالجهميـة والمعتزلة والأشاعرة والقدرية والمرجئة وغيرهم[27].

وأهل السنة والجماعة يسيرون على منهج السلف، الذين في مقدمهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، امتثالاً لقولـه صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ»[28]، ولأن الله تعالى زكى إيمان الصحابة بقوله عز وجل: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ [البقرة: 137]، وبقوله سبحانه وتعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110]، فأول من يدخل في هاتين التزكيتين: الصحابة؛ لأن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلّم مخاطباً جماعة المؤمنين به، والصحابة كانوا أول المؤمنين به، وكانوا معه وقت نزول القرآن، فهم أول المخاطبين بهما، وأول من يدخل فيهما[29].

كما أن أهل السنة ينتسبون إلى مذهب السلف، ولذلك يقال لمن يتبع مذهب السلف (سلفي) [30]، أو (على عقيدة السلف الصالح)[31]، أو (من أتباع السلف الصالح) [32]، وهذه التسمية موافقة في المعنى لتسميتهم بـ(أهل السنة) لأن عقيدة السلف الصالح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن سار على نهجهم هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلّم.

أما من سار على منهج الخلف، فيقال لـه: (خلفي)[33]. و(الخلف) يقرون بهذه التسمية، بل إن كثيراً منهم يجترئ فيفضل مذهب الخلف على مذهب السلف[34] الذين في مقدمتهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا اعتراف صريح منهم بمخالفة طريقتهم لطريقة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى بهذا اعترافاً بالانحراف عن العقيدة الصحيحة[35].