حجم الخط:

محتوى الدرس (3)

المسألة الثالثة: وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الضلال:

[تمهيد]

عقيدة أهل السنة والجماعة ـ والتي هي عقيدة الإسلام الصحيحة ـ وسط بين عقائد فرق الضلال المنتسبة إلى دين الإسلام، فهي في كل باب من أبواب العقيدة وسط بين فريقين آراؤهما متضادة، أحدهما غلا في هذا الباب والآخر قصر فيه، أحدهما أفرط والثاني فرط، فهي حق بين باطلين: فأهل السنة وسط - أي عدول خيار - بين طرفين منحرفين، في جميع أمورهم.

وسأذكر خمسة أصول عقدية كان أهل السنة والجماعة وسطاً فيها بين فرق الأمة:

الأصل الأول: باب العبادات:

توسط أهل السنة في هذا الباب بين الرافضة والصوفية وبين الدروز والنصيريين[1].

فالرافضة والصوفية يعبدون الله بما لم يشرعه من الأذكار والتوسلات، وإقامة الأعياد والاحتفالات البدعية، والبناء على القبور والصلاة عندها والطواف بها والذبح عندها، وغلاتهم يعبدون أصحاب القبور بالذبح لهم أو دعائهم أن يجلبوا لهم مرغوباً أو يدفعوا عنهم مرهوباً.

والدروز والنصيريون - الذين يسمون العلويين - تركوا عبادة الله بالكلية فلا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون... الخ.

أما أهل السنة والجماعة فيعبدون الله بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم، فلم يتركوا ما أوجب الله عليهم من العبادات، ولم يبتدعوا عبادات من تلقاء أنفسهم، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». متفق عليه[2]، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»[3]، وقولـه عليه الصلاة والسلام في خطبته: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». رواه مسلم[4].

الأصل الثاني: باب أسماء الله وصفاته:

توسَّط أهل السنـة والجماعة في هذا الباب بين المعطلة، وبين الممثلة.

فمن المعطلة من ينكر الأسماء والصفات، كالجهمية.

ومنهم من ينكر الصفات كالمعتزلة.

ومنهم من ينكر أكثر الصفات، ويؤولها كالأشاعرة، اعتماداً منهم على العقول البشرية القاصرة، وتقديماً لها على كتـاب الله وسنة رسـوله صلى الله عليه وسلّم، فيعرضون النصوص الشرعيـة على عقولهم فما قبلته قبلوه، وما أنكرته ردوه أو أوَّلُوه، وعدّوا ذلك تنـزيهاً، فجعلوا النصوص محكوماً عليها، لا حاكمة على غيرها، فيجعلـون العقل وحده أصل علمهم، ويجعلون القرآن والسنة تابعين لـه، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن النصوص الشرعية.

ولذلك حكموا بوجـوب أشياء، وامتناع أشياء أخـرى في حق الله تعالى، لحجج عقلية في نظرهم، اعتقدوها حقاً، وهي خطأ مجانب للصواب، وعارضوا بها نصـوص القرآن وسنة المعصوم صلى الله عليه وسلّم، حتى قال قائلهم:

وكُلّ نصٍّ أَوهَمَ التشبيهـــا[5]

أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تنـزيهَا[6]

والممثلة يضربون لله الأمثال، ويدعون أن صفات الله تعالى تماثل صفات المخلوقين، كقول بعضهم: «يد الله كيدي» و«سمع الله كسمعي» تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

فهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الحق والوسط في هذا الباب، والذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم، فآمنوا بجميع أسماء الله وصفاته الثابتة في النصوص الشرعية، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به أعرف الخلق به رسوله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلّم من غير تعطيل ولا تأويل ومن غير تمثيل ولا تكييف، ويؤمنون بأنها صفات حقيقية، تليق بجلال الله تعالى، ولا تماثل صفات المخلوقين، عملاً بقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ ١١ [الشورى: 11].

فأهل السنة يعتمدون على النصوص الشرعية، ويقدمونها على العقول البشرية، ويجعلون العقل البشري وسيلة لفهم النصوص الشرعية، وشرطاً في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاً بذلك، فهم قد توسطوا في أمر العقل أيضاً، فلم يقدموه على النصوص كما فعل أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، ولم يهملوه ويذموه كما يفعل كثير من المتصوفة، الذين يعيبون العقل، ويقرون من الأمور ما يكذب به صريح العقل، ويُصَدِّقون بأمور يعلم العقل الصريح بطلانها ممن لم يعلم صدقة[7].