الفصل الثاني: الإيمان
الإيمان في اللغة: التصديق بمـــا غاب عنــك، قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ [يوسف: 17][1].
وللفظ الإيمان في الشرع إطلاقان:
الإطلاق الأول: أن يطلق على الإفراد، فيذكر غير مقترن بذكر الإسلام، فيراد به حينئذ: الدين كاملاً (الاعتقادات، والأقوال، والأعمال).
ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿ ٢ ﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ ٣ ﴾ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿ ٤ ﴾ ﴾ [الأنفال: 2-4]، وما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لوفد عبد القيس: «آمركم بأربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم»[2]، وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: «الإيمان بضع وسبعون[3] شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» متفق عليه [4].
فذكر الله تعالى في الآية السابقة اتصاف المؤمنين بالوجل عند ذكر الله تعالى - وهو الخوف -، وذكر فيها زيادة إيمانهم القلبي عند تلاوة القرآن عليهم، والإيمان القلبي هو التصديق، فهو يشمل الاعتقاد كله، وذكر فيها: اتصاف المؤمنين بالتوكل على الله تعالى، والخوف والتوكل من أعمال القلوب.
والحديثان ذكر فيهما كثيرٌ من الأقوال، وأعمال الجوارح.
فهذه النصوص تدل بمجموعها على أن الإيمان عند ذكره غير مقرون بذكر الإسلام يشمل الدين كله[5]، فيشمل كل طاعة، سواء كانت من أعمال القلوب أو من أعمال اللسان، أو من أعمال الجوارح، بل ويشمل ترك المحرم والمكروه إذا قصد به وجه الله تعالى، وتسمى هذه الأعمال «شعب الإيمان»، كما في حديث أبي هريرة السابق[6].
والإيمان بهذا الإطلاق «قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح»، فهو قول ونية وعمل، والعمل ركن في الإيمان لا يصح الإيمان إلا به[7]، وهذا كله مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة[8]، فمن ترك العمل بجميع ما أوجبه الله تعالى، فقد خرج من الإيمان بالكلية، وأصبح من عداد الكافرين بالإجماع [9].
وعليه فإن من ذهب إلى أن العمل ليس بركن في الإيمان، وإنما هو من كماله الواجب أو المستحب قد أخطأ في ذلك خطئاً بيناً، وخالف ما دلت عليه النصوص الشرعية وما أجمع عليه أهل السنة والجماعة كما سبق، وقال بقول من أقوال «مرجئة الفقهاء»[10].
الإطلاق الثاني للإيمان: أن يطلق الإيمان مقروناً بذكر الإسلام، فحينئذ يفسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة، كما في قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ ﴿ ١ ﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿ ٢ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿ ٣ ﴾ ﴾ [العصر: 1-3]، فذكر الإيمان، ثم ذكر بعده الأعمال، وهي التي تدخل في الإسلام، وكحديث جبريل السابق[11].