المطلب الثاني: شروط العبادة وأصولها:
حقيقة عبادة الله تعالى وأصلها:
كمال المحبة له مع كمال الذل والخضوع[1].
فمن يحب من لا يخضع له، فليس عابداً له، وكذلك من يخضع ويذل لمن لا يحبه فليس عابداً له[2].
وعبادة الله تعالى لا تكون مقبولة ولا مرضية له جل وعلا حتى تستكمل شروطها وأركانها.
شروط العبادة:
للعبادة شرطان هما:
الشرط الأول: الإخلاص. وهو: أن يقصد العبد بعبادته وجه الله تعالى دون سواه[3]. قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة: 5].
قال علامة الهند الإمام المحدِّث صديق حسن الحسيني: «لا خلاف في أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله»[4].
وبناء على هذا الشرط فمن أدى العبادة ونوى بها غير وجه الله، كأن يريد مدح الناس، أو يريد مصلحة دنيوية، أو فعلها تقليداً لغيره دون أن يقصد بعمله وجه الله، أو أراد بعبادته التقرب إلى أحد من الخلق، أو فعلها خوفاً من السلطان أو من غيره، فلا تقبل منه، ولا يثاب عليها، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم[5].
وإن قصد بالعبادة وجه الله وخالط نيته رياء حبط عمله أيضاً، ولا يعرف عن السلف في هذا خلافاً[6].
الشرط الثاني: موافقة شرع الله تعالى[7]. وذلك بأن تكون العبادة في وقتها وصفتها موافقة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يزيد في عبادته عملاً أو قولاً لم يرد فيهما، ولا يفعلها في غير وقتها، وكذلك لا يتعبد لله بعبادة لم ترد فيهما، وهذا مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، فلا يعبد الله تعالى إلا بما شرعه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم[8].
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ ﴾ [الحشر: 7]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد» متفق عليه[9]، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، فالآية صريحة في وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث بروايتيه صريح في تحريم إحداث عبادة لم يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ترد في سنته، وتحريم إحداث صفة لعبادة مشروعة، لأن ذلك ليس عليه أمره صلى الله عليه وسلم، وليس من سنته.
* أصول العبادة:
عبادة الله تبارك وتعالى يجب أن ترتكز على أصول ثلاثة، وهي المحبة، والخوف، والرجاء، فيعبد المسلم ربه محبة له، وخوفاً من عقابه، ورجاء لثوابه، ولذلك قال بعض السلف: «من عَبَدَ اللهَ بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن»[10]، وقد أسمى بعض العلماء هذه الأصول «أركاناً»[11]، وسأتكلم عليها بشيء من الاختصار فيما يلي:
* الأصل الأول: المحبة لله تعالى:
هذا الأصل هو أهم أصول العبادة، فالمحبة هي أصل العبادة[12]، فيجب على العبد أن يحب الله تعالى، وأن يحب جميع ما يحبه تعالى من الطاعات، وأن يكره جميع ما يكرهه من المعاصي وأن يحب جميع أوليائه المؤمنين، وفي مقدمتهم رسله عليهم السلام، وأن يبغض جميع أعدائه من الكفار والمنافقين. وكل هذا واجب على المسلم لاخيار له فيه.
كما أنه يجب على المسلم أن يحب الله تعالى وأن يحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحب نفسه وأولاده وماله وكل شيء[13]. قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿ ٢٤ ﴾ ﴾ [التوبة: 24].
ومحبة الله تعالى إذا قويت في قلب العبد انبعثت جوارحه بطاعة الله تعالى، وابتعد عن معصيته، بل إنه يجد اللذة والراحة النفسية عند فعله لعبادة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴿ ٢٨ ﴾ ﴾ [الرعد: 28].
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "قمْ يا بلال فأرحنا بالصلاة"[14]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "جُعلت قرة عيني في الصلاة"، وفي سنده ضعف[15].
ولهذا فإن من يطع الله، ويجتنب معاصيه، ويكثر من ذكره، ومن نوافل العبادات محبة لله وخوفاً منه ورجاء لثوابه يعش في سعادة وانشراح صدر[16]، كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ ﴾ [النحل: 97].
وإذا عصى العبد ربه نقصت محبته لله بقدر معصيته[17]، فمن علامة ضعف محبة الله في القلب إصرار العبد على المعاصي وعدم توبته منها، وكلما أكثر العبد من معصية الله تعالى ضعفت محبته في قلبه أكثر مما كانت قبل ذلك، وهكذا، ولذلك فإنه يخشى على من أسرف على نفسه بالمعاصي أن تذهب محبته لله كلية فيقع في الكفر، ومن ادعى محبة الله مع استكثاره من معصيته فهي دعوى كاذبة، ولذلك لما ادعى قوم محبة الله تعالى أنزل هذه الآية[18]: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ ﴾ [آل عمران: 31]، وهذه الآيه تسمى آية «المحنة» أو آية «الاختبار» فالذي يحب الله حقيقة يتبع ما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، وينتهي عما نهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، قال بعض العلماء: «من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فهو كاذب».
وقال الشاعر:
| تعصي الإله وأنت تزعم حبه |
| هذا محال في القياس شنيع |
| لو كان حبك صادقاً لأطعته |
| إن المحب لمن يحب مطيع |
وإذا ضعفت محبة الله تعالى في قلب العبد بسبب كثرة معصيته له فقد لذة العبادة، وربما استولى عليه الشيطان في عباداته بكثرة الوساوس، فتجده ربما صلى أو ذكر الله أو دعاه وقلبه لاه غافل، فتصبح عباداته أقرب إلى العادة منها إلى العبادة.
ولهذا يجد العاصي قسوة وخشونة في قلبه، ويشعر بعدم الطمأنينة والراحة النفسية، بل إنه يحس بضيق في الصدر، وقلق مستمر[19]، كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ﴿ ١٢٤ ﴾ ﴾ [طه: 124] أي: أن من أعرض عن ذكر الله - وهو القرآن - فلم يمتثل أوامره ولم يجتنب نواهيه يعاقبه الله بالشقاء في هذه الحياة، ولذلك تجد كثيراً من العصاة يلجؤون إلى ما يظنون أنه يزيل عنهم الضيق، فيلجأ أحدهم إلى المسكرات، أو المخدرات، أو شرب الدخان أو النظر إلى الصور المحرمة أو سماع الغناء والمحرمات يظن أنه سيجد السعادة فيزيد الطين بلة، فيزيده ضيقاً إلى ضيق، نسأل الله السلامة والعافية.
ولذلك ينبغي للعبد أن يحرص على الأمور التي تجلب وتقوي محبة الله في قلبه، لتحصل له السعاده في الدنيا والآخرة، ومن هذه الأمور:
1- أداء الواجبات، والبعد عن المحرمات.
2- الإكثار من نوافل العبادات، ومن أهمها: تلاوة كلام الله تعالى وسماعه بتدبر، والإكثار من ذكر الله تعالى، ومن صلاة النافلة، وبالأخص صلاة الليل، والإكثار من دعائه ومناجاته.
3- معرفة أسماء الله تعالى وصفاته.
4- التفكر في نعم الله الكثيرة عليه[20].
* الأصل الثاني: الخوف من الله تعالى.
الخوف هو: تألم القلب بسبب توقع مكروه[21].
فيجب على المسلم أن يعبد الله تعالى خوفاً من عقوبته، كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ ١٧٥ ﴾ ﴾ [آل عمران: 175]، وقال سبحانه: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44]، وقال: ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿ ٤٠ ﴾ ﴾ [البقرة: 40].
والخوف من الله تعالى ينشأ ويعظم عند العبد من عدة أمور، أهمها:
1- معرفته بالله تعالى وبصفاته، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف.
2- تصديقه بأن الله تعالى توعَّد من عصاه بترك الواجبات أو بفعل المحرمات بالعقوبة.
3- معرفته لشدة عقوبة الله تعالى لمن عصاه، وأن العبد لا يستطيع تحمل عقوبته تعالى، وهذا يحصل بمطالعة الآيات والأحاديث الواردة في الوعيد والزجر، والعرض والحساب، وعذاب القبر وعذاب النار.
4- تذكر العبد لمعصيته لله تعالى فيما سبق من عمره.
5- خوفه أن يُحال بينه وبين التوبة، بسبب ارتكابه للذنب، أو أن يختم له بخاتمة سيئة بسبب إصراره على معصية الله تعالى.
وكلما قوي إيمان العبد وتصديقه بعذاب الله تعالى ومعرفته بشدة عذابه تعالى لمن عصاه اشتد خوفه من عذاب الله، ولذلك قال بعض العلماء «من كان بالله أعرف كان منه أخوف»، والخوف المحمود الصادق هو ما حال بين العبد وبين معصية الله تعالى[22].
* الأصل الثالث: الرجاء.
الرجاء هو: الطمع في ثواب الله ومغفرته، وانتظار رحمته[23].
فيجب على المسلم أن يعبد الله رغبة في ثوابه، وأن يتوب إليه عند الوقوع في الذنب رجاء لمغفرته، كما قال تعالى: ﴿ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ ﴾ [الأعراف: 56][24]، وقال سبحانه: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ ﴾ [الزمر: 9]، وقال تعالى عن أنبيائه: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴿ ٩٠ ﴾ ﴾ [الأنبياء: 90].
والرجاء ثلاثة أنواع: (اثنان محمودان[25]، والثالث مذموم)، وهي:
1- رجاء من أطاع الله في أن يتقبل الله عمله، وأن يثيبه عليه بالفوز بالجنة والنجاة من النار.
2- رجاء من أذنب ذنوباً ثم تاب منها في أن يغفر الله ذنوبه وأن يعفو عنها.
3- رجاء من هو متماد في التفريط في الواجبات واقع في المحرمات، مصر عليها، ومع ذلك يرجو رحمة الله، فهذا هو «الغرور» و«التمني» و«الرجاء الكاذب».
قال أبوعثمان الجيزي: «من علامة السعادة أن تطيع وتخاف أن لا تقبل، ومن علامة الشقاوة أن تعصي وترجو أن تنجو»، وحال صاحب هذا الرجاء المذموم يشبه حال من يتمنى الأولاد من غير أن يتزوج، فهو من أسفه السفهاء، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ ٢١٨ ﴾ ﴾ [البقرة: 218] والمعنى: أولئك الذين يستحقون أن يرجوا[26]، وقال تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123][27].
وبالجملة فإنه يجب على المسلم أن يعبد الله محبة له، وخوفاً من عقابه، ورجاء لثوابه، كما أنه ينبغي له أن لا يفْرِط في الخوف حتى يصل إلى درجة القنوط واليأس من رحمة الله، وأن لا يفرط في الرجاء فيتعلق بسعة رحمة الله مع إصراره على معصيته، بل يجب أن يجمع بينهما، وإن كان ينبغي له في حال الصحة أن يغلب جانب الخوف ليحمله على طاعة الله وعلى البعد عن معصيته، وعند الموت يغلب جانب الرجاء على جانب الخوف حتى يموت وهو يحسن الظن بالله، فيفرح بلقائه تعالى، فلابد من الجمع بينهما كما في الآيات الثلاث السابقة[28].