حجم الخط:

محتوى الدرس (23)

4- صفة الوجه:

«الوجه» من صفات الله تعالى الذاتية، الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.

قال الله تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿ ٢٦ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴿ ٢٧ [1] [الرحمن: 26،27]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» رواه مسلم[2]، وفي حديث الحارث الأشعري مرفوعاً: «وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده»[3].

وأجمع السلف على إثبات صفة الوجه لله تعالى، وعلى أنها صفة حقيقية، تليق بجلاله وعظمته، ولا تماثل صفات المخلوقين. قال الإمام أبوحنيفة - رحمه الله -: «له يد ووجه ونفس، كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد والوجه والنفس، فهو لـه صفـات بلا كيف»[4].

5- صفة اليدين:

مذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى يدين اثنتين، ويعتقدون أنهما يدان حقيقيتـان تليقان بجلال الله تعالى، ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهما من صفات الله تعالى الذاتية، الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.

قال الله تعالى مخاطباً الشيطان الرجيم: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ [ص: 75].

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ! أو يا أبا القاسم ! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً مما قال الحبر، تصديقاً لـه، ثم قرأ: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ ٦٧ [الزمر: 67]. رواه البخاري ومسلم[5].

وعن عبيدالله بن مقسم أنه نظر إلى عبدالله بن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأخذ الله عز وجل سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله»، ويقبض أصابعه ويبسطها[6]؛ «أنا الملك» حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم[7].

وروى مسلم عن عبدالله بن عمرو مرفوعا: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عـز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا». رواه مسلم[8].

وروى البخاري ومسلم عن أنس حديث الشفاعة، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلّم أخبر أن المؤمنين يقولون لآدم يوم القيامة: «خلقك الله بيده»[9].

وأجمع سلف هذه الأمة على أن لله تعالى يدين حقيقيتين لا تماثلان أيدي المخلوقين[10].

6- المحبة:

المحبة من صفات الله تعالى الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.

قال الله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: 54]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب اللهُ العبدَ نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبداً..» رواه البخاري ومسلم[11]، وفي الصحيحين أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم خيبر: «لأُعطيَنَّ الراية غداً لرجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»[12].

وأجمع السلف على ثبوت صفة المحبة لله تعالى، وعلى أنها صفة حقيقية، لا تماثل صفات المخلوقين، فهو تعالى يحب من يشاء من خلقه.

هذا وهناك صفات كثيرة غير ما ذكر ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، أو بأحدهما، وبإجماع السلف، يطول الكلام بذكرها وذكر أدلتها، ومنها: الخلق، والرزق، والرضى، والضحك، والغضب، والعزة، والعلم، والعدل، والحياء، والجمال، والانتقام من المجرمين، والنزول إلى السماء الدنيا، والكيد لأعدائه، والخداع لمن خادعه، والعين، والأصابع، والقدم، وأنه يراه المؤمنون يوم القيامة، وغير ذلك[13].

المبحث الرابع: ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات:

أن معرفة العبد بأسماء الله وصفاته ومعرفته بمعانيها وإيمانه بأنها صفات حقيقية تليق بجلال الله وعظمته وأنها لا تماثل صفات المخلوقين يكسبه سعادة الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بها أو أوَّلَها وصرَفَها عن معناها الحقيقي حرم السعادة، فإيمان العبد بأسماء الله وصفاته لـه ثمرات وفوائد كثيرة، من أهمها ما يلي:

1- أعظم ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات: تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب، ووصفه بصفات الكمال اللائقة بجلاله، ونفي مماثلتها لصفات المخلوق الضعيف، وإثبات الأسماء الحسنى لـه جل وعلا.

2- أنَّ مَنْ آمن بأن من أسماء الله تعالى «العفو»، و«الغفور»، و«الرحيم»، وأن من صفاته «المغفرة للمذنبين»، و«الرحمة»، و«العفو» دعاه ذلك إلى عدم اليأس من روح الله، وإلى عدم القنوط من رحمته، بل ينشرح صدره لما يرجو من رحمة ربه ومغفرته.

3- أنَّ من عرف أن من صفات الله تعالى أنه «شديد العقاب»، و«الغيرة إذا انتهكت محارمه»، و«الغضب»، وأنه «ذو انتقام ممن عصاه» حمله ذلك على الخوف من الله تعالى والبعد عن معصيته.

4- أنَّ المؤمن إذا أيقن أن من أسماء الله تعالى: «القوي» و«القادر»، و«العزيز»، وأنه تعالى «يتولى المؤمنين بالحفظ والنصر» أكسبه ذلك عظمة التوكل على الله، والوثوق بنصره، وعدم الهلع من أعدائه، فيعيش قرير العين، واثقاً بحفظ الله وتأييده ونصره.

5- أنّ من استقر في قلبه أن من أسماء الله تعالى «البصير»، وأنه تعالى يرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، وكذلك إذا علم أن من أسماء الله تعالى «الرقيب»، و«العليم»، وأنه تعالى يعلم نيات العباد وخلجات نفوسهم، حمله ذلك على البعد عن معصية الله، وألا يراه الله حيث نهاه، وعلى مراقبته سبحانه في كل ما يأتي وما يذر.

6- أن من آمن بصفات الله واستعاذ بها أعاذه الله مما يخاف منه[14].

7- أن من علم أسـمـاء الله وصفاتـه وتوسـل إلى الله تعالى بها استجاب الله دعاءه، فحصل له ما يرجوه من مرغوب، واندفع عنه ما يخافه من مرهوب.

وهذا كله قطرة من بحر من ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات[15].