حجم الخط:

محتوى الدرس (27)

الأمر الثاني: الشـرك في دعاء العبادة:

دعاء العبادة هو: عبادة الله تعالى بأنواع العبادات القلبية، والقولية، والفعلية كالمحبة، والخوف، والرجاء والصلاة، والصيام، والذبح، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى وغيرها.

وسمي هذا النوع «دعاء» باعتبار أن العابد لله بهذه العبادات طالب وسائل لله في المعنى، لأنه إنما فعل هذه العبادات رجاء لثوابه وخوفاً من عقابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب[1]، فهو داع لله تعالى بلسان حاله، لا بلسان مقاله.

* ومن أمثلة الشـرك في هذا النوع:

أ- شـرك النية والإرادة والقصد:

هذا الشـرك إنما يصدر من المنافق النفاق الأكبر، فقد يظهر الإسلام وهو غير مقر به فـي باطنه، فهو قد راءى بأصل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة: 14]، وقد يرائي ببعض العبادات، كالصلاة، كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿ ١٤٢ [النساء: 142][2]، فهم قد جمعوا بين الشـرك والنفاق.

ب- الشـرك في الخوف:

الخوف في أصله ينقسم إلى أربعة أقسام:

1- الخوف من الله تعالى: ويسمى «خوف السر»، وهو الخوف المقترن بالمحبة والتعظيم والتذلل لله تعالى، وهو خوف واجب، وأصل من أصول العبادة[3].

2- الخوف الجِبـِلِّي: كالخوف من عدو، والخوف من السباع المفترسة ونحو ذلك. وهذا خوف مباح؛ إذا وجدت أسبابه، قال الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ [القصص: 21].

3- الخوف الشـركي: وهو أن يخاف من مخلوق خوفاً مقترناً بالتعظيم والخضوع والمحبة. ومن ذلك الخوف من صنم أو من ميت خوفاً مقروناً بتعظيم ومحبة، فيخاف أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته، كأن يخاف أن يصيبه بمرض أو بآفة في ماله، أو يخاف أن يغضب عليه؛ فيسلبه نِعَمَهُ فهذا من الشـرك الأكبر، لأنه صرف عبادة الخوف والتعظيم لغير الله، ولما في ذلك من اعتقاد النفع والضر في غير الله تعالى [4]، قال الله تعالــى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿ ١٨ [التوبة: 18]، قال ابن عطية المالكي الأندلسي المولود سنة 481هـ في تفسيره في تفسير هذه الآية: «يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة».

ومن الخوف الشـركي: أن يخاف من مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، كأن يخاف من مخلوق أن يصيبه بمرض بمشيئته وقدرته[5].

4- الخوف الذي يحمل على ترك واجب أو فعل محرم، وهو خوف محرم[6]، كمن يخاف من إنسان حي أن يضره في ماله أو في بدنه، وهذا الخوف وهمي لا حقيقة له، وقد يكون هناك خوف فعلاً ولكنه يسير لا يجوز معه ترك الواجب أو فعل المحرم[7]. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ ١٧٥ [آل عمران: 175].

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قـال: «لا يمنعنَّ أحدَكم مخافةُ الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه»[8].

ج - الشـرك في المحبة:

المحبة في أصلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- محبة واجبة: وهي محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم [9]، ومحبة ما يحبــه الله تعالى من العبادات وغيرها[10].

2- محبة طبيعية مباحة: كمحبة الوالد لولده، والإنسان لصديقه، ولماله ونحو ذلك[11].

ويشترط في هذه المحبة أن لا يصحبها ذل ولا خضوع ولا تعظيم، فإن صحبها ذلك فهي من القسم الثالث، ويشترط أيضاً أن لاتصل إلى درجة محبته لله ومحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ساوتها أو زادت عليها فهي محبة محرمه[12]، لقولـه تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿ ٢٤ [التوبة: 24][13].

3 - محبة شـركية، وهي أن يحب مخلوقاً محبة مقترنة بالخضوع والتعظيم، وهذه هي محبة العبودية، التي لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صرفها لغيره فقد وقع في الشـرك الأكبر، قال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ [البقرة: 165] [14].

د- الشـرك في الرجاء:

وهو أن يرجو من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، كمن يرجو من مخلوق أن يرزقه ولداً، أو يرجو منه أن يشفيه بإرادته وقدرته، فهذا من الشـرك الأكبر المخرج من الملة[15].

هـ- الشـرك في الصلاة والسجود والركوع:

فمن صلى لغير الله، أو سجد أو ركع أو انحنى لمخلوق محبة وخضوعاً لـه وتقرباً إليه[16]، فقد وقع في الشـرك الأكبر بإجماع أهل العلم[17]، قال الله تعالى: ﴿ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿ ٣٧ [فصلت: 37]، وقال سبحانه: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ [الأنعام: 162،163]، وثبت عن أنس بن مالك قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وإن الجمل استصعب عليهم، فمنعهم ظهره، وإن الأنصار جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وإنه استصعب علينا، ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأصحابه: "قوموا"، فقاموا، فدخل الحائط والجمل في ناحيته، فمشى النبي صلى الله عليه وسلّم نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، إنه قد صار مثل الكلب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال: "ليس علي منه بأس". فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أقبل نحوه، حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كانت قط، حتى أدخله في العمل. فقال له أصحابه: يا نبي الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال: "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها"[18]، وثبت عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم دخل حائطا من حوائط الأنصار، فإذا فيه جملان يضربان ويرعدان، فاقترب رسول الله صلى الله عليه وسلّم منهما، فوضعا جرانهما بالأرض، فقال من معه: نحن أحق أن نسجد لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد، ولو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه"[19]، ولأنه قد صـرف شيئاً من العبادة لغيــر الله عز وجل، وصرف العبادة لغيره شـرك بإجماع أهل العلم[20].