حجم الخط:

محتوى الدرس (29)

حكم الساحر:

جاءت النصوص الشـرعية صريحة في كفر الساحر لعبادته للشياطين أو لعمله أموراً كفرية إرضاءً لهم.

قال الله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿ ١٠٢ [البقرة: 102].

وقال تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ﴿ ٦٩ [طه: 69].

وقد أجمع أهل العلم على أن تعلم السحر وتعليمه والعمل به كبيرة من كبائر الذنوب[1]؛ للآيتين السابقتين، ولما روى البخاري ومسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشـرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»[2].

وحد الساحر: القتل؛ لما ثبت عن عمر من أنه أمر بقتل كل ساحر، ولما ثبت عن عثمان أنه أقر قتل الساحر، ولما ثبت عن حفصة أنها قتلت جارية لها سحرتها، ولما ثبت عن جندب أنه قتل ساحرا [3].

أما حكم الذهاب إلى الساحر لطلب العلاج أو السؤال عن شئ مما يريد الإنسان معرفته فهو محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، وإن صدقه بما يخبر به من أمور الغيب، كأن يخبره بشيء مما يحدث في المستقبل، فإن هذا الذي صدقه قد وقع في الشـرك الأكبر المخرج من الملة، لما سبق ذكره في الأحاديث عند بيان حكم الذهاب إلى الكهان والسحرة عند الكلام على الشـرك في الأسماء والصفات، ومثله أو قريب منه: أن يذهب إلى الساحر ليسحر له، كحال المرأة التي تذهب إلى الساحر ليسحر زوجها بسحر العطف الذي سيأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى-، وكحال الرجل الذي يذهب إليه ليسحر شخصاَ بينه وبينه خصومة أو مشاجرة أو عداوة.

وقد روى البخاري عن أبي مسعود، قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن»[4]، وروى مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قلت: يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، قال: «فلا تأتوا الكهان»، قال: قلت: كنا نتطير، قال: «ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم»[5]، وهذا كله يدل على أن طلب السحر من الساحر كبيرة من كبائر الذنوب، بل يدل على أن مجرد الذهاب إليه وسؤاله من كبائر الذنوب، وعلى أن إعطاءه المال محرم؛ لأن ما حرم أخذه حرم إعطاؤه، ويزداد جرم وإثم من طلب السحر من الساحر إذا أصاب المسلم المسحور أذى من مرض أو غيره، لما في ذلك من الأذى للمؤمنين؛ قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿ ٥٨ [الأحزاب: 58].

من أعمال السحرة في سحرهم:

للسحرة في سحرهم طرق متنوعة وأساليب خبيثة، منها ما يعملونه بمعونة من الشياطين، ومنها ما يعملونه من باب الدجل والخداع للسذج من الناس؛ ومن أهم أعمال السحرة في سحرهم ما يلي:

1- إيصال الضرر إلى المسحور:

وذلك يكون غالباً بنفث الساحر بريقه الخبيث على خيط ونحوه، وقد يدعو الشياطين ويستعين بهم، ثم يعقد هذا الخيط، قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴿ ٤ ، وأشهر هذه الأضرار:

أ- الصرف والعطف، ويسمى «التوله»، وفي الحديث: «إن الرقى والتمائم والتوله شـرك»[6]، والعطف: أن يفعل الساحر عن طريق الجن بالمسحور ما يجعله يحب زوجته أو غيرها من النساء حباً كبيراً يجعله يتعلق بها ويخضع لها، والصرف عكسه.

ب- إصابة المسحور بالمرض، وذلك عن طريق تلبس الجن بالمسحور، ونحو ذلك.

2- دعوى علم الغيب عن طريق التنجيم.

3- دعوى علم الغيب عن طريق الضـرب بالحصـى وقراءة الكف والفنجان، ونحوها.

وقد سبق الكلام على هاتين المسألتين عند الكلام على الشـرك الأكبر في الأسمـاء والصفات.

4- خداع الساحر من يأتي إليه بإقناعه بأن الجن يطيعونه، وأنه سيشفى على أيديهم، وقد يفعل الساحر بإعانة من الجن بعض الأمور الخارقة لعادة بني الإنسان، كأن يحمل الجنُّ الساحرَ، فيرتفع في الهواء أمام الناس، وقد يخبر الساحر من جاء إليه أو كلمه بهاتف أو غيره بإخباره ببعض الأشياء التي فعلها أو بإخباره باسمه أو اسم أمه، وقد يخبره بمكانه عند تكليمه له ويخبره بما يلبسه من لباس ومن هو جالس معه، ونحو ذلك مما يخبر به الجن هذا الساحر، وقد يستعين الجن الذين يتعامل معهم هذا الساحر بالقرين من الجن الذي هو ملازم لهذا الشخص الذي أتى إلى هذا الساحر أو كلمه، فيحمل هذا الخداع هذا الشخص وبالأخص مع قلة علمه ودينه على تصديق هذا الساحر ورجائه والخضوع له [7]، فيوقعه بذلك في عبادته، لأن الخضوع عبادة لله بلا خلاف[8]، فمن صرفه لغير الله وقع في الشـرك الأكبر.

5- السعي إلى إخراج المسلم من الإسلام بأمره ببعض الأمور الكفرية، فمثلاً عندما يذهب بعض المسلمين إلى الساحر طالباً للعلاج يأمره بذبح حيوان إلى غير جهة القبلة ودون أن يذكر اسم الله عند الذبح، أو يأمره بالطواف على منزل معين، ويعده أنه إن فعل ذلك فك الجن السحر عنه وأبطلوه، فإذا فعل هذا المريض هذا العمل وقع في الشـرك الأكبر؛ لأنه فعل عبادة الذبح أو عبادة الطواف تقرباً إلى الجن.

6- سحر التخييل، ويمكن تقسيمه إلى قسمين:

أ- أن يرى المسحور ويخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، ومن أمثلته: ما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت سحر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يهوديٌّ من يهود بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، جاءني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي. فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة. قال: وجب طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان».

قالت: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين». قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شـرا، فأمرت بها فدفنت»[9].

ب- أن يرى الإنسان الشيء فيخيل إليه أنه شيء آخر، فيرى الحجر طيراً، ويرى الإبرة سيفاً، ونحو ذلك، ومن أمثلته: ماذكر ربنا جل وعلا عن سحرة فرعون، قال تعالى: ﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ﴿ ٦٦ [طه: 66] [10].

وهكذا بقيـة العبادات كالتوكُّل[11]، والتبرك، والتعظـيم البالغ[12]، والخضوع[13]، وقراءة القرآن، والذكر، والأذان[14] والتوبة والإنابة فهذه كلها عبادات لا يجوز أن تصرف لغير الله، فمن صرف شيئاً منها لغير الله فقد وقع في الشـرك الأكبر[15]، وسيأتي التفصيل في الشـرك في بعض هذه العبادات وذكر بعض العبادات التي لم تذكر هنا قي الباب الآتي عند الكلام على الشـرك الأصغر وعند الكلام على الوسائل التي تؤدي إلى الوقوع في الشـرك الأكبر - إن شاء الله تعالى -.