حجم الخط:

محتوى الدرس (39)

الباب الرابع منقصات التوحيد

الفصل الأول الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر

التمهيد:

لما كان الشرك الأكبر أعظم ذنب عُصي اللهُ به؛ حرَّم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كل قول أو فعل يؤدي إليه، أو يكون سبباً في وقوع المسلم فيه.

فالرسول صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على هداية أمته، وسلامتها من كل ما يكون سبباً في هلاكها، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿ ١٢٨ [التوبة: 128].

وثبت عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أيها الناس، إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب[1]، ولا يحملكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عنده إلا بطاعته»[2].

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يحجزهن، ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبــوني، تقحّمون فيها» رواه البخاري ومسلم[3].

فالرسول صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد من كل ما يهدمه أو ينقصه حماية محكمة، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك ولو من بعيد؛ لأن من سار على الدرب وصل؛ ولأن الشيطان يزين للإنسان أعمال السوء، ويتدرج به من السيء إلى الأسوأ شيئاً فشيئاً حتى يخرجه من دائرة الإسلام بالكلية إن استطاع إلى ذلك سبيلاً فمن انقاد له واتبع خطواته خسر الدنيا والآخرة.

ولذلك لما عصى كثيرٌ من المسلمين نبيَّهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بفعل بعض الأمور التي نهاهم عنها وحذرهم منها، واتبعوا خطوات الشيطان الذي زين لهم الباطل ودعاهم إليه حتى ظنوا أنهم على الحق مع مخالفتهم ومعصيتهم الصريحة للنبي صلى الله عليه وسلم أدى بهم ذلك إلى الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة.

وسأبيِّن إن شاء الله ثلاثاً من أهم الوسـائل التي توصل إلى الشرك وتوقع المسلم فيه، والتي حذر منها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، في المباحث الآتية:

المبحث الأول: الغلو في الصالحين:

[توضيح المسألة]

لقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من الغلو في حقه صلى الله عليه وسلّم، فقد روى البخاري عن عمر رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: «لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله، ورسوله»[4]، والإطراء هو الغلو، وإذا كان هذا في حقه صلى الله عليه وسلّم وهو أفضل البشر، فغيره ممن هو دونه في الفضل أولى أن ينهى عن الغلو فيه.

وثبت أن الغلو في الصالحين كان هو أول وأعظم سبب أوقع بني آدم في الشرك الأكبر، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس - رضي الله عنهما أنه أخبر عن أصنام قوم نوح أنها صارت في العرب، ثم قال: «أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلـكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً[5] وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبـد، حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم[6]، عُبدت»[7].

ولذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من التساهل في هذا الباب؛ لئلا يؤدي به أو يؤدي بمن يراه أو يقلده أو يأتي بعده إلى الوقوع في الشرك الأكبر.

ومن أنواع الغلو المحرم في حق الصالحين والذي يوصل إلى الشرك:

أولاً: المبالغة في مدحهم:

كما يفعل كثير من الرافضة، وقلدهم في ذلك كثير من الصوفية، وقد أدت هذه المبالغة بكثير منهم في آخر الأمر إلى الوقوع في الشرك الأكبر في الربوبية[8]، وذلك باعتقاد أن بعض الأولياء يتصرفون في الكون، وأنهم يسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم يجيبون دعاءه، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب[9]، مع أنه ليس لديهم دليل واحد يتمسكون به في هذا الغلو، سوى أحاديث مكذوبة أو واهية ومنامات، وما يزعمونه من الكشف إما كذباً، وإما من أثر تلاعب الشيطان بهم، وقد أدى بهم هذا الغلو إلى الشرك في الألوهية أيضاً، فدعوا الأموات من دون الله، واستغاثوا بهم، وهذا والعياذ بالله من أعظم الشرك[10].

وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الغلو في مدحه عليه الصلاة والسلام، فقال: «لا تطروني كما أطرت[11] النصارى المسيح بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» رواه البخاري[12]، وإذا كان هذا في حقه صلى الله عليه وسلم فغيره من البشر أولى أن لا يزاد في مدحهم، فمن زاد في مدحه صلى الله عليه وسلم أو في مدح غيره من البشر فقد عصى الله تعالى، ومن دعا إلى هذا الغلو وأصر عليه بعد علمه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم فقد ردَّ سنته صلى الله عليه وسلم، ودعا الناس إلى عدم اتباعه عليه الصلاة والسلام، وإلى اتباع وتقليد اليهود والنصارى في ضلالهم وغلوهم في أنبيائهم، والذي نهاهم الله تعالى عنه[13].

والنبيُّ صلى الله عليه وسلم له فضائل كثيرة ثابتة في كتاب الله تعالى وفي صحيح سنته عليه الصلاة والسلام[14]، فهو عليه الصلاة والسلام ليس في حاجة إلى أن يكذِب ويزوِّر الناسُ له فضائل صلوات ربي وسلامه عليه.

ثانياً: تصوير الأولياء والصالحين:

من المعلوم أن أول شرك حدث في بني آدم سببه الغلو في الصالحين بنصب الأنصاب في مجالسهم، كما حصل من قوم نوح عليه السلام، وقد سبق ذكر قول ابن عباس - رضي الله عنهما - في ذلك في مقدمة هذا المبحث[15]، ولا شك أن تصوير العلماء ومشاهير الصالحين أعظم تسبباً في إيقاع الجهال في الشرك من وضع الأنصاب في مجالسهم، وبالأخص إذا نُصبت في أماكن العبادة.

ولخطر التصوير وعظم جرم فاعله وردت نصوص شرعية فيها تغليظ على المصورين لذوات الأرواح [16].

ومن النصوص الواردة في ذلك قولـه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أشدَّ الناس عذاباً يوم القيامة المصورون» رواه البخاري ومسلم[17]، وروى البخاري ومسلم أيضاً عن ابن عباس - رضي الله عنهما أنه أتاه رجل فقال: إني رجلٌ أصوّر هذه الصور، فأفتني فيها، فقال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً فتعذبه في جهنم». وقال: إن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له[18].

وثبت عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته». رواه مسلم[19].

ولذلك فإنه ينبغي للمسلم ألا يتساهل في أمر التصوير بجميع أنواعه، سواء منه ما كان مجسماً، كالتماثيل وغيرها مما له ظل وهو أشد حرمة وأعظم إثماً[20] أم ما كان على ورق أو جدار أو خرقة أو غيرها، ويعظم خطر التصوير إذا كان المصوَّر من كبار أهل العلم، أو ممن لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس.

قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: «التصوير معناه نقل شكل الشيء وهيئته بواسطة الرسم أو الالتقاط بالآلة أو النحت، وإثبات هذا الشكل على لوحة أو ورقة أو تمثال، وكان العلماء يتعرضون للتصوير في مواضيع العقيدة؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك، وادعاء المشاركة لله بالخلق أو المحاولة لذلك، وأول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير..، فالتصوير هو منشأ الوثنية؛ لأن تصوير المخلوق تعظيم له، وتعلق به في الغالب، خصوصاً إذا كان المصوّر له شأن من سلطة أو علم أو صلاح، وخصوصاً إذا عُظّمت الصورة بنصبها على حائط أو إقامتها في شارع أو ميدان، فإن ذلك يؤدي إلى التعلق بها من الجهال وأهل الضلال ولو بعد حين، ثم هذا فيه أيضاً فتح باب لنصب الأصنام والتماثيل التي تعبد من دون الله»[21].