حجم الخط:

محتوى الدرس (40)

ثالثاً: التبرك الممنوع بالصالحين:

وسيأتي الكلام عليه عند الكلام على التبرك الممنوع في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.

المبحث الثاني: التبرك الممنوع:

[توضيح المسألة]

التبرك: طلب البركة، والبركة: كثرة الخير وزيادته واستمراره[1].

والتبرك ينقسم من جهة حكمه إلى قسمين:

أ- تبرك مشروع: وهو أن يفعل المسلم العبادات المشروعة طلباً للثواب المترتب عليها، ومن ذلك أن يتبرك بقراءة القرآن والعمل بأحكامه، فالتبرك به هو ما يرجو المسلم من الأجور على قراءته له وعمله بأحكامه، ومنه التبرك بالمسجد الحرام بالصلاة فيه ليحصل على فضيلة مضاعفة الصلاة فيه، فهذا من بركة المسجد الحرام[2].

ب- تبرك ممنوع: وهو ينقسم من حيث حكمه إلى قسمين:

1- تبرك شركي: وهو أن يعتقــد المتبرِّك أن المتبرَّك به وهو المخلــوق يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته استقلالاً[3]؛ لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البركة من الله»[4]، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر.

2- تبرك بدعي: وهو أن يتبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقداً أن الله جعل فيه بركة، أو يتبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه.

وهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سنة[5]، ولأنه جعل ما ليس بسبب سبباً، فهو من الشرك الأصغر[6]؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشـرك الأكبر[7] كما سيأتي بيانه.

وهذا القسم من التبرك وهو التبرك البدعي ينقسم إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: التبرك الممنوع بالأولياء والصالحين:

[توضيح المسألة]

وردت أدلة كثيرة تدل على مشروعية التبرك بجسد وآثار النبي صلى الله عليه وسلم، كشعره وعرقه وثيابه وغير ذلك[8].

أما غير النبي صلى الله عليه وسلم من الأولياء والصالحين فلم يرد دليل صحيح صريح يدل على مشروعية التبرك بأجسادهم ولا بآثارهم[9]، ولذلك لم يرد عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من التابعين أنهم تبركوا بجسد أو آثار أحد من الصالحين، فلم يتبركوا بأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولا بغيره من العشرة المبشرين بالجنة، ولا بأحد من أهل البيت ولا غيرهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، لحرصهم الشديد على فعل جميع أنواع البر والخير، فإجماعهم على ترك التبرك بجسد وآثار غيره صلى الله عليه وسلم من الصالحين[10] دليل صريح على عدم مشروعيته.

وعليه فإن من تبرك بذات أو آثار أحد من الصالحين غير النبي صلى الله عليه وسلم قد عصى الله تعالى، وعصى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وأعطى هذه الخاصية التي خص بها ربنا جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم لغيره من البشر، وسواهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فسوى عموم الأولياء والصالحين بخير البشر وسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه هضم لحقه صلى الله عليه وسلم، ودليل على نقص محبته عليه الصلاة والسلام في قلب هذا المتبرك[11].

ومن أنواع التبرك المحرم بالصالحين:

أ‌) التمسح بهم[12] ولبس ثيابهم أو الشرب بعد شربهم طلباً للبركة.

ب‌) تقبيل قبورهم[13]، والتمسح بها، وأخذ ترابها طلباً للـبركة، وقد حكى جمع من أهل العلم إجماع العلماء على أن هذا كله منهي عنه[14]، وذكر أبوحامد الغزالي الشافعي المتوفي سنة 505هـ، وغيره من علماء الشافعية والحنفية أن هذه الأفعــال من عادات النصــارى[15]، وذكر بعـــض علماء الشافعيــة وبعض علماء الحنفية أن استلام القبور تبركاً كبيرة من كبائر الذنوب[16].

جـ) عبادة الله عند قبورهم تبركاً بها، معتقداً فضل التعبد لله تعالى عندها، وأن ذلك سبب لقبول هذه العبادة، وسبب لاستجابة الدعاء، وسيأتي الكلام على هذا النوع بشيء من التفصيل في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.

النوع الثاني: التبرك بالأزمان والأماكن والأشياء التي لم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التبرك بها.

ومن أمثلة هذه الأشياء:

1- الأماكن التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم، أو تعبد لله فيها اتفاقاً من غير قصد لها لذاتها:

وإنما لأنه صلى الله عليه وسلم كان موجوداً في هذه الأماكن وقت تعبده لله تعالى بهذه العبادة، ولم يرد دليل شرعي يدل على فضلها.

ومن هذه الأماكن: جبل ثور، وغار حراء، وجبل عرفات[17]، والأماكن التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره، والمساجد السبعة التي قرب الخندق، والمكان الذي يزعم بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد فيه - مع أنه مختلف في مكان ولادته عليه الصلاة والسلام اختلافاً كثيراً ومثل الأماكن التي قيل إنه ولد فيها نبي أو ولي أو عاشوا فيها ونحو ذلك مع أن كثيراً من ذلك لم يثبت -.

فلا يجوز للمسلم قصد زيارة هذه الأماكن للتعبد لله تعالى عندها، أو فوقها، بصلاة أو دعاء أو غيرهما، كما لا يجوز للمسلم مسح شيء من هذه الأماكن لطلب البركة، ولا يشرع صعود هذه الجبال لا في أيام الحج ولا غيرها، حتى جبل عرفات، لا يشرع صعوده في يوم عرفة، ولا غيره، ولا التمسح بالعمود التي فوقه، وإنما يشرع الوقوف عند الصخرات القريبة منه إن تيسر، وإلا وقف الحاج في أي مكان من عرفات.

ولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابـة أنه قصـد شيئاً من هذه الأماكــن للتبرك بهـا بتقبيل أو لمـس أو غيرهمـا[18]، ولا أن أحداً منهم قصدهـا للتعبـد لله فيهـا[19].

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» رواه البخاري ومسلم[20]، وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي هو ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم أنه لما رأى الناس وهو راجع من الحج ينـزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعَاً[21]، من مر بشيء من هذه المساجد فحضرت الصلاة فليصل، وإلا فليمضِ»[22].

فهذا قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»[23]، وهو أي قول عمر السابق - يدل على التحذير من التبرك بالأماكن التي مر بها أو تعبد فيها نبينا صلى الله عليه وسلم دون قصد لها، وعلى عدم مشروعية قصد هذه الأماكن للتعبد لله فيها، وعلى هذا أجمع سلف هذه الأمة وكل من سار على طريقتهم[24]؛ لما سبق؛ ولأن ذلك من المحدثات التي لا دليل عليها.

2- التبرك ببعض الأشجار وبعض الأحجار وبعض الأعمدة وبعض الآبار والعيون التي يظن بعض العامة أن لها فضلاً:

إما لظنهم أن أحد الأنبياء والأولياء وقف على ذلك الحجر، أو لاعتقادهم أن نبياً نام تحت تلك الشجرة، أو يرى أحدهم رؤيا أن هذه الشجرة أو هذا الحجر مبارك، أو يعتقدون أن نبياً اغتسل في تلك البئر أو العين، أو أن شخصاً اغتسل فيها فشفي، ونحو ذلك، فيغلون فيها ويتبركون بها، فيتمسحون بالأشجار والأحجار، ويغتسلون بماء هذه البئر أو تلك العين طلباً للبركة، ويعلقون بالشجرة الخرق والمسامير والثياب[25]، فربما أدى بهم غلوهم هذا في آخر الأمر إلى عبادة هذه الأشياء، واعتقاد أنها تنفع وتضر بذاتها.

ولا شك أن التبـــرك بالأشجــار والأحجــار والعيون ونحوها، بأي نـــوع من أنواع التبرك، من مسح أو تقبيل، أو اغتسال، أو غيرها مما سبق ذكـــره محرم بإجماع أهـــل العلم[26]، ولا يفعله إلا الجهـــال؛ لأنه إحداث عبادات ليس لها أصل في الشـــرع[27]، ولأنه من أعظم أسباب الوقـــوع في الشرك الأكبر[28]، ولما روى أبو واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ » [الأعراف: 138]، ثم قال: «إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم»[29].

فلما طلب حدثاء العهد بالإسلام من الصحابة شجرة يتبركون بها تقليداً للمشركين أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأخبرهم أن طلبهم هذا يشبه طلب بني إسرائيل من موسى عليه السلام أن يجعل لهم آلهة تقليداً لمشركي زمانهم، فطلبهم مشابه لطلب بني إسرائيل من جهة طلب التشبه بالمشركين فيما هو شرك، وإن كان ما طلبه هؤلاء الصحابة من الشـرك الأصغر[30].

ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه ليس هناك حجر أو غيره يشرع مسحه أو تقبيله تبركاً، حتى مقام إبراهيم الخليل عليه السلام لا يشرع تقبيله مطلقاً مع أنه قد وقف عليه، وأثرت فيه قدمـــاه عليه السلام -، وهذا كله قد أجمع عليه أهل العلم[31].

ومسح الحجر الأسود وتقبيله وكذلك مسح الركن اليماني في أثناء الطواف إنما هو من باب التعبد لله تعالى، واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لما قبل الحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبَّلتك» رواه البخاري ومسلم[32].

كما أنه يجب قطع الأشجار وهدم الآبار والعيون، وإزالة الأحجار التي يتبرك بها العامة[33]؛ حسماً لمادة الشرك، ومنعاً لوسائله.

3- التبرك ببعض الليالي والأيام التي يقال: إنها وقعت فيها أحداث عظيمة:

كالليلة التي يقال إنها حصل فيها الإسراء والمعراج، ونحو ذلك، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بشيء من التفصيل في الفصل الخامس من هذا الباب عند الكلام على البدعة إن شاء الله تعالى.

النوع الثالث: التبرك بالأماكن والأشياء الفاضلة:

وردت نصوص شرعية كثيرة تدل على فضل وبركة كثير من الأماكن، كالكعبة المشرفة، والمساجد الثلاثة، وكثير من الأزمان كليلة القدر ويوم عرفة، وكثير من الأشياء الأخرى، كماء زمزم، والسحور للصائم، والتبكير في طلب الرزق ونحوه، وغير ذلك.

والتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها[34]، ولا يجوز التبرك بها بغير ما ورد، وعليه فمن تبرك بالأزمان أو الأماكن أو الأشياء التي وردت نصوص تدل على فضلها أو بركتها بتخصيصها بعبادات أو تبركات معينة لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، فقد خالف المشروع، وأحدث بدعة ليس لها أصل في الشرع، وذلك كمن يخص ليلة القدر بعمرة، وكمن يتبرك بجدران الكعبة بتقبيلها أو مسحها، أو يتمسح بمقام إبراهيم أو بالحجر المسمى حجر إسماعيل، أو بأستار الكعبة، أو بجدران المسجد الحرام، أو المسجد النبوي وأعمدتهما ونحو ذلك، فهذا كله محرم، وهو من البدع المحدثة، وقد اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة على عدم مشروعيته[35].

ومثله التبرك المحدث السابق: أن يتبرك بأحجار أو تراب شيء من المواضع الفاضلة بالتمرغ عليه أو بجمعه والاحتفاظ به.

ومما يدل أيضاً على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع: ما ثبت في صحيح البخاري عن ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم: عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه»[36]، أنه قال رضي الله عنه لما قبَّل الحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك» رواه البخاري ومسلم[37]، فقول عمر هذا صريح في أن تقبيل الحجــر الأسود إنما هو اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمسلم يفعله تعبداً لله تعالى، واقتداءً بخير البرية صلى الله عليه وسلم، وليس من باب التبرك في شيء[38].

وإذا كان هذا في شأن الحجر الأسود الذي هو أفضل الكعبة، فغيره من الأماكن والأشياء الفاضلة أولى، فيتعبد المسلم فيها بما ورد في الشرع ولا يزيد عليه.

ومما يدل كذلك على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع: ما ثبت عن حبر الأمــة وترجمــان القرآن ابن عــم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبــاس - رضي الله عنهما من أنه أنكر على من استلم أركان الكعبة الأربعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني. رواه البخاري[39]، وما ثبت عن الصحابي الجليل عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما من الإنكار على من مسح مقام إبراهيم[40].

[ختام]

وفي ختام الكلام على هذا الموضوع أي التبرك البدعي أقول: إن هذا النوع من التبرك من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، ولذلك لما عصى الله تعالى بعض المسلمين بفعل التبرك البدعي أدى ذلك بكثير منهم إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وذلك بالوقوع في التبرك الشركي، أو بالوقوع في نوع آخر من أنواع الشرك الأكبر.

وقد نقل ابن إسحاق صاحب المغازي وغيره ما يدل على أن سبب وقوع العرب في الشرك هو تعظيم حجارة حرم مكة والتبرك بها[41]، بل قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي عند كلامه على التبرك: «العامة لا تقتصر في ذلك على حد، بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ في جهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج بـه عن الحد، فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة، ولأجله قطع عمر رضي الله عنه الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية حسبما ذكره أهل السير»[42]، وهذا يدل أيضاً على تحريم جميع أنواع التبرك الممنوع.