النوع الثالث: الشرك الأصغر في الأقوال:
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الحلف بغير الله:
الحلف في اللغة: مصدر حلَف، يحلف، وهو الملازمة؛ لأن الإنسان يلزمه الثبات على ما حلف عليه، ويُسمى «اليمين» ؛ لأن المتحالفين كان أحدهما يصفق بيمينه على يمين صاحبه[1]، ويُسمّى أيضاً «القسم» [2].
والحلف في الأصل: توكيد الشيء بذكر معظَّم مصدَّراً بحرف من حروف القسم.
وفي الاصطلاح: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى[3] مصدراً بحرف من حروف القسم.
وقد أجمع أهل العلم على أن اليمين المشروعة هي قول الرجل: والله، أو بالله، أو تا لله[4]، واختلفوا فيما عدا ذلك[5].
واليمين عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله[6]، فيحرم الحلف بغيره تعالى، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله، وإلا فليصمت» متفق عليه[7]، فمن حلف بغير الله سواء أكان نبياً أم ولياً أم الكعبة أم غيرها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب[8]، ووقع في الشرك، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»[9]، ولأن الحلف فيه تعظيم للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائناً من كان[10]، فقد جعله شريكاً لله عز وجل في هذا التعظيم الذي لا يليق إلا به سبحانه وتعالى[11].
وهذا الحلف يكون من الشرك الأصغر إن كان الحالف أشرك في لفظ القسم لا غير[12]، أما إن قصد الحالف بحلفه تعظيم المخلوق الذي حلف به كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتاً، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم أنهم لا يحلفون بهم كاذبين مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن هذا المحلوف به أجل وأعظم وأخوف عندهم من الله تعالى[13].
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ «الواو».
العطف بالواو يقتضي مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولذلك فإنه يحرم العطف بها[14] بين الله وبين أحد من خلقه في أي أمر من الأمور التي يكون للمخلوق فيها دخل في وقوعها[15]، كأن يقال: «ما شاء الله وشئت»، أو يقال: «هذا من بركات الله وبركاتك»، أو يقال: «ما لي إلا الله وأنت»، أو يقال: «أرجو الله وأرجوك»، ونحو ذلك، فمن تلفظ بأحد هذه الألفاظ أو ما يشبهها فقد وقع في الشرك، والدليل: قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ ٢٢ ﴾ ﴾ [البقرة: 22][16]، وما رواه الطفيل بن سخبرة - أخي عائشة لأمها - قال: قال رجل من المشركين لرجل من المسلمين: نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله، وشاء محمد. فسمع النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن، قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد"[17]، وما رواه ابن عباس: أن رجلا، أتى النبي صلى الله عليه وسلّم فكلمه في بعض الأمر، فقال: ما شاء الله وشئت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أجعلتني لله عدلا؟ قل: ما شاء الله وحده"[18]، والعدل هو الند والمماثل والمشارك، فجعل النبي صلى الله عليه وسلّم هذا العطف بالواو نوعاً من الشرك، وعليه: فإن كان هذا القائل يعتقد أن ما نسبه إلى المخلوق الذي عطفه على اسم الله تعالى ب «الواو» ليس على سبيل الاستقلال، ولكن نسبه إلى هذا المخلوق لأنه هو المباشر لهذا الأمر لا غير، مع اعتقاده أن الله هو الخالق المقدِّر، فهو شرك أصغر، من أجل هذا اللفظ الذي فيه تشريك[19]. وإن كان يعتقد أن هذا المخلوق مشارك لله تعالى على سبيل الاستقلال، وأن تصرفه في ذلك بدون مشيئة الله تعالى فهو شرك أكبر[20].