حجم الخط:

محتوى الدرس (51)

الفصل الخامس البدعة

[معنى البدعة]

البدعة في اللغة: مصدر «بدع»، وهو: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال سابق[1]، وإحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر[2].

فالبدعة لغة: خلاف السنة، وهي اسم لما ابتدع في الدين وغيره[3].

والبدعة في الاصطلاح الشرعي: كل اعتقاد أو قول أو فعل أو ترك تعبّد به لله تعالى، وليس في الشرع ما يدل على مشروعيته[4].

والبدعة تنقسم بحسب متعلقها إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: البدعة الاعتقادية: وهي اعتقاد خلاف ما أخبر الله به وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن أمثلة هذه البدعة: بدعة التمثيل أو التعطيل، وبدعة نفي القدر أو القول بالجبر، والابتداع باعتقاد ما يؤدي إليه استعمال علم الكلام والاعتماد على العقل البشري من التأويل الباطل[5]، والابتداع باعتقاد أن الأولياء يتصرفون في الكون، ونحو ذلك.

القسم الثاني: البدعة العملية: وهي التعبد لله بغير ما شرع، وذلك بإحداث عبادة لم تُشرع، أو الزيادة أو النقص في عبادة مشروعة، أو الإتيان بالعبادة على صفة محدثة، أو المواظبة على عبادة مشروعة في وقت معين، مع أنه لم يرد دليل شرعي على مشروعيتها في هذ الوقت.

ومن أمثلة هذه البدعة: البناء على القبور، والدعاء عندها، وبناء المساجد عليها، والأعياد والاحتفالات المحدثة التي يتعبد لله تعالى بها، ونحوذ لك.

القسم الثالث: بدعة الترك: وهي ترك المباح أو ترك ما طلب فعله تعبدا.

ومن أمثلة هذه البدعة: ترك أكل اللحم تعبُّداً، وترك الزواج تعبُّدا[6].

وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم البدع والتغليظ على مبتدعها وفاعلها، ومن أهمها: قول الله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ۚ [الشورى: 21]، وما رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» رواه مسلم[7]، وما رواه العرباض بن سارية رضي الله عنه عن النبي أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجــذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعــة، وكل بدعة ضلالة»[8].

وما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». رواه البخاري ومسلم[9]، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

وما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الثلاثة الذين أرادوا أن يزيدوا على عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» رواه البخاري ومسلم[10].

فصيغ العموم الواردة في النصوص السابقة تدل على تحريم جميع البدع التي يحدثها الناس ويتعبدون لله بها وليس لها أصل في الشرع وأنه ليس شيء منها حسنا[11].

وهذه الصيغ العامة هي: «ما» في الآية والحديث و«كل محدثة بدعة»، و«كل بدعة ضلالة»، و«عملاً»، فهذه الألفاظ كلها تدل على العموم، فهي صريحة في أن جميع البدع محرمة وممنوع من فعلها[12].

[التحذير من البدعة]

فلا يجوز لمسلم أن يعارض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول غيره من البشر كائناً من كان[13]، فإن عارض قوله صلى الله عليه وسلم بقول غيره، كان ذلك دليلاً على ضعف التأسِّي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ودليلاً على نقص محبته له عليه الصلاة والسلام؛ لتقديمه قول غيره وهوى نفسه على سنة خير البشر صلى الله عليه وسلم [14].

وقد ثبت عن الإمام مالك أنه قال: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم دينا»[15]، وقد ثبت عن جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن كثير من البدع في وقائع متعددة[16].

وقد حكى الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي الأندلسي إجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذم البدع وتقبيحها[17]، وهذا إجماع صحيح غير مخروم، فلم يثبت عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه أجاز شيئاً من البدع أو تساهل في أمرها[18]، بل قد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة»[19].

فالبدع محرمة ومذمومة كلها[20]، وخطرها كبير سواء منها ما هو شرك وكفر أم ما لم يصل منها إلى درجة الشرك والكفر.

وما كان من البدع دون الشرك والكفر فهو من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك والكفر[21]، فإذا فتح المسلم لنفسه باب الابتداع في الدين، أو استحسن شيئاً من البدع فلن يقف في غالب الأحوال[22] هو أو من يقلده عند حد حتى يقع في الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر.