البدعة الثالثة: الأذكار المبتدعة:
الأذكار في أصلها قسمان:
القسم الأول: الأذكار المشروعة:
جاءت في القرآن والسنة أذكار قولية كثيرة، يشرع للإنسان أن يقولها وأن يشتغل بها، وقد وردت أذكار كثيرة يستحب قولها عند غالب الأعمال التي يفعلها الإنسان في اليوم والليلة، كما جاء فيهما أذكار أخرى يشرع قولها في كثير من الأوقات والمناسبات والعبادات، ومن هذه الأذكار ما هو توحيد لله، ومنها ما هو تنزيه له، ومنها ما هو ثناء عليه، ومنها ما هو دعاء واستعاذة، إلى غير ذلك من أنواع الأذكار الكثيرة المتنوعة التي يشرع للمسلم أن يقول كل ذكر منها على الصفة التي وردت في النصوص، وأن يقوله في الزمان أو المكان، أو العبادة، أو عند الفعل الذي ورد في النصوص ما يدل على مشروعيته فيه إن كان مقيداً بشيء من ذلك، وإن كان مطلقاً فيستحب للمسلم أن يكثر منه في كل وقت، وينبغي له أن لا يتحرَّى به وقتاً معيناً، ولا يربطه بعمل معين وجوداً أو عدماً[1].
وقد ورد في النصوص ذكر فضائل وأجور عظيمة وكثيرة في حق من أتى ببعض الأذكار، وورد في شأن بعض أذكار التعوذات أن من قالها عُصم من شر كل ذي شر، وذلك إذا قالها عارفاً بمعناها موقناً بها.
القسم الثاني: الأذكار غير المشروعة:
وهي: أن يأتي الإنسان بذكر لم يرد في النصوص، أو يأتي بذكر مشروع بطريقة محدثة، أو يكرره في زمان أو مكان أو في عبادة لم يرد ما يدل على مشروعيته فيها[2].
وعليه فإن الأذكار غير المشروعة – وتسمى: الأذكار البدعية – ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يأتي ببعض ألفاظ الأذكار المشروعة ويترك بعضها بحيث لا يتم المعنى الذي يدل عليه هذا الذكر، كالذكر بضمير الغائب «هو»، أو الذكر بالاسم المفرد «الله»، وقد يكرر هذه الأذكار مرات عديدة.
النوع الثاني: أداء الأذكار المشروعة بطريقة محدثة مبتدعة.
ومن أمثلة ذلك:
1- أن يؤدي جماعة الذكر مجتمعين، فيكبرون أو يهللون أو يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم بصوت واحد، أو يذكر الله أحدهم والبقية يذكرون الله بعده، أو يأمرهم أن يسبحوا عدداً معيناً، فيفعلون ما يطلب منهم، كما فعله بعض العُبَّاد في عهد ابن مسعود رضي الله عنه فأنكر عليهم ابن مسعود ذلك[3].
2- أن يؤدي واحد أو أكثر الذكر بطريقة مطربة، تخرج الذكر عن ما شرع له من التعبد لله وتقوية إيمان العبد. وبعضهم قد يجعل مع هذا الذكر شيئاً من آلات الطرب كالدف والطبل ونحو ذلك.
3- أن يزيد على الأذكار المشروعة ما ليس منها، ويلتزم هذه الزيادة كلما كرر هذا الذكر[4].
النوع الثالث: أن يأتي بالذكر المشروع المقيد بزمان أو بمكان، أو بحالة معينة في غير محله، وبالأخص إذا صحب ذلك تكرار هذا الذكر في هذا الموطن الذي لم يشرع فيه، كمن يلازم الاستعاذة عند كل تثاؤب، وكأن ينادي المؤذن للصلاة بعد الأذان، وهو ما يعرف بـ«التثويب»، ولذلك أنكره ابن عمر رضي الله عنه على من فعله من المؤذنين[5]، وأنكره الإمام مالك – رحمه الله –[6].
ومن ذلك أن يجعل لكل شوط من أشواط الطواف ذكراً معيناً، أو يجعل لمقام إبراهيم ذكراً معيناً وهكذا، كما هو موجود في بعض الكتيبات التي يقرأها بعض الحجاج والمعتمرين جهلاً منهم بحرمة قراءتها في هذه المواضع لعدم الدليل على تخصيصها بها
فكل هذه الأنواع محرمة؛ لأنها من البدع المحدثة، وقد تكاثرت النصوص في النهي عن البدع والتغليظ على فاعلها[7] ولإجماع الصحابة على تركها، ولو كانت مشروعة لبادروا إلى فعلها لحرصهم على الخير، بل قد ثبت عن بعضهم النهي عنها والإنكار الشديد على من فعلها كما سبق، وبعض هذه الأذكار مكروه عند بعض أهل العلم، ولا يصل إلى حد الحرمة، والله أعلم.
ولذلك فإنه يجب على المسلم أن يحرص على المواظبة على الأذكار المشروعة، وأن يبتعد عن الأذكار المبتدعة؛ لأنها معصية لله تعالى، ولأن استمراءها والاستمرار عليها يؤدي في آخر الأمر إلى إحداث واختراع أوراد شركية.
ولذلك لما عصى الله تعالى كثير من المسلمين بابتداع أوراد بدعية محرمة، أدى بهم ذلك إلى ابتداع أوراد أخرى شركية، مثل: ذكر أو «وظيفة ابن مشيش» المشهورة عند بعض الصوفية[8].
ومن ذلك: «صلاة الفاتح» التي اعتُقِد فيها اعتقادات شركية، فمبتدعوها ومن سار على طريقتهم يعتقدون أنها أفضل من القرآن الكريم الذي تكلم به ربنا جل وعلا، وأنها أفضل من جميع الأذكار التي نطق بها خير البرية محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وخرجت من بين شفتيه الكريمتين، وندب إليها صلوات ربي وسلامه عليه، ومثله اعتقاد بعضهم أن ورد «دلائل الخيرات» أو غيره أفضل من القرآن، فهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة.
كما يجب على المسلم إذا أراد أن يذكر الله تعالى بأي ذكر أن ينظر هل هو من الأذكار الثابتة في النصوص الشرعية فيعمل به، أو لم يرد في النصوص فيتركه، بغض النظر عن قائله، ويقدم عليه الأذكار التي نطق بها خير البرية صلى الله عليه وسلم.
* خاتمة فصل البدعة:
بعد أن استعرضنا النصوص الواردة في ذم البدع والتغليظ على فاعلها، وعرفنا ما أدى إليه التساهل بالبدع، واستمراؤها، وما أدى إليه إحداث ما ليس له أصل في هذه الشريعة الكاملة من الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، نعلم يقيناً أنه يجب على كل مسلم أن يسير على طريقة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يغير فيها، وأن لا يزيد فيها ما ليس منها من البدع المحدثات؛ لئلا يجره ذلك إلى الوقوع في الشرك؛ ولئلا يقتدي به غيره من عوام الناس وجهلتهم، فيقعوا في الشرك، فيبوء بإثمه وإثمهم؛ لأنه سن في الإسلام سنة سيئة.
كما يجب على كل مسلم أن يتمسك بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأن يقدمها على أقوال البشر، ففي سنته الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، والسلامة من الضلال والانحراف لمن تمسك بها، وهو من علامة محبة المسلم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والإصرار على البدعة علامة على ضعف محبة المصر عليها للنبي صلى الله عليه وسلم؛ وفعل البدعة أو تحسينها يستلزم اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بأن شريعته ناقصة، أو أنه صلى الله عليه وسلم لم يبين للناس الشريعة كاملة، فهي في مفهوم هذا المبتدع ناقصة تحتاج إلى زيادة أو إكمال[9].
وهذا لا شك كفر إن اعتقده من اخترع هذه البدعة أو أصر على فعلها، فمن المعلوم أن الله تعالى لم يتوفَّ نبيه صلى الله عليه وسلم حتى أكمل هذا الدين، كما قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ ﴾ [المائدة: 3].
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين للأمة جميع الأحكام الشرعية أتم بيان وأكمله، فلا حاجة إلى أن يزيد المسلم في دين الله ما ليس منه.
ومما ينبغي أن يُعلم أنه يجب على المسلم البعد عن المبتدع، وعدم سماع كلامه أو مناظرته[10]؛ لئلا يقع في قلبه شيء من ضلالاته أو الشبه التي يثيرها؛ لأن المبتدع يحتج بالمتشابه ويؤوله إلى ما تهواه نفسه، كما قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ ﴾ [آل عمران: 7]. وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا على عائشة – رضي الله عنها – الآية السابقة، ثم قال: «إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم»[11].
فالمبتدع يترك الآيات الصريحة المحكمة، والأحاديث الصحيحة الواضحة، ويخالفها ويعارضها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، أو بالنصوص المتشابهة، فيستدل بآية أو بحديث أو أثر صحيح فيفسره بغير تفسيره، ويؤوله إلى ما يوافق هواه، ويرد غيره من النصوص التي لم توافق عقله وهواه[12]، والله أعلم.