كتاب الطهارة
لغةً: النظافة والنزاهة من الأدناس.
واصطلاحًا: ارتفاع الحدث وزوال النجس.
(والحدث): وصف معنوي يقوم بالبدن إذا وُجِد سببٌ يمنع من العبادة، وهو قسمان؛ حدث أصغر يوجب الوضوء، وحدث أكبر يوجب الغسل، ويُرفع الحدثُ بالوضوء والغسل أو بما يقوم مَقامَهما وهو التيمم.
وأما (النجس): فهو مستقذر يمنع من صحة العبادة، وزوال النجس يكون بتنقيته عما أصابه.
وأما أحكام الطهارة فنبدأ أولًا بأحكام المياه.
الأصل أن الماء (طاهر مطهِّر)، فهو طاهر في نفسه ومطهِّر لغيره؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ [الفرقان:48]، ولقوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ [المائدة:6].
أفادت الآية الأولى أن الماء طهور، وهو: الطاهر المطهِّر، وأفادت الآية الثانية أن الماء هو الأصل في التطهر من الحدث، فإن عُدم كان التطهر بالصعيد الطيب. وعلى هذا فكل ما يصدق عليه إطلاق لفظ: (الماء) -بدون أي إضافة أو تغيير يخرجه عن هذا الإطلاق- تصح الطهارة به، فعلى هذا:
تصح الطهارة بما نزل من السماء من مطر وثلج وبَرَد؛
وذلك لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هُنيّة قبل أن يقرأ فقلت: يا رسول الله؛ بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشـرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدّنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد»[1]. ومعنى «هنية» قليلًا من الزمن، و«الدنس»: الوسخ والقذر.
وتصح الطهارة بمياه البحار والأنهار والآبار وكل ما نبع من الأرض؛
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»[2]. ولا تصح الطهارة بالماء الذي أضيف إليه شيء آخر غيّره بأن غيّر أحد أوصاف الماء: الطعم أو اللون أو الرائحة تغييرًا يخرجه عن إطلاق اسم الماء عليه، كماء الورد وماء الزعفران ونحوهما.
(1) وهو المنفصل عن أعضاء المتوضئ والمغتسل: حكمه حكم الأصل؛ أي أنه طاهر مطهر، وسواء في ذلك وَجَد ماء آخر أو لم يجد، وذلك لما يأتي:
أولًا: عن الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ رضي الله عنها «أن رسول الله ﷺ مسح رأسه من فضل ماء كان بيده»[3].
ثانيًا: عموم قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ [المائدة:6] وهذا (ماء)، ولم يأت دليل ينص على خروجه عن طهوريته، فيبقى على حكمه.
ثالثًا: اعتبارًا بالأصل؛ إذ إنه طاهر التقى بأعضاء المستعمل له وهي طاهرة، فلم يفقده ذلك من طهوريته شـيئًا.
حكمه: أنه باق على أصله (طاهر مطهر) حتى لو تغير بأن ظهر فيه لون هذا الطاهر، أو طعمه، أو ريحه؛ بشـرط أن لا يكون التغيرُ فاحشًا يخرجه عن إطلاق اسم (الماء) عليه، فإن أخرجه عن إطلاق اسم (الماء) عليه، فالماء طاهر فقط لكنه غير مطهر، فلا تصح الطهارة به كما سبق[4]؛ فعن أم هانئ رضي الله عنها قالت: «اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد من قصعة فيها أثر العجين»[5]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «إذا غسل الجنب رأسه بالخَطْمِي أجزأه»[6] ؛ «والخَطْمِي»: ضـرب من النبات يغسل به الرأس.
(3) الماء الذي خالطته نجاسة حكمه كما يلي:
أ- إذا تغير بهذه النجاسة أحد أوصاف الماء -وهي: طعمه، أو لونه، أو ريحه- فإن الماء يصـير نجسًا. والدليل على ذلك: الإجماع. قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمعوا على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت للماء طعمًا أو لونًا أو ريحًا: أنه نجس ما دام كذلك)[7].
ب- إذا لم يتغير أحد أوصافه السابقة: فالماء على أصله: (طاهر مطهر)، سواء في ذلك قليل الماء وكثيره. والدليل على ذلك ما رواه أصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بُضاعة -وهي بئر يلقى فيها الحِيَض ولحوم الكلاب والنتن- فقال رسول الله ﷺ: «الماء طهور لا ينجسه شـيء»[8]. ومعنى «الحِيَض» بكسـر الحاء وفتح الياء: الخرق التي يمسح بها دم الحيض.
وهذا الحديث صـريح بمنطوقه في طهارة الماء، وأنه لا ينجسه شيء، وقد تقدم نقل الإجماع على ثبوت النجاسة إذا تغير أحد أوصافه فقط.
وقد يقول قائل: يعارض هذا الحديثَ حديثُ القلتين، ولفظه: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»[9]. لأن مفهومه أن ما دون القلتين يحمل الخبث.
والجواب: أنه لا معارضة بين الحديثين لأنه يقال:
أولًا: إذا بلغ قلتين فأكثر فإنه لا يحمل الخبث في أي حال من الأحوال؛ لأن كثرته تحول دون ظهور النجاسة فيه أو تأثره بها وهذا موافق للحديث الأول: «الماء طهور لا ينجسه شـيء».
ثانيًا: وأما ما دون القلتين فلم ينص الحديث على أنه يحمل الخبث، لكن يفهم منه أنه مظنة حمل الخبث، وليس فيه أنه يحمل الخبث نصًّا، ولا أن ما يحمله من الخبث يخرجه عن الطهورية إلا إذا تغير أحد أوصافه. قال صديق حسن خان رحمه الله: (إن ما دون القلتين إن حمل الخبث حملًا استلزم تغير ريح الماء، أو لونه، أو طعمه فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية، وإن حمله حملًا لا يغير أحد تلك الأوصاف فليس هذا الحمل مستلزمًا للنجاسة)[10].
تنبيه: زاد عبد الرزاق عن ابن جريج بسند مرسل «بقلال هجر». قال ابن جريج: (وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين وشـيئًا).
قلت: ويقدره بعض المعاصـرين بنحو (200كجم) مائتي كيلو جرام.
أفتت اللجنة الدائمة أنه: يجوز الوضوء والغسل من مياه برك السباحة العامة الكبيرة التي يزاد في مائها ويتجدد بالفلاتر الحديثة (السعيدان: ص 4).
من ورق الأشجار والطحلب، أو ما تحمله الريح فتسقطه في الماء، أو تجذبه السـيول من العيدان والتبن ونحوه فيتغير الماء به، كل ذلك لا يخرجه عن طهوريته؛ بمعنى أنه باق على أصله: أي (طاهر مطهر)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ [المائدة:6]، وهذا واجد للماء فلا يجوز العدول عنه إلى غيره. وبناءً على ما تقدم فما يُوضع في المياه من مُطهِّرات فإنها لا تخرجه عن طهوريته حتى لو وجد أثرها في الماء؛ لأنها لا تخرجه عن إطلاق اسم الماء عليه.
(5) إذا وقع تراب في الماء فغيَّره:
لا يمنع طَهوريةَ الماء؛ لأن التراب يوافق الماء في صفتيه: الطهارة والطهورية، ولأن صاحبه واجد للماء كما تقدم.
وهو الذي تغير بطول مكثه في المكان، حكمه: أنه باقٍ على إطلاقه، فعلى هذا لو وُضع ماءٌ في خزان مدةً طويلة فتغير جاز الوضوء به. قال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا على أن الوضوء بالماء الآجن من غير نجاسة حلت فيه جائز غير ابن سـيرين قال: لا يجوز). قال ابن قدامة: وقول الجمهور أولى[11].
(7) قال ابن قدامة رحمه الله: (وإذا كان على العضو طاهر كالزعفران والعجين، فتغير به الماء وقت غسله، لم يمنع حصولَ الطهارة به)[12].
قلت: وعلى هذا لو اغتسل بالصابون ثم أراق الماء على جسده وعليه الصابون ونحوه فالغسل صحيح. وقد تقدم أثرُ ابن مسعود: «إذا غسل الجنب رأسه بالخَطْمي أجزأه»[13].
(8) يجوز الوضوء بالماء المُشمس والماء الساخن:
وليس هناك دليل يمنع من استعمالهما، وعلى ذلك فلا بأس باستخدام السخانات الشمسية. بل ثبت عن عمر وابنه عبد الله رضي الله عنهما جواز استعمالهما -أعني: الماء المشمس، والماء الساخن- فروى الدارقطني عن عمر رضي الله عنهم: «أنه كان يُسخن له الماء في قُمقُم، فيغتسل به»[14]. و«القمقم»: ما يسخن فيه الماء من نحاس وغيره[15]. وعن أيوب قال: سألت نافعًا عن الماء الساخن؟ فقال: «كان ابن عمر يغتسل بالحميم»[16]. و«الحميم»: هو الماء الساخن.
فعن على بن أبي طالب رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ دعا بسَجْل من ماء زمزم فشـرب منه وتوضأ»[17].
(10) إذا شَك في نجاسة ماء كان أصله طاهرًا،
أو شَك في طهارته وكان أصله نجسًا، حكم باليقين في كلتا المسألتين، وهو الأصل الذي كان عليه؛ فما كان أصله الطهارة فهو طاهر، وما كان أصله النجاسة فهو نجس، وكذلك لو شك في الأرض هل هي نجسه أم طاهرة؟ فالأصل أنها طاهرة.
(11) إذا اشتبه عليه ماء طهور بماء نجس،
أو اشتبه عليه ثوب طاهر بثياب نجسة؛ فالصحيح أنه يتحرى بقدر ما يستطيع، ويستعمل ما يغلِب على ظنه طهارتُه، وفي المسألة نزاع، والصحيح ما ذكرته (راجع الشـرح الممتع).
(12) إذا أزيلت النجاسة عن الماء؛
بأن تغيرت بنفسها، أو بإضافة ماء طهور إليه، أو نحو ذلك بحيث لا يظهر أثر للنجاسة من طعم أو لون أو رائحة، فالماء في هذه الحالة يصـير طاهرًا مطهرًا.
يرى مجلس هيئة كبار العلماء بالسعودية أن مياه الرشح والمجاري التي تُنقى ويُتخلص مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية، بحيث لا يُرى فيها تغير بنجاسة في طعم ولا لون ولا ريح، فإن المجلس يرى طهارتها، واستعمالها في إزالة الخبث، والحدث - أي أنها طاهرة مطهرة -، ويرى جواز شـربها، إلا إذا كانت هناك أضـرار صحية؛ فيمتنع عن ذلك محافظة على النفس، وهو ما يستحسنه المجلس[18].
![]()
