ثانيًا: لحم الخنزير:
قال تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ [الأنعام:145]. والضمير في قوله: ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ يرجع إلى أقرب مذكور، وهو (لحم الخنزير).
قال صديق حسن خان رحمه الله: (بل نجاستهما من باب الضـرورة الدينية؛ كما لا يخفى على من له اشتغال بالأدلة الشـرعية).
أما الغائط: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وطِئ أحدُكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور»[1]، وعن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي ﷺ إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به»[2].
وأما البول: فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال رسول الله ﷺ: «يُعذبان، وما يعذبان في كبير»، ثم قال: «بلى؛ كان أحدُهما لا يَستتِرُ من بوله، وكان الآخر يمشـي بالنميمة»[3]، وفي رواية لمسلم: «لا يَستَنزِهُ من بوله» والمقصود عدم التحفظ.
ومما يدل على نجاستهما أيضًا: حديث الأعرابي الذي بال في المسجد؛ فعن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ رأى أعرابيًّا يبول في المسجد: فقال: «دعوه»، حتى إذا فرغ دعا بماء فصبّه عليه - متفق عليه - زاد مسلم: ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشـيء من هذا البول ولا القذر؛ إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن»[4].
عن أم قيس رضي الله عنها: «أنها أتت بابن لها صغيرٍ لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله»[5].
وعن أبي السمح رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُغسَل من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام»[6]. وهذان الحديثان يستفاد منهما أحكام:
(1) نجاسة بول الصبي.
(2) يخفف في تطهير بول الغلام الذكر بالرش، وأما بول البنت فيجب فيه الغسل.
(3) هذا الحكم خاص بالغلام الذي لم يأكل الطعام؛ أكلا مؤثرا مغذيا على سبيل الاستقلال؛ بأن يبكي إذا منع منه فلا يضـر إذا كان رضـيعًا وأكل شـيئًا من الطعام مع رضاعته لأن هذا لا يؤثر.
الحيوان إما مأكول اللحم، وإما غير مأكول اللحم:
فالصحيح طهارة بوله وروثه؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن رهطًا من عُكْل، أو عُرَينة قدموا فاجْتَووا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بلقاح، وأمرهم أن يخرجوا فيشـربوا من أبوالها وألبانها»[7]. ومعنى «اجتووا»: أي استوخموها؛ مشتق من الجوى وهو داء في الجوف، و«اللقاح» جمع لِقْحة وهي الناقة إذا كانت غزيرة اللبن.
وقد استدل بهذا الحديث مَنْ قال بطهارة بول ما يؤكل لحمه. وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما. قال الشوكاني رحمه الله: (ويؤيده أيضًا أن الأشـياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة)[8].
فقد ذهب الأئمة الأربعة إلى نجاسة بوله وروثه، وهو الراجح، واستدلوا لذلك بحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبيُّ ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده؛ فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: «هذا رجس»[9] وزاد في رواية عند ابن خزيمة: «فوجدت له حجرين وروثة حمار». وذهب آخرون إلى القول بطهارة بول وروث غير مأكول اللحم، عدا روث الحمار؛ فقط لهذا الحديث.
قال صديق حسن خان رحمه الله: (فالحق الحقيق بالقبول الحكم بنجاسة ما ثبت نجاسته بالضـرورة الدينية، وهو بول الآدمي وغائطه، وأما ما عداهما، كما في الروضة الندية فإن ورد فيه ما يدل على نجاسته كالروثة - يعني روثة الحمار كما في حديث ابن مسعود - وجب الحكم بذلك، وإن لم يرد فالبراءة الأصلية كافية في نفي التعبد بكون الشـيء نجسًا من دون دليل، فإن الأصل في جميع الأشـياء الطهارة، والحكم بنجاستها حكم تكليفي تعم به البلوى، ولا يحل إلا بعد قيام الحجة)[10].
قُلْتُ: قد قامت الحجة؛ فإنه يقاس على روثة الحمار كل حيوان غير مأكول اللحم، وفي حديث ابن عمر المقدم في حكم الأسآر: سُئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض فلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: «إن بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». وظاهر هذا يدل على نجاسة بولها وروثها؛ إذ لولا ذلك لما كان للسؤال معنى.
لعاب الكلب نجس؛ لقوله ﷺ: «طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلبُ أن يغسله سبع مرات إحداهن بالتراب»[11]. فقوله: «طهور» دليل على أنه تنجس بولوغ الكلب، وكذلك أمره بغسل الإناء. وأما عن كيفية تطهيره فسـيأتي في المسألة التالية من هذا الفصل.
يختلف دم الحيض عن غيره من الدماء.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن خولة بنت يسار رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه؟ قال: «فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه»، قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره، قال: «يكفيك الماء ولا يضـرك أثره»[12].
فالراجح أنه طاهر؛ سواء كان مسفوحًا أو غير مسفوح؛ لما رواه أبو داود، وابن خزيمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وفيه أن رجلًا من المسلمين قام يصلي يكلأ النبي ﷺ وأصحابه، فجاء رجل من المشـركين فرماه بسهم فوضعه فيه فنزعه -يفعل ذلك ثلاث مرات- الحديث[13]. هذا الحديث دليل على أن الدم ليس بنجس، كما أنه لا ينقض الوضوء؛ إذ لو كان نجسًا لخرج هذا الصحابي من الصلاة، ويبعد أن يكون النبي ﷺ لم يعلم بهذه الحادثة لتوفر دواعيهم على السؤال عن مثل ذلك.
وعن الحسن البصـري رحمه الله قال: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم[14]، وعصـر ابن عمر رضي الله عنهما بثرة -أى خُراجًا- فخرج منها الدم ولم يتوضأ[15]، ونزف ابن أبي أوفى دما فمضـى في صلاته[16]، وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه نحر جزورا، فتلطخ بدمها وفرثها ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ[17].
والأصل في الأشياء الطهارة، ولم يدل دليل صريح على نجاسة الدم، ولم يثبت أن النبي ﷺ أمر بغسل الدم إلا دم الحيض.
وأما قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ [الأنعام:145] فالضمير في قوله: ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ يعود إلى أقرب مذكور، فالرجس المقصود في الآية يعود إلى لحم الخنزير.
أورد النووي والقرطبي وغيرهما في كتبهم الإجماع على نجاسة الدم، وقد عارض هذه الدعوى الشـيخ الألباني رحمه الله فقال: (... ودعوى الاتفاق على نجاسته منقوضة بما سبق من النقول، والأصل الطهارة، فلا تترك إلا بنص صحيح يجوز به ترك الأصل، وإذ لم يرد شـيء من ذلك، فالبقاء على الأصل هو الواجب)[18].
وممن رجح طهارة الدم: صديق حسن خان، والشوكاني، رحمهم الله والألباني كما تقدم وللشـيخ ابن عثيمين تفصـيل في ذلك[19].
قلت: استدل الإمام النووي رحمه الله بحديث جابر المذكور على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء[20]، فكذلك يمكننا أن نستدل به أنه غير نجس لأن الصحابي أتم صلاته رغم خروج الدم.
المذي: ماء رقيق لزج يخرج عند الشهوة بلا شهوة ولا دفق، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، وسواء في ذلك الرجل والمرأة. عن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت رجلًا مذاء، فأمرت رجلًا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فسأل، فقال: «توضأ واغسل ذكرك»[21]. وفي رواية: «ليغسل ذكره وأنثييه»[22]. والمقصود بالأنثيين: الخصـيتان.
وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر من الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «إنما يجزيك من ذلك الوضوء»، قلت: يا رسول الله، فكيف ما يصـيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك بأن تأخذ كفًّا من ماء فتنضح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصابه»[23].
في الحديثين السابقين دليل على نجاسة المذي، وأنه يتعين تطهيره بالماء على النحو الآتي:
أ- أما ما يصـيب البدن منه: فبأن يغسل ذكره وأنثييه (الخصـيتين).
ب- وأما ما يصـيب الثوب: فيكفيه أن يرش عليه كفًّا من ماء كما في الرواية الثانية.
المني: ماء أبيض غليظ يخرج من الإنسان بشهوة، ويخرج بدَفْق ويعقبه فتور، وله رائحة تشبه رائحة البيض الفاسد، ومني المرأة رقيق أصفر. عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ، ثم يذهب فيصلي فيه»[24]، ولأحمد: «كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحتُّهُ من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه»[25]. و«الإذخر» نبات من حشـيش الأرض. في هذا الحديث دليل على أنه يكفى في إزالة المني: سلته أو غسله إن كان رطبًا، وفركه إن كان يابسًا، وسواء في ذلك الرجل والمرأة.
وأما عن حكمه: فهو طاهر على أصح الأقوال، ودليل ذلك ما تقدم من الأحاديث؛ لأنه لو كان نجسًا لأمر بغسله، ومما يدل على طهارته أيضًا أن المني هو أصل الإنسان، والإنسان طاهر فكذلك المني. وقد ثبت الحكم بطهارة المني عن عمر وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم.
ويدل الحديث أيضًا على أنه لو بقي أثر المني بعد سلته، أو غسله، أو فركه؛ فإن ذلك لا يؤثر في صحة الصلاة؛ ففي رواية: قالت: «كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ ثم يخرج إلى الصلاة وأثرُ الغسل -يعني من المني- في ثوبه، بقعُ الماء»[26].
الودي: ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول كَدِر -أي: متغير- وهو نجس وفيه الوضوء؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «المني والودي والمذي؛ أما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء ويغسل ذكره»[27].
اختلف العلماء في حكم نجاسة الخمر فبعضهم يرى نجاستها، وبعضهم يرى طهارتها، وهو الراجح من حيث الدليل؛ إذ الأصل طهارة الأشـياء حتى يأتي دليل يدلُّ على نجاستها، وأما القول بنجاستها لكونها محرمة فلا ينهض دليلًا لأنه ليس كل محرم نجسًا.
وأما ما استدل به القائلون بالنجاسة كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ [المائدة:90]. فليس فيه دليل على النجاسة؛ لأن المقصود بقوله تعالى: ﴿ رِجْسٌ ﴾ هنا هو الرجس (المعنوي) وليس (الحسـي)، ومما يدل على ذلك: أن الأنصاب والميسـر والأزلام المذكورة في الآية لا توصف بالرجس الحسـي، وقد عطفت الخمر عليها في سـياق واحد بحكم جامع يشملها كلها، وهذا يفيد التساوي في ذلك الحكم، وهذا ما ذهب إليه الليث بن سعد وربيعة الرأي والمزني صاحب الشافعي وأيده الشـيخ الألباني في (تمام المنة)، ورجحه كذلك الشـيخ ابن عثيمين في (الشـرح الممتع).
وإناء الخمر إذا أريق ما به من الخمر، وغسل بأي شـيء يزيل الخمر حتى ذهب أثر الخمر جاز الانتفاع به، لكن إذا كانت زجاجات خاصة تعرف بأنها زجاجات خمور فالأولى تركها حتى لو غسلت، لا لكونها نجسة، ولكن دفعًا للتهمة وسوء الظن بمن يستعملها.
أفتت اللجنة الدائمة أنه: يحرم استعمال العطور الممزوجة بالكحول مزجا يقتضـي إسكارها (السعيدان: ص 306)، و(فقه النوازل 2/135).
أفتت اللجنة الدائمة أنه: يجوز استعمال الكولونيا والكحول إذا استعمل لأغراض طبية كتطهير جروح وتعقيم (السعيدان: ص 306).
القيء والقلس[28] والمخاط والبصاق لا دليل على نجاستها، والصحيح أنها طاهرة، كما أنها لا تنقض الوضوء.