المسألة الرابعة: هل يتعين الماء في إزالة النجاسة، أو يجوز بالماء وغيره:
تقدم في المسألة السابقة طرق تطهير بعض النجاسات، ولكن السؤال: هل يجب أن تزال النجاسة بالماء، أو يجوز بأي شـيء آخر يزيل النجاسة؟
ذهب الجمهور إلى تعين الماء في إزالة النجاسة، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز التطهير بكل مائع طاهر.
قال الشوكاني رحمه الله: (والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك -كتابًا وسنة- وصفًا مطلقًا غير مقيد، لكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل[1]... ولم يأت دليل يقضـي بحصـر التطهير في الماء، ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا، وغايته: تعينه في ذلك المنصوص)[2]. وعلى هذا فيجوز إزالة النجاسة بالصابون والخل وغير ذلك من المزيلات الحديثة. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والصحيح أن النجاسة تزال بغير الماء، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشـربة في إزالتها بغير حاجة لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها)[3].
قلت: وأما الطهارة من الحدث فإنه يتعين فيها الماء، أو التراب عند فقد الماء أو عند عدم القدرة على استعماله.
المسألة الخامسة: حكم النجاسة إذا استحالت إلى شيء آخر:
قال ابن حزم رحمه الله: (وإذا أحرقت العَذِرة، أو الميتة، أو تغيرت فصارت رمادًا، أو ترابًا فكل ذلك طاهر)[4]. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الأظهر طهارة النجاسة بالاستحالة، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب أحمد ومالك)[5].
ملاحظات متعلقة بباب النجاسات:
(1) هل يجوز استعمال النجاسة فيما ينفصل عن استخدام الإنسان؛ كإطعام الميتة للصقور، وإلباس الثوب النجس للدابة، وطلاء السفن بالدهن المتنجس، وإطفاء الحريق بالخمر، ونحو هذا؟
الصحيح: الجواز؛ وذلك لما ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا هو حرام...» الحديث[6]، والمقصود بقوله: «هو حرام» أي: بيعه، لكنه ﷺ لم ينكر على سؤالهم عن الانتفاع بهذه الأشـياء لحاجتهم لها.
قال الصنعاني رحمه الله: (وجاز إطعام شحوم الميتة الكلاب، وإطعام العسل المتنجس النحل، وإطعامه الدواب، وجواز جميع ذلك في مذهب الشافعي)[7].
(2) إذا استيقظ الإنسان من نومه فلا يضع يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ لقوله ﷺ: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها - ثلاثًا - فإنه لا يدري أين باتت يده»[8]. وهذا لا يعني تنجيس الماء؛ بل هو أمر تعبدي، وأما الماء فهو باقٍ على أصل طهوريته، والله أعلم. وقد ذكر شـيخ الإسلام رحمه الله (أن العلة بينها النبي ﷺ بقوله: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثًا؛ فإن الشـيطان يبيت على خيشومه». متفق عليه، فيمكن أن تكون هذه اليد عبث بها الشـيطان وحمل إليها أشـياء مضـرة للإنسان، أو مفسدة للماء، فنهى النبي ﷺ أن يغمس يده حتى يغسلها ثلاثًا)[9].
(3) «نهى ﷺ عن البول في الماء الراكد»[10]. وذلك حتى لا يُوقِع في النفس الوسوسة باستخدامه، أو لأنه ذريعة إلى تنجيسه.
(4) لا يجب غسل ما أصاب الأرجل من طين الشوارع، إلا إن كان على يقين أنها نجاسة؛ كأن تكون من مصـرف صحي كالبالوعة ونحوها.
(5) وكذلك يُعفى عن (أثر النجو)، وهو الأثر المتبقي بعد الاستجمار؛ لأن الحجر يزيل عين النجاسة، ولا يقلع الأثر تمامًا، وقاعدة الشـرع مبنية على رفع الحرج.
(6) غسل الملابس في المغاسل وتجميعها في مكان واحد وإن كان بعضها متنجسًا لا يضـر الباقي؛ لأن الماء يتكاثر على هذه النجاسات فيذهب أثرها بحيث لا يظهر لها طعم ولا لون ولا ريح، والراجح أن الثياب كلها تطهر بهذا الغسل.
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بباب الآنية

الآنية: جمع إناء، وهو الوعاء.
