حجم الخط:

محتوى الدرس (10)

أحكام الوضوء

خريطة ذهنية لأحكام الوضوء

6- أحكام الوضوء 1

معنى الوضوء:

قال ابن حجر رحمه الله: (مشتق من الوضاءة، وسمي بذلك لأن المصلي يتنظف به فيصـير وضـيئًا)[1].

فالوُضوء - بالضم -: هو الفعل، والوَضوء - بالفتح -: هو الماء الذي يتوضأ به. وبعض العلماء يجيز الفتح والضم في الوجهين، وهو ظاهر صنيع الخليل وسـيبويه.

دليل مشروعيته:

ثبتت مشـروعية الوضوء بالكتاب والسنة والإجماع.

أما (الكتاب)؛ فقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6].

وأما (السنة): فالأحاديث في ذلك كثيرة؛ منها ما رواه الشـيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»[2].

وأما (الإجماع): فقد أجمعت الأمة على فرضـية الوضوء، حتى صار من الأمور المعلومة من الدين بالضـرورة، فيعلمها العالم والعامي، والصغير والكبير.

فضل الوضوء:

ورد في فضل الوضوء وفضل إسباغه أحاديث كثيرة؛ وسوف أقتصـر على بعضها:

(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: «إن أمتي يُدْعَون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل»[3]. و«الغرة» بياض في جبهة الفرس، و«التحجيل» بياض في ثلاث قوائم من قوائم الفرس[4]، قال العلماء يسمى النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلًا: تشبيهًا بغرة الفرس وتحجيله.

(2) عن عمرو بن عَبَسة رضي الله عنه قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شـيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله - فذكر الحديث إلى أن قال - فقلت: يا نبي الله فالوضوء حدثني عنه، فقال: «ما منكم رجل يقرب وَضوءه، فيمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه من فيه وخياشـيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا شعره مع الماء، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله تعالى، إلا انصـرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه»[5].

و«الوَضوء» (بفتح الواو): هو الماء الذي يتوضأ به، و «الأنامل»: هي أطراف الأصابع.

(3) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا»، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد»، قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: «أرأيت لو أن رجلًا له خيل غُرٌّ مُحجلة بين ظهري خيل دُهم بُهم، ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلي يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فَرَطهم على الحوض، ألا ليُذَادَن رجال عن حوضـي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم؛ فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول: سحقًا سحقًا»[6]. ومعنى «فرطهم» الفَرَط: الذي يسبق القافلة ليعد لهم الدلاء ونحوها، و«يُذاد» أي يطرد، و «سحقًا»: بُعدًا.

فرائض الوضوء:

[تمهيد]

للوضوء سنن وفرائض، والفرض إن ترك فلا يصح الوضوء، وهذه الفرائض بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، وسأسوقها وأبين حكم ما ترجَّح لي، وهي:

(1) النية:

لقول الله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، ولقوله : «إنما الأعمال بالنيات»[7]. ومعنى النية: القصد والعزم على فعل الشـيء، ومحلها: القلب، فلا يجوز التلفظ بها. قال ابن القيم رحمه الله: (فكل عازم على فعل فهو ناويه، لا يتصور انفكاك ذلك عن النية؛ فإنه -أي العزم- حقيقتها، فلا يمكن عدمها في حال وجودها، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء)[8].

واعلم أن التلفظ بالنية بدعة، إذ لم يثبت التلفظ بها عن رسول الله ، ولا عن أصحابه، ولا عن الخلفاء، ولا عن الأئمة.

(2) المضمضة والاستنشاق:

ومعنى «المضمضة»: قال النووي رحمه الله: (قال أصحابنا: كمالها: -يعني المضمضة- أن يجعل الماء في فمه ثم يديره فيه، ثم يمجه، وأما أقلها: فأن يجعل الماء في فيه، ولا يشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور)[9].

و«الاستنشاق»: جذب الماء إلى الأنف، فإذا أخرجه بعد ذلك سمي «استنثارًا».

وقد دلت ظواهر الأحاديث على وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وهو الراجح من أقوال أهل العلم، وهو المشهور من مذهب أحمد. قال الشوكاني رحمه الله في (السـيل الجرار): (أقول: القول بالوجوب هو الحق؛ لأن الله سبحانه قد أمر في كتابه العزيز بغسل الوجه، ومحل المضمضة والاستنشاق من جملة الوجه... وأيضًا قد ورد الأمر بالاستنشاق والاستنثار في أحاديث صحيحة)[10].

قلت: من هذه الأحاديث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي : «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر»[11].

ومنها: حديث لقيط بن صبرة في حديث طويل، وفيه: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا»[12]، وفي رواية لهذا الحديث: «إذا توضأت فمضمض»[13]، وصحح الحافظ إسناده، وصحَّحه الشـيخ الألباني.

وممن ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء: أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر.

وأما كيفية المضمضة والاستنشاق ففي صفة وضوئه من حديث عبد الله ابن زيد رضي الله عنهما «أن رسول الله تمضمض واستنشق من كفٍّ واحد» يفعل ذلك ثلاث مرات[14]. قال البيهقي رحمه الله في (السنن): يعني -والله أعلم- أنه مضمض واستنثر كل مرة من غرفة واحدة، ثم فعل ذلك ثلاثًا من ثلاث غَرَفات، قال: ويدل له حديث عبد الله بن زيد، وفيه: «ثم أدخل يده في الإناء، فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث مرات من ثلاث غرفات من ماء»[15].

أفتت اللجنة الدائمة بصحة الوضوء والغسل ولو بقي شـيء من الفضلات بين الأسنان، لكن إزالتها أفضل (السعيدان 17).

(3) غسل الوجه:

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6].

وحد الوجه: ما بين مَنبت الشعر المعتاد إلى منتهى الذقَن طولا، وما بين شحمتي الأذن عرضًا، ويدخل في ذلك ظاهر اللحية الكثة [وهي التي لا يظهر الجلد من تحتها]، وأما اللحية الخفيفة [وهي التي يظهر الجلد من تحتها] فإنه يجب وصول الماء إلى الجلد.

(4) غسل اليدين إلى المرفقين:

وذلك للآية السابقة، وقد اتفق العلماء على وجوب غسل المرفقين مع اليدين ومن أدلة ذلك القاعدة الأصولية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

ومن أدلتهم كذلك فعله ؛ إذ هو بيان لمجمل القرآن، ولم يثبت عنه أنه ترك غسل المرفقين مع اليدين، و«المرفق»: هو المفصل الذي يكون بين العضد والساعد. وتغسل اليدان بدءًا من رءوس الأصابع إلى المرفقين.

فإن كان مقطوع اليد غسل ما تبقي من محل الفرض، فإن كان القطع عند المرفق غسل مرفقه فقط، فإن كان فوق المرفق فلا شـيء عليه في هذه اليد المقطوعة، وكذلك يقال عند غسل الرجلين.

(5) مسح الرأس:

لقوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، واختلف العلماء في عدد مرات مسح الرأس، فذهب أكثر العلماء -منهم أبو حنيفة ومالك وأحمد- إلى أن مسح الرأس مرة واحدة، وهذا هو الراجح، وخالف في ذلك الشافعية، إذ يرون مسح الرأس ثلاث مرات.

[القدر الواجب في مسح الرأس]

واختلف العلماء أيضًا في القدر الواجب في مسح الرأس: فمنهم من يرى وجوب مسح جميع الرأس، ومنهم من يرى وجوب مسح بعضه، وبينهم مناقشات طويلة في ترجيح أحد القولين، والأرجح أن لا يقتصـر على مسح بعض الرأس إلا إن كان سـيكمل المسح على العمامة؛ لأنه لم يثبت عن النبي الاقتصار على مسح بعض الرأس إلا كذلك؛ وعلى ذلك يمكننا أن نقسم طرق المسح على الرأس إلى ثلاثة أقسام؛ كما هو ثابت من فعل النبي على النحو الآتي:

أولًا: المسح على جميع الرأس، وله صورتان:

الصورة الأولى:

أن يضع يديه عند مقدم رأسه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما حيث بدأ؛ فعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه «أن رسول الله مسح على رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه»[16].

الصورة الثانية:

أن يضع يديه في أعلى رأسه عند مفرق الشعر ثم يمرر يديه حسب اتجاه الشعر، فعن الربيع بنت مُعوِّذ رضي الله عنها «أن رسول الله توضأ عندها، فمسح الرأس كله من قرن الشعر، كل ناحية لمُنْصَبِّ الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته»[17].

ثانيًا: المسح على العمامة وحدها:

فعن عمرو بن أمية رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله يمسح على عمامته وخفيه»[18]. ويجوز للمرأة أن تمسح على الخمار، وقد ثبت ذلك عن أم سلمة رضي الله عنها[19].

ثالثًا: المسح على الناصـية والعمامة:

فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه «أن النبي توضأ فمسح بناصـيته، وعلى العمامة والخفين»[20].

ملحوظة:

لا يشترط في المسح على العمامة أن تكون قد لبست على طهارة، وكذلك لا يقيد المسح عليها بوقت كما هو الحال في المسح على الخفين كما سـيأتي.

(6) مسح الأذنين:

تقدم أن من فرائض الوضوء مسح الرأس، ولكن هل مسح الأذنين واجب أيضًا، أو مستحب؟ اختلف في ذلك أهل العلم، والصواب القول بوجوبه؛ لحديث: «الأذنان من الرأس»[21]، وهذا الحديث له طرق كثيرة يقوي بعضها بعضًا مما يجعلها تنهض للاحتجاج، والسُّنة أن يمسح ظاهرهما وباطنهما؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما»[22]. وفي رواية عند النسائي: «باطنهما بالمسبحتين، وظاهرهما بإبهاميه».

ولا يشترط لمسحهما ماء جديد، بل يكفي مسحهما مع الرأس. قال ابن القيم رحمه الله: (لم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماءً جديدًا، وربما صح ذلك عن ابن عمر[23])[24].

(7) غسل الرجلين إلى الكعبين:

وذلك لما تقدم من الآية: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]. و«الكعبان»: هما العظمان الناشـزان عند ملتقى القدم بالساق، وهو -أي وجوب غسل الرجلين- إجماع الصحابة؛ كما ذهب إليه العلماء من أهل السنة، وخالف في ذلك الشـيعة الإمامية ورأوا الاكتفاء بالمسح عليهما فقط، وقولهم باطل؛ لأنه قد ثبت عنه الأمر بغسلهما، بل إنه عنف الذين اكتفوا بالمسح عليهما؛ ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تخلف عنا رسول الله في سفرة فأدركنا، وقد أرْهَقَنا العصـر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثًا[25].

ومعنى «أرْهقنا» أى: أدركنا، والمقصود أنهم أخروا الظهر حتى قرب وقت العصـر، و«الأعقاب»: جمع عقب وهو مؤخر الرجل.

وقد وقع الخلاف أيضًا: هل يدخل الكعبان في وجوب الغسل مع الرجل أو لا؟ والراجح: وجوب غسلهما، والدليل على ذلك: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما بينت ذلك في وجوب غسل المرفقين.

(8) الموالاة:

والمقصود بالموالاة: أن لا يؤخر غسل عضو حتى يجف ما قبله في زمن معتدل؛ فعن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي : «أن رسول الله رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله أن يعيد الوضوء»، زاد في رواية: «والصلاة»[26]. قال الأثرم: قلت لأحمد - يعني ابن حنبل -: هذا إسناد جيد؟ قال: (جيد).

في هذا الحديث أمره بإعادة الوضوء، ومعلوم أنه إذا لم تكن الموالاة فرضًا لاكتفى بأمره بغسل الرجلين فقط لأنهما آخر الأعضاء في الوضوء.

(9) الترتيب:

لأنه هو الثابت من فعله ، وفعله بيان للقرآن، وقد استدل العلماء أيضًا على وجوب الترتيب بأن الله عز وجل ذكر الفرائض مرتبة، وقد قال في الحج وهو يعلمهم المناسك: «نبدأ بما بدأ الله به»، فكذلك هنا. لكن يلاحظ أنه يجوز فقط أن تؤخر المضمضة والاستنشاق بعد الوجه، ورد ذلك في حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها إذ ذكرت وضوء النبي فقالت: «فغسل كفيه ثلاثًا، ووضأ وجهه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة، ووضأ يديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرتين، ووضأ رجليه ثلاثًا ثلاثًا» الحديث[27].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة