حجم الخط:

محتوى الدرس (11)

سنن الوضوء:

خريطة ذهنية لأحكام الوضوء

7- أحكام الوضوء 2

(1) التسمية قبل الوضوء[1]:

فعن أبي هريــرة رضي الله عنه عن النبي قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»[2]. وقد وردت في هذا المعنى أحاديث لا يخلو كل منها من ضعف، لكن قال الحافظ: (والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا)[3].

واختلف العلماء في حكم التسمية؛ فبعضهم يرى الوجوب، ويرى جمهور العلماء أنها مستحبة، ومن قال بالوجوب اختلفوا أيضًا في التفريق بين الناسـي والذاكر.

فالذين قالوا بالوجوب حملوا الحديث على ظاهره بنفي الوضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، وذلك يقتضـي نفي الصحة، أو حقيقة الوضوء شـرعًا، وأما الناسـي فإنه يغتفر له لما ورد في الحديث: «رفع عن أمتي الخطأ والنسـيان، وما استكرهوا عليه»[4].

والذي يتبين لي أن قول الجمهور هو الأرجح، وأن التسمية سنة؛ وذلك لأن الذين وصفوا وضوء النبي لم يذكروا التسمية، وأيضًا فقد ثبت في سنن أبي داود بسند حسن أن أعرابيًّا سأل النبي عن الوضوء فدعا بماء فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا غير رأسه، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم»[5]، ويلاحظ أنه لم يذكر فيه التسمية مع جهل الأعرابي واحتياجه للتفصـيل. وفي قوله له: «هكذا الوضوء». ما يفيد الحصـر الذي يدل على بيان الواجب.

وبناء على ما تقدم يحمل حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» على نفي الكمال، والعلم عند الله.

(2) السواك قبل الوضوء:

تقدم الكلام عن السواك وفضله واستعماله في باب سنن الفطرة.

(3) غسل الكفين في أول الوضوء:

عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله توضأ فاستوكف ثلاثًا»[6]؛ أي: غسل كفيه حتى وَكَفَ الماء أي قطر. ويزداد غسل الكفين تأكيدًا إذا كان الوضوء بعد النوم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده»[7]. وقد استحب الجمهور غسل الكفين عقب كل نوم، وخصه الإمام أحمد بنوم الليل؛ لقوله في آخر الحديث: «أين باتت»، وفي رواية لمسلم: «إذا قام أحدكم من الليل»، ولذلك ذهب الإمام أحمد إلى الوجوب عند القيام من نوم الليل خاصة.

(4) تثليث غسل الأعضاء:

ولا يزيد في غسل الأعضاء عن ثلاث غَسَلات؛ لأنه أكثر ما وردت به الروايات في صفة وضوء النبي ؛ فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه «أن النبي توضأ ثلاثًا ثلاثًا»[8]. قال ابن المبارك رحمه الله: (لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم)[9]. وقال أحمد وإسحاق -رحمهما الله-: (لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى)[10].

قلت: ويجوز أن يتوضأ مرة مرة، ومرتين مرتين؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «توضأ رسول الله مرة مرة»[11]. وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه «أن النبي توضأ مرتين مرتين»[12].

قال النووي رحمه الله: (وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وعلى أن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بغسل الأعضاء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وبعض الأعضاء ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، قال العلماء: فاختلافها دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال والواحدة تجزئ)[13].

(5) التيامن:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله يحب التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله»[14]. ومعنى: «تنعله»: لبس النعل، و«ترجله»: تسـريح الشعر. قال النووي رحمه الله: (وقاعدة الشـرع المستمرة: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، وما كان بضدها استحب فيه التياسـر. قال: وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة، ومن خالفها فاته الفضل وتم وضوءُه)[15].

(6) تخليل اللحية:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته وقال: «هكذا أمرني ربي عز وجل»[16]، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه «أن النبي كان يخلل لحيته»[17].

اختلف العلماء في حكم تخليل اللحية؛ فذهب بعضهم إلى الوجوب وهو أحد الأقوال عند المالكية، وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة و القول الآخر عند المالكية إلى أنها سنة، وهو الراجح، وهو ما رجحه الشوكاني بعد سـرد الأدلة. قال الشوكاني رحمه الله: (الاحتياط والأخذ بالأوثق لا شك في أولويته -يعني عدم التهاون في تخليلها- لكن بدون مجاراة على الحكم بالوجوب)[18]، وفي حديث أنس السابق معنى التخليل.

(7) إطالة الغرة والتحجيل:

قال الشوكاني رحمه الله: «الغرة»: غسل شـيء من مقدم الرأس، أو ما يجاوز الوجه زائدة على الجزء الذي يجب غسله، و«التحجيل»: غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهما مستحبان.

وقد ثبت ما يدل على ذلك؛ فعن أبي هريرة: «أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشـرع في العضد، ثم غسل يده اليسـرى حتى أشـرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشـرع في الساق، ثم غسل رجله اليسـرى حتى أشـرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله يتوضأ»، وقال: قال : «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء»، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله[19].

(8) دلك الأعضاء:

عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه «أن النبي أتي بثلثي مُدٍّ ماءً فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه»[20]. قال النووي رحمه الله: (واتفق الجمهور على أنه يكفي في غسل الأعضاء في الوضوء والغسل جريان الماء على الأعضاء، ولا يشترط الدلك، وانفرد مالك والمزني باشتراطه)[21].

(9) الاقتصاد في الماء:

تقدم أن النبي توضأ بالمد وتوضأ بثلثي المد، وهذا يعني عدم الإسـراف في الماء. وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن رسول الله قال: «سـيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور»[22].

(10) الدعاء بعده:

ومن السنة بعد الفراغ من الوضوء الدعاء بعده

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شـريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء»[23]. زاد الترمذي في رواية: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»[24].

تنبيه: ورد في بعض روايات الحديث أنه يرفع بصـره عند الدعاء، ولكن هذه الزيادة لا تصح[25].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي قال: «من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب له في رَق، ثم جعل في طابَع فلم يكسـر إلى يوم القيامة»[26]. و«الرق»: الصحيفة، و«الطابع» الخاتم، يريد أنه يختم عليه.

(11) صلاة ركعتين بعد الوضوء:

عن أبي هـريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال لبلال: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام؛ إني سمعت دَف نعليك بين يدي في الجنة»، قال: ما عملتُ عملًا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي[27]. ومعنى:(دَف نعليك) بفتح الدال: أي صوت مشـيتك[28].

وعن عثمان رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه»[29]. وسواء صلى فريضة أو نافلة راتبة أو تطوعًا، حصلت له هذه الفضـيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك، وأما قوله : «لا يحدث فيها نفسه» فقد قال النووي رحمه الله: (فالمراد لا يحدث بشـيء من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه بمجرد عروضه عفي عن ذلك وحصلت له هذه الفضـيلة إن شاء الله تعالى؛ لأن هذا ليس من فعله، وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر)[30].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة