حجم الخط:

محتوى الدرس (13)

ما يجب له الوضوء، وما يُستحب:

هناك بعض الحالات يوجب الوضوء، وبعضها لا يوجبه، بل يستحب من أجلها الوضوء:

فالذي يجب له الوضوء شـيئان:

(1) الصلاة:

يشترط الوضوء لصحة الصلاة إذا كان محدثًا حدثًا أصغر، والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]. ومعنى الآية: إذا قمتم وكنتم محدثين.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول»[1]. و«الغلول»: أن يأخذ من الغنيمة قبل أن يقسمها الإمام.

وأما غير المحدث فلا يجب عليه الوضوء لكل صلاة، فيجوز له أن يصلي أكثر من صلاة إذا لم يأت بما ينقض وضوءه. والدليل: حديث بريدة رضي الله عنه قال: كان النبي يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: إنك فعلت شـيئًا لم تكن تفعله، فقال: «عمدًا فعلته»[2]. ومع هذا يستحب -لغير المحدث- الوضوء لكل صلاة، وسـيأتي ذكر الدليل عند ذكر ما يستحب له الوضوء.

(2) الطواف:

ينبغي لمن يطوف بالبيت الحرام أن يكون على طهارة كاملة كطهارة الصلاة؛ واستدلوا على ذلك بما رواه طاوس عن رجل قد أدرك النبي أن النبي قال: «إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طفتم فأقِلُّوا الكلام»[3]. والراجح أن الحديث موقوف، وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الطواف يشترط له ما يشترط للصلاة، لكن أبيح فيه الكلام كما هو نص الحديث.

ورأى بعض العلماء أنه لا تشترط الطهارة للطواف، وهذا ما رجحه ابن تيمية في (مجموع الفتاوى)، وابن عثيمين في (الشـرح الممتع)[4]؛ لأن الحديث السابق لا يصح، ولأنه ليس هناك حديث صحيح يشترط الطهارة للطواف. وسـيأتي ذكر ذلك في كتاب الحج.

وأما ما يستحب له الوضوء فإليك تفصـيله:

(1) تجديد الوضوء للصلاة:

تقدم أنه يجزئ المتوضئ أن يصلي بالوضوء أكثر من صلاة، لكن يستحب له تجديد الوضوء لكل صلاة؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي يتوضأ عند كل صلاة»[5].

(2) الوضوء لذكر الله عز وجل:

يجوز لمن أراد أن يذكر الله تعالى أن يذكره على كل أحواله؛ سواء كان متطهرًا، أو محدثًا حدثًا أصغر، أو جنبًا، وسواء كان قاعدًا، أو ماشـيا، أو مضطجعًا؛ لما ثبت في الحديث «أن النبي كان يذكر الله على كل أحيانه»[6]. هذا من حيث الجواز، إلا أنه يستحب أن يكون الذاكر متوضئًا؛ فعن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه أنه سلم على النبي وهو يبول، فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه، فرد عليه وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة»[7].

ومن هذا الباب جواز قراءة القرآن ومس المصحف للمحدث حدثًا أصغر؛ لعدم وجود دليل صحيح صـريح يمنعه من ذلك مع عموم البلوى في ذلك، وإن كان المستحب له الوضوء. علما بأن المذاهب الأربعة على عدم جواز مس المصحف للمحدث، وذهب الظاهرية إلى الجواز لأنه لا توجد أدلة صـريحة في المنع، بل هناك ما يدل على أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله خرج من الخلاء، فقُرِّب إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوَضوء؟ قال: «إنما أمرت بالوُضوء إذا قمت إلى الصلاة»[8]. وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79] فالصحيح أن المقصود به اللوح المحفوظ.

(3) الوضوء للدعاء:

فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله قال: «ائتوني بوَضُوء»، فلما توضأ، قام فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم قال: «اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك ودعاك لأهل مكة، وأنا محمد عبدك ورسولك، وأدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مُدِّهم وصاعهم مثل ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين»[9]. ولما ثبت عن أبي موسـى الأشعري رضي الله عنه في قصة عمه أبي عامر وطلبه من النبي أن يستغفر له قال: «ودعا بوضوء فتوضأ، ثم رفع يديه فدعا له»[10].

(4) الوضوء عند النوم:

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسـي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به»، قال: فرددتها على النبي فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: «لا؛ ونبيك الذي أرسلت»[11].

(5) الوضوء للجنب:

إذا أراد الجنب النوم، أو الأكل، أو معاودة الجماع، فيستحب له الوضوء، ودليل ذلك: حديث ابن عمر أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله: أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم إذا توضأ»[12]، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ»[13].

ومما يدل على أن أمره لعمر بالوضوء ليس على الوجوب، وإنما هو على الاستحباب: ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل أي: النبي - أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم، ويتوضأ إن شاء»[14]، فقوله: «إن شاء» دليل على الاختيار الذي يمنع الوجوب.

وأما الدليل على استحباب الوضوء إذا أراد أن يعود للجماع فهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ»[15]، وفي رواية: «فإنه أنشط للعَوْد»[16].

(6) الوضوء مما مست النار:

ورد ما يدل على وجوب الوضوء مما مست النار؛ فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي قال: «توضئوا مما مست النار»[17].

كما ورد ما يدل على أن النبي لم يتوضأ مما مست النار؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ [18]، لذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن فعله هذا قرينة صارفة للأمر الوارد في الأحاديث الأخرى عن الوجوب إلى الاستحباب، وهو وجه في مذهب الإمام أحمد رجحه ابن تيمية وابن القيم.

وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الأمر بالوضوء مما مست النار منسوخ، وأما دليل النسخ عندهم فهو ما رواه أبو داود والنسائي عن جابر رضي الله عنه قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار». لكن هذا الحديث أعلَّه أبو داود بالاختصار (في سننه 192)، وأعلَّه أبو حاتم باضطراب المتن (العلل 168)، وأعلَّه كذلك ابن تيمية وابن القيم، وعارضهم ابن حزم وابن التركماني وأحمد شاكر والألباني. والذين أعلُّوه أقوى حجة من الذين صحَّحوه، وعلى هذا فالقول باستحباب الوضوء مما مست النار هو الراجح لما علمت من ضعف ما استدل به الجمهور.

(7) الوضوء بعد أي حدث ولو لم يُرِدْ الصلاة:

وذلك لما ثبت عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»[19]. وعن بريدة بن الحصـيب رضي الله عنه قال: «أصبح رسول الله يومًا فدعا بلالًا، فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي؟ فقال بلال: يا رسول الله ما أَذنْتُ قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها، ورأيت أن لله علي ركعتين، فقال رسول الله : بهما»[20]. ومعنى «الخشخشة»: صوت النعل.

(8) الوضوء من حمل الميت:

وذلك لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ»[21].

والأمر بالغسل والوضوء في هذا الحديث محمول على الاستحباب، وذلك لما رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي قال: «ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم»[22].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة