حجم الخط:

محتوى الدرس (15)

المسح على الخفين

خريطة ذهنية لأحكام المسح على الخفين:

9 المسح على الخفين

أولا: مشروعيته:

ثبتت مشـروعية المسح على الخفين بالسُّنة؛ فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟! قال: نعم؛ رأيت رسول الله بال ثم توضأ ومسح على خفيه. قال إبراهيم: (فكان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة)[1]. قال الترمذي: (هذا حديث مفسـر؛ لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول مسح النبي على الخفين أنه كان قبل نزول آية الوضوء التي في المائدة فيكون منسوخًا).

قلت: ومقصود الترمذي أن جرير بن عبد الله أسلم بعد نزول آية المائدة، وأنه رأى النبي يمسح على الخفين، فدل ذلك على أن المسح على الخفين لم ينسخ.

ثانيًا: المسح على الجوربين والنعلين واللفائف:

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله «توضأ ومسح على الجوربين والنعلين»[2]. وقد اختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه لكن يؤيده ما ثبت عن الصحابة في المسح على النعلين والجوربين.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه، ويمسح عليها ويقول: «كذلك كان رسول الله يفعل». رواه البزار بإسناد صحيح.

قال أبو داود رحمه الله: ومسح على الجوربين: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والبراء ابن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث.

قلت: فعلى هذا يجوز المسح على الخفين والجوربين (الشـراب والنعلين (الحذاء)، ويجوز أيضًا المسح على أي خرقة تلف على القدم؛ فعن ثوبان رضي الله عنه قال: «بعث رسول الله سـرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين»[3]. قال ابن الأثير رحمه الله في (النهاية): (العصائب) هي العمائم؛ لأن الرأس يعصب بها، (والتساخين): كل ما يسخن به من خف وجورب ونحوهما.

قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والصواب أنه يمسح على اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخف والجوارب، فإن اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزعها ضـرر؛ إما إصابة البرد، أو التأذي بالحفاء، أو التأذي بالجرح، فإذا أجاز المسح على الخفين والجوربين فعلى اللفائف بطريق الأولى)[4].

واعلم أن الأدلة الثابتة في جواز المسح على الجورب تصلح أن تكون دليلًا على جواز المسح على اللفائف؛ لأنه ورد في القاموس معنى (الجورب): هي لفافة الرِّجل، لكن العرف خص اللفافة بما ليس بمخيط، والجورب بما هو مخيط، ومعلوم أن الخيط وعدمه ليس مؤثرًا في الحكم[5].

ثالثًا: شروط المسح:

يشترط لجواز المسح على ما سبق من خف وجورب ونحوه أن يلبسه على طهارة كاملة، وهذا هو الشـرط الوحيد الذي ورد به الدليل؛ فعن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي ذات ليلة في مسـير، فأفرغت عليه من الإداوة؛ فغسل وجهه، وذراعيه، ومسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: «دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما[6]. فشـرط المسح على الخفين هو لبسهما على طهارة كاملة، وأما ما عداه من الشـروط التي اشترطها بعض العلماء كأن يكون من جلد، أو مما يمكن تتابع المشـي فيهما، أو سلامتها من الخروق ونحوها، أو كونهما ثخينين لا ينفذ الماء خلالهما، فكل هذه الشـروط لا اعتبار لها؛ لأنه لم يرد في ذلك نص يقيد المسح بهذه الشـروط. وهذا الذي رجحه شـيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه، ورجحه ابن حزم في (المحلى)؛ قال ابن حزم رحمه الله: (فإن كان في الخفين، أو فيما لبس على الرجلين خرق صغير أو كبير، طولا أو عرضًا، فظهر منه شـيء من القدم - أقل القدم، أو أكثره - فكل ذلك سواء، والمسح على كل ذلك جائز ما دام يتعلق بالرجلين منه شـيء)[7].

ملحوظة:

لو خلع الخفين في أثناء المدة فإنه لا ينتقض وضوءُه، ولا يُمنع من استكمال مدة المسح إذا لم يُحدث قبل الخلع أو في أثنائه، فإن كان محدثًا، أو أحدث وهما مخلوعتان، فإنه لا يمسح عليهما إلا بعد لبسهما على طهارة كاملة. قال ابن تيمية رحمه الله: (ولا ينقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدة، ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه - وهو مذهب الحسن البصـري - كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور)[8].

وزاد الشـيخ ابن عثيمين شـرطًا آخر في الخف ليصح المسح عليه؛ وهو أن يكون طاهر العين؛ أي لا يكون مصنوعًا من شـيء نجس كجلد حمار مثلًا[9]. وأما إذا كان متنجسًا (أي أصابته نجاسة مع طهارة عينه)، فإنه يصح المسح عليه، لكن لا تصلح الصلاة به حتى يزيل ما عليه من نجاسة.

رابعًا: اختصاص المسح بظهر الخف:

المشـروع في المسح على الخفين هو أن يمسح على ظاهرهما دون باطنهما؛ فعن علي رضي الله عنه قال: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول يمسح على ظاهر خفيه»[10]. وذلك بأن يمرر يده بعد بلها بالماء على أعلى الخف، ولا يشترط الاستيعاب بل متى مسح بعضه أجزأه.

قال مالك رحمه الله: (من مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزئه، وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده). والمشهور عن الشافعي أن من مسح ظهورهما واقتصـر على ذلك أجزأه، ومن مسح بطونهما ولم يمسح ظهورهما لم يجزه وليس بماسح[11].

خامسًا: مدة المسح:

يمسح المقيم يومًا وليلة، ومسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن؛ لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه وفيه «أمرنا - يعني النبي - أن نمسح على الخفين ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما إلا من جنابة»[12]، وعن شـريح بن هانئ قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن المسح على الخفين، فقالت: سل عليًّا فإنه أعلم بهذا مني، كان يسافر مع رسول الله ، فسألته فقال: قال رسول الله : «ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوم وليلة»[13].

والظاهر أن المقصود من «اليوم والليلة»: خمس صلوات؛ فعن أبي عثمان النهدي رضي الله عنه قال: حضـرت سعدًا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: «يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته»[14].

سادسًا: متى تبدأ مدة المسح ومتى تنتهي؟

هناك قولان لأهل العلم في ابتداء مدة المسح:

الأول: أن المدة تبدأ بمجرد الحدث بعد لبسه وإن لم يمسح عليه، وعلى هذا: إذا لبس الخفين ثم أحدث، بدأ في حساب المدة وإن لم يُرد الوضوء.

الثاني: تبدأ من بداية المسح بعد الحدث، وهو الراجح، ورجحه الإمام النووي؛ قال رحمه الله: (وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد وداود، وهو المختار الواضح دليلا، واختاره ابن المنذر، وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحكى الماوردي والنسائي عن الحسن البصـري أن ابتداءها من اللبس، احتج القائلون من حين المسح بقوله : يمسح المسافر ثلاثة أيام، وهي أحاديث صحاح كما سبق، وهذا تصـريح بأنه يمسح ثلاثة، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت المدة من المسح)[15] اهـ. وهذا ما رجحه الشـيخ ابن عثيمين في الشـرح الممتع.

وأما عن انتهاء مدة المسح، أو بلفظ آخر: لو انتهت مدة المسح وكان متوضئًا ولم ينقض وضوءُه بسبب آخر، فهل يُعد انقضاء المدة ناقضًا للوضوء؟

هناك أقوال؛ أصحها: أنه ما زال على طهارته يصلي بوضوئه ما لم يحدث؛ وذلك لأنه متوضئ طاهر بيقين، ولم يأت دليل صحيح يدل على أن انقضاء المدة ناقض للوضوء، وإنما دلت الأحاديث على أن انقضاء المدة مانع من استمرار المسح حتى يلبسهما مرة أخرى على طهارة كاملة، فتأمل؛ قال الشـيخ الألباني رحمه الله: (وهذا الذي انقضـى وقت مسحه لم يُحدِث، ولا جاء نص في أن طهارته انقضت لا عن بعض أعضائه ولا عن جميعها، فهو يصلي حتى يحدث، فيخلع خفيه حينئذ وما على قدميه ويتوضأ، ثم يستأنف المسح توقيتًا آخر، وهكذا أبدا)[16].

سابعًا: ما يبطل المسح:

يبطل المسح على الخفين بسبب الجنابة؛ لحديث صفوان المتقدم وفيه: «وأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم إلا من جنابة..» الحديث. وأما ما ذكره البعض من أن انقضاء المدة أو نزع الخف ينقض الوضوء، فلا دليل عليه، وقد بينت ذلك آنفًا[17]، والله أعلم.

تنبيه: أيهما أفضل: المسح على الخفين، أو غسل الرجلين؟

قال ابن تيمية رحمه الله: (والأفضل في حق كل أحد بحسب قدمه؛ فللابس الخف: أن يمسح عليه ولا ينزع خفيه اقتداء بالنبي وأصحابه، ولمن قدماه مكشوفتان: الغسل، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه)[18]. قلت: هذا من حيث الأفضـيلة، لكنه لو لبسه متعمدًا ليمسح عليه صح مسحه[19].

ملاحظات:

(1) إذا لبس الخف في الحضـر، ثم سافر فإنه يمسح مسح المسافر.

(2) إن مسح في السفر ثم أقام أتم مسح مقيم، فإن كانت المدة مضـى منها أقل من يوم وليلة أتمها، وإن كانت مضـى منها أكثر من يوم وليلة انقطعت المدة[20].

(3) يجوز لبس الخف لمن لا يحتاج إليه، ولا يشترط أن يكون لبسه لبرد ونحوه.

(4) إذا لبس الخف وهو يدافع الحدث لم يكره، بمعنى أنه كان متوضئًا، وشعر بمدافعة الحدث، فأراد أن يلبس الخف قبل بطلان وضوئه بالحدث حتى يتمكن من المسح عليه. جاز له ذلك.

(5) لا مانع من لبس خفين أو جوربين فأكثر يلبسهما جميعًا بعد الطهارة الكاملة، ويكون المسح على الخف الأعلى، والجورب الأعلى.

(6) إذا لبس أحد الخفين على طهارة كاملة (بغسل الرجلين)، ثم لبس الخف الثاني قبل الحدث، فإنه يجوز أن يمسح على الأعلى كما تقدم.

لكنه لو أحدث بعد أن لبس الخف الأول وأراد أن يلبس الثاني فوقه، فالراجح أنه لا يصح المسح على الخف الأعلى، لأنه لم يلبسه على طهارة كاملة، والله أعلم.

(7) قال ابن حزم رحمه الله: (والمسح على كل ما لبس في الرجلين، مما يحل لباسه مما يبلغ فوق الكعبين سنة، سواء كانا خفين من جلد أو لبود... أو جوربين من كتان، أو صوف، أو قطن. كان عليهما جلد أو لم يكن، أو جرموقين، أو خفين على خفين، أو جوربين على جوربين أو ما أكثر من ذلك... وكذلك إن لبست المرأة ما ذكر من الحرير، فكل ما ذكرنا إذا لبس على وضوء جاز المسح عليه...)[21].

قلت: وترى اللجنة الدائمة عدم جواز المسح على الجوارب الشفافة التي تكون الرجلان فيها في حكم العاريتين. والله أعلم[22].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة