صفة الغسل:
الواجب في الغسل هو تعميم الجسد بالماء، فعلى أي صورة حصل هذا التعميم فقد صح غسله، حتى لو بدأ بأسافله قبل أعاليه، لكن يستحب أن يقتدي بالنبي ﷺ في الصفة التي كان يغتسل بها، فهي الأكمل، وعلى هذا فللغسل ركنان:
الأول: النية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة:5] وبقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» رواه الجماعة.
الثاني: تعميم الجسد بالماء. كما ذكرت من قبل.
وأما صفة الغسل الكاملة: فكما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها «أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أنه قد استبرأ حفَن على رأسه ثلاث حَفَنَات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه»[1]. وفي رواية في الصحيحين: «ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه أروى بشـرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات»[2]. وقد ورد في بعض الروايات تأخير غسل القدمين، وعلى ذلك فتكون صفة الغسل الكامل كالآتي:
(1) نية الغسل.
(2) يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، خاصة إذا كان قائمًا من نوم.
(3) إزالة الأذى الذي على فرجه، وذلك بغسله.
(4) تنظيف اليد بعد غسل الأذى.
(5) الوضوء، ويؤخر غسل رجليه، ويرى بعض العلماء جواز غسلهما مع هذا الوضوء، وهذا الخلاف منشؤه اختلاف ألفاظ الحديث.
(6) غسل الرأس. والمرأة لا يجب عليها حل ضفائرها، بل تخلل شعرها بالماء حتى تروي بشـرتها، ثم تفيض الماء على رأسها، وسواء دخل الماء إلى باطن الضفائر أم لا.
(7) إفاضة الماء على بقية البدن، والمستحب أن يفيض على يمينه أولًا، ثم على يساره.
(8) ثم يتنحى عن موضعه، ويغسل قدميه اقتداءً بالنبي ﷺ.
(1) ليس على المرأة أن تحل ضفائر شعرها لغسل الجنابة أو الحيض، ويكفيها أن تفيض عليها الماء مع وصوله إلى أصول شعرها؛ لما رواه الجماعة إلا البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسـي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حَثَيات، ثم تفيضـي عليك الماء فتطهرين»[3]. وفي رواية أنها سألت: «فأنقضه للحيضة والجنابة؟»[4]. وذهب ابن القيم أن زيادة الحيضة في هذا الحديث شاذة وهذا ما ذهب إليه الألباني في الإرواء ولكن هناك أحاديث أخرى تدل على ثبوت الحكم منها حديث عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض فقال تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلع شئون رأسها ثم تصب عليه الماء... الحديث وسـيأتي في الفقرة الآتية فلو كان نقض الشعر واجبا للغسل من الحيضة لأمرها بذلك، وعن نافع أن نساء ابن عمر وأمهات أولاده كن يغتسلن من الجنابة والحيضة فلا ينقضن رؤوسهن ولكن يبالغن في بلها رواه ابن أبي شـيبة (105) بإسناد صحيح فدل ذلك على أن المرأة لا يجب عليها نقض ضفائرها؛ سواء كان الغسل للجنابة، أو للحيض، وهذا الرأي هو الراجح من أقوال أهل العلم إن شاء الله تعالى.
(2) يستحب للمرأة إذا اغتسلت من حيض أو نفاس أن تأخذ قطعة من قطن ونحوه، وتضـيف إليه مسكًا أو طيبًا، ثم تتبع بها أثر الدم؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن غسل الحيض، قال: «تأخذ إحداكن ماءها وسِدْرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى يبلغ شئون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرْصَةً مُمسكَة فتطهر بها»، قالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ قال: «سبحان الله! تطهري بها»، قالت عائشة - كأنها تخفي ذلك -: تتبعي أثر الدم[5]. ومعنى «شئون الرأس» أصوله، و«الفرصة» قطنة أو صوفة، و«ممسكة» أي: بها المسك.
(3) يجوز للرجل أن يغتسل هو وزوجته من إناء واحد؛ لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد يقال له الفَرَق»[6]. ويجوز للرجل أن يرى فرج زوجته، وللزوجة أن ترى مذاكير زوجها.
(4) يجوز للرجل أن يغتسل ببقية الماء الذي اغتسلت منه المرأة، والعكس؛ يجوز للمرأة أن تغتسل ببقية الماء الذي اغتسل منه الرجل؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله! إني كنت جنبًا، فقال: «إن الماء لا يجنب»[7].
(5) لو انغمس من يجب عليه الغسل في بحر، أو نهر، أو بركة، أو نحوه ونوى الغسل، صح غسله؛ لأن المقصود تعميم الجسد بالماء.
(6) الماء المتساقط من جسد الجنب باق على طهوريته، وله أن يتم به غسله. وقد تقدم بيان هذه المسألة في بيان حكم الماء المستعمل.
(7) إذا اغتسل من الجنابة جاز له الصلاة بهذا الغسل؛ سواء نوى الوضوء أم لا، وذلك لأن الله أوجب على القائم للصلاة إن كان محدثًا حدثًا أصغر أن يتوضأ، وإن كان محدثًا حدثًا أكبر أن يغتسل؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ [المائدة:6].
قال أبو بكر بن العربي رحمه الله: لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث وتقضـي عليها.
قلت: ومما يدل على ذلك ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يغتسل ويصلي الركعتين وصلاة الغداة، ولا أراه يحدث وضوءًا بعد الغسل»[8]. واعلم أن هذا مخصوص بغسل الجنابة، وأما ما عداه من الأغسال المستحبة أو الواجبة فعليه الوضوء لرفع الحدث، ولا يكفيه غسله لرفع الحدث الأصغر. والله أعلم.
(8) إذا اجتمع غسل حيض وغسل جنابة، أو غسل جمعة وغسل جنابة، أو نحو ذلك؛ فإنه يجب لكل واحد غسل مستقل على الراجح، والله أعلم، ويرى بعض أهل العلم جواز جمعهما بنية واحدة وهو مذاهب الأربعة.
(9) يجوز للجنب وللحائض الجلوس مع الآخرين ومكالمتهم، والخروج إلى السوق، كما يجوز له إزالة الشعر وقص الأظفار؛ إذ لا دليل يمنع من ذلك[9].
(10) يباح تنشـيف الأعضاء وتركها؛ لأنه لم يثبت في ذلك حديث صحيح، فالأصل الإباحة على الحالتين. وأما حديث ميمونة رضي الله عنها بعد أن ذكرت غسل النبي ﷺ قالت: «فأتيته بالمنديل، فجعل ينفض الماء بيده»[10]، فليس فيه دليل على ترك التنشـيف[11].
(11) يسن للجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام أن يتوضأ[12]، وقد تقدمت هذه المسألة في أبواب الوضوء.
(12) لا يشترط الدلك في الغسل، إذ حقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء[13].
(13) من الأخطاء المنكرة امتناع بعض النساء من غسل رءوسهن عند الجنابة من أجل تسـريحات شعرهن، أو تفريده بالسشوار ونحوه، وهي في هذا الفعل آثمة، ولا يصح غسلها.
أفتت اللجنة الدائمة بأنه ليس هناك آيات تتلى عند غسل الجنابة، وأفتت بصحة غسل الجنب وإن لم يتبول قبله (السعيدان 21).
أفتت اللجنة الدائمة بجواز استعمال الصابون والمنظفات الحديثة في غسل الجنابة، وأفتت بأن إدخال المرأة لإصبعها في فرجها لا يوجب الغسل (السعيدان 22).