حجم الخط:

محتوى الدرس (20)

المسح على الجبيرة

معنى الجبيرة:

أعواد توضع على الكسـر ليلتئم ثم يربط عليها، ومن ذلك الجبس ونحوه.

حكمها:

اختلف العلماء في حكم المسح على الجبائر على النحو الآتي:

(أ) ذهب جمهور العلماء إلى أنه يشـرع المسح عليها عند الوضوء والغسل، ويكمل غسل بقية الأعضاء.

(ب) وذهب آخرون إلى أنه لا يمسح على الجبيرة؛ لأنه لم يشـرع المسح عليها، ثم اختلفوا على أقوال:

الأول: أنه يسقط غسل هذا العضو؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو مذهب الظاهرية.

الثاني: أنه يتيمم من أجل هذا العضو، ويتوضأ أو يغتسل لبقية الأعضاء، وهو قول للشافعي في الأم وعليه جمهور أصحابه.

الثالث: يتيمم فقط ولا يمسح وهو قول للشافعية واختاره القاضـي أبو الطيب.

الأدلة والترجيح:

استدل الجمهور بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي أخبر بذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله؛ ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصـر -أو يعصب- على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده»[1].

قلت: هذا الحديث في إسناده ضعف؛ لأن فيه الزبير بن خريق وهو ليس بالقوي، لكن للحديث شاهدًا آخر من حديث ابن عباس اقتصـر فيه على التيمم -وسـيأتي- وليس فيه المسح على الجبيرة، وهو محل الشاهد فتبقى هذه الزيادة ضعيفة لا تتقوى بالرواية الثانية.

واستدل الآخرون على عدم مشـروعية المسح على الجبيرة بأنه لم يأت حديث صحيح ينص على ذلك. واستدلوا على التيمم بالرواية السابقة مع ما يشهد لها من حديث ابن عباس الذي أشـرت إليه سابقًا، ولفظه: أن رجلا أجنب في شتاء، فسأل فأمر بالغسل، فمات، فذكر ذلك للنبي فقال: «ما لهم قتلهم الله -ثلاثًا- قد جعل الله الصعيد -أو التيمم- طهورًا».

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «إذا أجنب الرجل وبه الجراحة والجدري، فخاف على نفسه إن هو اغتسل، قال: يتيمم بالصعيد»[2].

وعلى هذا فيرجح هذا القول وهو عدم مشـروعية المسح، وإنما عليه التيمم لصحة الخبر الوارد في ذلك، ولضعف رواية المسح على الجبيرة.

وأما من ذهب إلى عدم التيمم، وعدم المسح على الجبيرة، ورأى أنه يتوضأ أو يغتسل فقط ولا يغسل العضو الذي به الجرح، أو المرض؛ فقد استدل بقوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، قالوا: فهذا ليس في وسعه أن يغسل هذا العضو، فسقط غسله ولا شـيء عليه ولضعف الأحاديث الواردة في الباب.

قلت: لكنه صح حديث التيمم بشواهده، ويبقى غسل بقية الأعضاء على أصله، وهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس[3]، والله أعلم.

قال النووي: (وإذا أراد لابس الجبيرة الطهارة فليفعل ثلاثة أمور: غسل الصحيح من باقي الأعضاء، والمسح على الجبيرة، والتيمم)[4]. ثم علَّل غسل باقي الأعضاء بقوله: (والمذهب القطع بوجوب غسل الصحيح؛ لأن كسـر العضو لا يزيد على فقده، ولو فقده وجب غسل الباقي قطعًا)[5].

قُلت: فأما المسح على الجبيرة فقد تبين أن الحديث فيها لا يصح، وسُئل شـيخ الإسلام ابن تيمية عن امرأة بها مرض في عينيها، وثقل في جسمها من الشحم، وليس لها قدرة على الحمام لأجل الضـرورة، وزوجها لم يدعها تطهر، وهي تطلب الصلاة، فهل يجوز لها أن تغسل جسمها الصحيح وتتيمم عن رأسها؟

فأجاب: نعم، إذا لم تقدر على الاغتسال في الماء البارد ولا الحار، فعليها أن تصلي في الوقت بالتيمم عند جماهير العلماء، لكن مذهب الشافعي وأحمد أنها تغسل ما يمكن وتتيمم للباقي، ومذهب أبي حنيفة ومالك: إن غسلت الأكثر لم تتيمم، وإن لم يمكن إلا غسل الأقل تيممت ولا غسل عليها»[6].

ملاحظات:

(1) إذا لم يكن هناك حاجة للجبيرة، كأن يكون العضو قد برأ، فإنه يجب نزعها؛ لأنه لا يصح المسح عليها بعد ذلك.

(2) لا يشترط لبس الجبيرة على طهارة كما هو الحال في الخف، وكذلك لا يشترط مدة، بل الأمر متعلق بوجود سبب الجبيرة، مهما طال.

(3) إذا أزال الجبيرة وكان متوضئًا قبلها، فإن هذا لا يؤثر في صحة وضوئه ما لم يحدث.

(4) ليس على صاحب الجبيرة إعادة الصلوات التي صلاها، بل صلاته صحيحة، خلافًا لما ذهب إليه بعض الشافعية والحنابلة من إعادة الصلوات.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة