حجم الخط:

محتوى الدرس (23)

ثانيًا: الاستحاضة:

معنى الاستحاضة:

دم يسـيل من فرج المرأة بحيث لا ينقطع عنها أبدًا، أو ينقطع عنها مدة يسـيرة.

أحوال المستحاضة:

الحالة الأولى: أن يكون لها عادة[1] لحيض معلوم قبل الاستحاضة.

الحالة الثانية: أن لا يكون لها عادة لحيض معلوم قبل الاستحاضة، ولكنها تستطيع أن تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة.

الحالة الثالثة: أن لا يكون لها عادة لحيض معلوم، وليس لديها تمييز صالح للدم لاشتباهه عليها، أو مجيئه على صفات مضطربة.

ولكل حالة من هذه الحالات حكمها على النحو الآتي:

أولًا: في الحالة الأولى:

تحتسب المرأة وقت حيضها المعلوم باعتبار أن هذا الوقت هو مدة الحيض، ثم تجعل بقية الشهر استحاضة[2].

وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إني أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إن ذلك عِرْق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضـين فيها ثم اغتسلي وصلي»[3].

ثانيًا: وأما في الحالة الثانية:

التي ليس لها عادة معلومة، وذلك بأن يستمر معها الاستحاضة من أول ما ترى الدم، فالذي ذهب إليه جمهور العلماء أن تعمل بالتمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة إن كانت تستطيع التمييز، وإلا انتقلت إلى الحالة الثالثة، فدم الحيض أسود غليظ، وله رائحة تميزه، وهو دم لا يتجمد، وما عداه استحاضة.

ودليل ذلك ما ثبت في لفظ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله قال لها: «إذا كان دم الحيض؛ فإنه أسود يُعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي؛ إنما هو عِرْق»[4]. الحديث حسَّنه الألباني لكن أنكره أبو حاتم وغيره لمخالفته رواية الصحيحين السابقة، انظر: (زوائد أبي داود 286) والراجح ما ذهب إليه أبو حاتم لأن القصة واحدة، والمعروف أن النبي ردها إلى العادة وليس إلى التمييز، لكن يستدل لهذا الحكم أعني العمل بالتمييز بما ثبت عن ابن عباس وقد سئل عن امرأة استحيضت فقال: إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار فلتغتسل ولتصل[5]، ومعنى البحراني، أي الأسود، والنسبة ليست إلى البحر ولكن إلى الرحم فإنه يطلق على قاع الرحم: البحر[6].

قالوا: ولأن التمييز علامة قوية على التفريق فقد نص القرآن على أن دم الحيض أذى واختلفت أحكام الحيض الذي هو أذى عن الدم الآخر فإذا أمكن تمييز الدَّمين وجب العمل بهذا التمييز.

ثالثًا: في الحالة الثالثة:

وهي التي ليس لها عادة معلومة، كما أنها لا تستطيع أن تميز بين الدم، فهذه تعمل بعادة غالب النساء، فيكون الحيض ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، تبدأ من أول المدة التي ترى فيها الدم ويكون بقية الشهر استحاضة[7].

والدليل على ذلك: حديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، إني أستحاض حيضة شديدة فما ترى فيها؟ قال: «أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم»، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: «فاتخذي ثوبًا،...» إلى أن قال -: «إنما هذه ركضة من ركضات الشـيطان فتحيَّضـي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت، فصلي أربعًا وعشـرين، أو ثلاثًا وعشـرين ليلة وأيامها...»[8].

ماذا تفعل المستحاضة من أجل الصلاة؟

المستحاضة إذا انقضت مدة الحيض (على التفصـيل السابق)، فإنها تغتسل غسلها من الحيض ثم تعصب خرقة على فرجها - ويسمى هذا تَلَجُّمًا واستثفارًا - وبذلك يكون لها أحكام الطهر؛ فيباح لها الصلاة، والصوم، والطواف، وغير ذلك مما كان محرمًا عليها بالحيض، إلا أنها في حال الصلاة تتخير أحد هذه الأمور:

الأول: تتوضأ لكل صلاة، أي أنها لا تتوضأ قبل دخول وقت الصلاة؛ لما تقدم من قوله : «وتوضئي لكل صلاة»، وفي رواية: «وتتوضأ عند كل صلاة».

قال النووي: ويهذا قال جمهور السلف والخلف وهو مروي عن علي وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال عروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن[9].

قلت: وقبل وضوئها تغسل فرجها وتشد خرفة عليه.وهو قول الجمهور.

الثاني: تؤخر الظهر إلى آخر وقتها، ثم تغتسل، وتصلي الظهر والعصـر، وكذلك تؤخر المغرب إلى آخر وقتها، ثم تغتسل، وتصلي المغرب والعشاء، وتغتسل للصبح وتصلي؛ وذلك لما ثبت في حديث حمنة بنت جحش أن الرسول قال لها: «وإن قويت أن تؤخري الظهر وتعجلي العصـر فتغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصـر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي»؛ قال : «وهذا أعجب الأمرين إلي». وهذا قول علي، وابن عباس، وإبراهيم النخعي[10].

الثالث: الاغتسال لكل صلاة؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : «استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ، فقالت : إني أستحاض ، فقال : إنما ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة»[11]. وهذا قول ابن عمر، وابن الزبير، ورواية عن علي، وابن عباس، وهو قول عطاء بن أبي رباح[12].

ملاحظات:

(1) المستحاضة لا يضـرها ما ينزل منها من دم بعد وضوئها للصلاة مهما كثر؛ لأنها معذورة، وعليها أن تعصب على فرجها خرقة تتلجم بها.

(2) اختلف العلماء في جواز جماع المستحاضة، والصحيح جوازه؛ لأن الشـرع لم يمنع من جماعها. وهذا رأي الجمهور. قال الشوكاني رحمه الله: (ولم يرد في ذلك شـرع يقتضـي المنع منه، وفي سنن أبي داود عن عكرمة قال: «كانت أم حبيبة تستحاض، فكان زوجها يغشاها»[13][14].

(3) إذا نزفت المرأة لسبب يوجب نزيفها -لعملية مثلًا في الرحم- ثم خرج الدم، فهذه على حالين:

أ- أن يعلم أنها لا يمكن أن تحيض كأن تكون العملية لاستئصال الرحم، فهذه لا يثبت لها أحكام الاستحاضة؛ فلا تمتنع عن الصلاة في أي وقت، ويكون هذا الدم دم علة وفساد، ويرى الشـيخ ابن عثيمين أن تتوضأ لكل صلاة[15].

ب- أن يعلم أنها من الممكن أن تحيض فيكون حكمها حكم المستحاضة.

(4) الفرق بين دم الحيض والاستحاضة: يميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بأربع علامات:

الأول: اللون: فالحيض أسود، والاستحاضة أحمر.

الثاني: الرقة: فدم الحيض ثخين، والاستحاضة رقيق.

الثالث: الرائحة: فالحيض منتن الرائحة، والاستحاضة غير منتن.

الرابع: التجمد: فدم الحيض لا يتجمد، والاستحاضة يتجمد.

(5) إن كان لها عادة وتمييز، فالراجح أنها تحتسب بالعادة لا بالتمييز؛ لأن النبي عندما رد المرأة إلى العادة لم يسألها: هل تميزين الدم أو لا، ولأن العادة أضبط للمرأة، إذ من الممكن أن يتقطع بأن يكون يومًا أسود ويومًا أحمر[16]، فإن نسـيت عادتها عملت بالتمييز.

(6) إن علمت بوقت الدم لكنها نسـيت عدد أيامه؛ بمعنى أنها علمت مثلًا أنه يأتيها في أول الشهر ثم نسـيت هل هو ستة أيام، أو سبعة، أو غير ذلك؟ يقال لها: احتسبي بغالب الحيض (الحالة الثالثة)[17]، ولا ترجعي للتمييز.

(7) والعكس إن علمت العدد ونسـيت الموضع؛ بأن تذكر مثلًا أنه كان يأتيها ستة أيام، لكنها نسـيت هل كان في أول الشهر أو في آخره فإنها تحتسب من أول الشهر عدد ما كانت تأتيها الحيضة. فإن قالت: إنه كان يأتيها في نصف الشهر لكنها لا تستطيع التحديد، فإنها تجلس من أول النصف عدد ما كانت تأتيها حيضتها، لأن نصف الشهر في هذه الحالة أقرب إلى ضبط وقتها، والله أعلم.


ثالثًا: النفــاس:

معنى النفاس:

لغة: ولادة المرأة[18].

واصطلاحًا: هو الدم الخارج عقب الولادة، أو يقال: الدم الخارج عقب فراغ الرحم من الحمل[19]. وعلى هذا لا يكون النفاس إلا بعد الولادة وأما قبل الولادة أو معها -ولو مع الطلق- فلا يعد نفاسًا، والله أعلم، وهذا ما رجَّحه الطب؛ كما أورد ذلك دبيان بن محمد الدبيان في كتابه (الحيض والنفاس).

مدته:

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله أربعين يومًا»[20]. قال الترمذي: (أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي)[21].

هذا على الغالب أن النفاس يكون أربعين يومًا، لكن ذهب بعض العلماء إلى أنه يمكن أن يزيد على ذلك في حالات نادرة، كما يمكن أن يقل؛ قال ابن تيمية رحمه الله: (والنفاس لا حد لأقلِّه ولا لأكثره؛ فلو قدر أن امرأة رأت الدم أكثر من أربعين، أو ستين، أو سبعين وانقطع، فهو نفاس، لكن إن اتصل فهو دم فساد، وحينئذ فالحد أربعون؛ فإنه منتهى الغالب؛ لما جاءت به الآثار).

والأولى أن يحد أكثر زمنه بالأربعين؛ وذلك للآثار الواردة في ذلك، ولأن هذا ما يحققه الطب ويثبته؛ إذ إنهم يرون أنه لا يمكن أن يزيد عن الأربعين[22].

قال ابن قدامة رحمه الله: (فإن زاد دم النفساء على أربعين يومًا فصادف عادة الحيض فهو حيض، وإن لم يصادف الحيض فهو استحاضة)[23].

وأما أقل مدة النفاس: فالصحيح أنه ليس لأقله حد، فمتى رأت الطهر اغتسلت، والعبرة فيه بوجود الدم، وعلى هذا يمكن القول:

(1) إذا زاد الدم على الأربعين، وكان لها عادة بانقطاعه بعد الأربعين، أو ظهرت أمارات على قرب الانقطاع، انتظرت حتى ينقطع.

(2) إذا صادف زمن الحيض قرب الانقطاع فإنها تجلس حتى ينتهي زمن حيضها.

(3) وإن استمر فهي مستحاضة ترجع إلى أحكام المستحاضة.

(4) إذا طهرت قبل الأربعين فهي طاهر؛ تغتسل وتصلي وتصوم ويجامعها زوجها. ويرى الإمام أحمد أنه لا يقربها زوجها استحبابًا - أي حتى تصل إلى الأربعين - وثبت عن عثمان بن أبي العاص نحو ذلك[24].

(5) إذا ولدت ولم تر الدم - وهذا نادر جدًّا - فإنها تتوضأ، وتصلي، ولا غسل عليها.

(6) إذا طهرت قبل الأربعين ثم عاودها الدم في أثناء الأربعين، فقد ذكر في المغني روايتين:

إحداهما: أنه من نفاسها؛ فتدع له الصلاة والصوم.

والثانية: أنه مشكوك فيه؛ فتصوم وتصلي ثم تقضـي الصوم احتياطًا ولا يقربها زوجها.

والذي رجَّحه الشـيخ ابن عثيمين اعتبار القرائن في هذا الدم؛ فإن علمت أنه دم نفاس فهو كذلك، وإن علمت بالقرائن أنه ليس دم نفاس فهى في حكم الطاهرات. والله أعلم[25].

بِمَ يثبت النفاس؟

لا يثبت النفاس إلا إذا وضعت ما يتبين فيه خلق إنسان، فلو وضعت سِقْطًا لم يتبين فيه خلق إنسان فيرى بعض العلماء أن دمها لا يكون دم نفاس. ويتلخص عندهم الأمر كما يلي:

أ- إن كان السقط قبل الأربعين يومًا الأولى، فالدم لا يحكم عليه أنه دم نفاس، بل هو دم فساد فتغتسل وتصلي وتصوم.

ب- إن كان السقط بعد ثمانين يومًا، فالدم دم نفاس.

جـ- إن كان السقط ما بين الأربعين والثمانين يومًا فينظر في السقط؛ فإن ظهرت فيه أمارات التخليق فالدم دم نفاس، وإلا فلا.

ويرى الشـيخ الألباني رحمه الله أن الدم عقب السقط يكون نفاسًا في أي مرحلة من مراحل الجنين[26]، وأرى أن ذلك هو الراجح؛ لعدم وجود دليل على الفرق بين ما كان قبل الأربعين، وما كان بعد الأربعين، شـريطة التحقق أنه سقط لآدمي، ليس مجرد دم محتبس، ويُستعان على ذلك بالوسائل الطبية، والله أعلم.


شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة