مواقيـت الصلاة
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بمواقيت الصلاة

جمع (ميقات): وهو القدر المحدود للفعل من الزمان، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء:103]. وفيما يلي نذكر بعض الأحاديث التي حددت مواقيت الصلاة، ثم نبين بعد ذلك تفاصـيل كل وقت وما يتعلق به على حدة:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما «أن النبي ﷺ جاءه جبريل عليه السلام فقال له: قم فصَلِّهْ، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصـر فقال: قم فصله، فصلى العصـر حين صار ظلُّ كل شـيء مثلَه، ثم جاءه المغرب، فقال: قم فصله، فصلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر حين برق الفجر -أو قال: سطع الفجر- ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شـيء مثله، ثم جاءه العصـر فقال: قم فصله، فصلى العصـر حين صار ظل كل شـيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتًا واحدًا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال: ثلث الليل، فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفر جدًّا فقال: قم فصله، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقتٌ»[1].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضـر العصـر، ووقت العصـر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة؛ فإنها تطلع بين قرني شـيطان»[2].
(1) الحديث الأول: يسمى حديث إمامة جبريل، وكانت إمامة جبريل بالنبي ﷺ في اليوم الذي يلي ليلة الإسـراء، وأول صلاة أديت صلاة الظهر على المشهور.
(2) قال ابن عبد البر رحمه الله: (قال جماعة من أهل العلم: إن النبي ﷺ لم يكن عليه صلاة مفروضة قبل الإسـراء، إلا ما كان أمر به من صلاة الليل على نحوٍ من قيام رمضان، من غير توقيت ولا تحديد ركعات معلومات ولا لوقت محصور، وكان ﷺ يقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وقام معه المسلمون نحوًا من حول حتى شق عليهم ذلك، فأنزل الله التوبة عليهم والتخفيف في ذلك، ونسخه وحطه فضلًا منه ورحمة، فلم يبق في الصلاة فريضة إلا الخمس)[3].
من الأحاديث المتقدمة يتبين أن أول وقت الظهر إذا زالت الشمس، ومعنى «زوال الشمس»: ميلها عن كبد السماء[4]، وآخر وقتها: إذا صار ظل كل شـيء مثله؛ أي مضافًا إليه الظل الذي يكون عند الزوال، وهذا الظل يختلف باختلاف البلاد[5].
الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر:
يستحب التعجيل بأداء الصلاة في أول وقتها؛ لأن ذلك من المسارعة لأمر الله، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه سأل النبي ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»[6].
وفي رواية عند ابن حبان: «الصلاة في أول وقتها»[7]. وهذه الزيادة ضعيفة، ولكن قد وردت أحاديث تدل على استحباب التعجيل بالظهر إلا في شدة الحر؛ فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر إذا دحضت الشمس»[8]، أي «زالت».
لكن في شدة الحر يشـرع (الإبراد) بصلاة الظهر؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم»[9].
والمقصود بالإبراد: تأخير الصلاة في شدة الحر إلى الوقت الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر، وأن يصـير لِلتُّلول فيء وظل يمشون فيه، وجمهور العلماء على أن هذا الأمر للاستحباب، ويرى بعضهم الوجوب[10]. ويُستفاد من الحديث أنه لا يشـرع الإبراد في البرد، وكذلك إذا لم يشتد الحر.
ويقدر هذا الوقت إلى أن يكون ظل كل شـيء مثله؛ وذلك لما ثبت في صحيح البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن، فقال له: «أبرد»، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: «أبرد» حتى ساوى الظلُّ التلولَ، فقال: النبي ﷺ: «إن شدة الحر من فيح جهنم»[11]. وهذا يدل على أن الإبراد يكون إلى قرب وقت العصـر.
قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وهذا يحصل لمن يصلى جماعة، ولمن يصلى وحده، ويدخل في ذلك النساء، فإنه يسن لهن الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر)[12]، وقد استدل رحمه الله لذلك بعموم الخطاب في «أبردوا»، ولأنه ﷺ لم يعلل الإبراد في الحديث إلا بقوله: «فإن شدة الحر من فيح جهنم». والله أعلم.
يبدأ وقت صلاة العصـر عندما يكون ظل الشـيء مثله، أما وقت انتهائه فقد ورد فيه أحاديث:
الأول: حديث جبريل المتقدم، وفيه أنه صلى العصـر في اليوم الثاني عندما صار «ظل الشـي مثليه»، وقال بعد ذلك: «الوقت ما بين هذين ».
الثاني: حديث عبد الله بن عمرو المتقدم، وفيه قول النبي ﷺ: «ووقت صلاة العصـر ما لم تصفر الشمس».
الثالث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من العصـر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصـر»[13].
ففي الحديث الأول جعل آخره أن يصـير ظل كل شـيء مثليه، وفي الحديث الثاني جعله إلى وقت الاصفرار، وفي الثالث جعله حتى مغيب الشمس.
ووجه الجمع بين هذه الروايات ما بيَّنه العلماء من تقسـيم وقت العصـر إلى خمسة أوقات: فضـيلة، واختيار، وجواز بلا كراهة، وجواز مع الكراهة، ووقت عذر؛ قال النووي رحمه الله نقلًا عن أصحاب الشافعي: (فأما وقت الفضـيلة: فأول وقتها، ووقت الاختيار: يمتد إلى أن يصـير ظل كل شـيء مثليه، ووقت الجواز: إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة: حال الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر: وهو وقت الظهر في حق من يجمع بين الظهر والعصـر لسفر أو مطر؛ ويكون العصـر في هذه الأوقات الخمسة أداء، فإن فاتت بغروب الشمس فهي قضاء)[14].
قلت: ومما يدل على كراهة تأخيرها إلى ما بعد الاصفرار: ما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق؛ يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشـيطان قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا»[15].
عن أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي العصـر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة»[16].
و«العوالي» أماكن في أطراف المدينة. قال الشوكاني رحمه الله: (والحديث دليل على استحباب المبادرة بصلاة العصـر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب الذاهب بعد صلاة العصـر ميلين وثلاثة والشمس لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصـر حين صار ظل كل شـيء مثله)[17].
ومما يدل على استحباب المبادرة في يوم الغيم ما ثبت عن أبي المليح رضي الله عنه قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال: بكروا بصلاة العصـر؛ فإن النبيﷺ قال: «من ترك صلاة العصـر فقد حبط عمله»[18].
تنبيه: اختلفت أقوال العلماء في تحديد الصلاة الوسطى، وأرجحها أنها صلاة العصـر، فقد صـرحت بذلك أحاديث؛ منها:
(1) حديث علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» - وفي رواية -: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصـر»[19].
(2) حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: حبس المشـركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصـر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله ﷺ: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصـر؛ ملأ الله قبورهم نارًا، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا»[20].