صفـة الصـلاة
في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ، فرد النبي ﷺ عليه السلام، فقال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ، قال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ» (ثلاثًا)، فقال: والذي بعثك بالحق فما أحُسن غيره، فعلمني، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسـر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»[1]. وهذا الحديث يسمى حديث المسـيء صلاته، وهو أصل في بيان أركان الصلاة، وله ألفاظ كثيرة نذكرها في مواطنها. وقد وردت كيفية صلاة النبي ﷺ في حديث أبي حميد رضي الله عنه وحديث وائل ابن حجر رضي الله عنه.
أما حديث أبي حميد: فعن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي رضي الله عنه في عشـرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أَعْلَمُكم بصلاة رسول الله ﷺ، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يَصُبُّ رأسه ولا يُقنِع[2]، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسـرى فيقعد عليها، ويفتخ[3] أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسـرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسـرى وقعد متوركًا على شقه الأيسـر، قالوا: صدقت؛ هكذا كان يصلي ﷺ[4].
وأما حديث وائل بن حُجر رضي الله عنه فقد قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، قال: فقام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسـرى، ووضع يده اليسـرى على فخذه اليسـرى، وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين وحلق حلقة، ورأيته يقول هكذا، وحلق بِشـر - راوي الحديث - الإبهام والوسطى وأشار بالسبابه[5]. فهذه بعض الأحاديث الواردة في صفة الصلاة، ولها ألفاظ وزيادات نذكرها -إن شاء الله - في موضعها من هذا الكتاب. وإليك الآن تفصـيلَ صفة الصلاة كاملة مرتبة مع ذكر الأحكام والملاحظات في كل موضع:
إذا أراد العبد الصلاة فعليه أن يتحقق من شـروط صحتها؛ من الطهارة، واستقبال القبلة وغير ذلك؛ لما ثبت في رواية لحديث المسـيء صلاته: «إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله؛ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين»[6]. وفي رواية: «فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر»[7]، ثم بعد ذلك يبدأ في الصلاة، على النحو الآتي:
قال تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة:238]. وعن عمران بن حصـين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسـير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب»[8]. فيجوز للمريض أن يصلي الفريضة قاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب.
ولا تصح صلاة القادر على القيام إذا صلى قاعدًا في الفريضة، أما النافلة فيجوز له أن يصلي قاعدًا مع قدرته على القيام، ويكون له نصف أجر القائم؛ لما ثبت عن عمران بن حصـين رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا فقال: «إن صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد»[9].
كما يجوز أيضًا صلاة النافلة على الراحلة؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ كان يصلي على الراحلة يومئ إيماءً أينما توجهت به الركاب[10].
(1) يجوز في الخوف الشديد الصلاة قائمًا وراكبًا، مستقبل القبلة وغير مستقبلها، وتقدم ذلك في شـروط صحة الصلاة.
(2) إذا كان معذورًا وصلى قاعدًا فإن أجره يكون كاملًا؛ فعن أبي موسـى الأشعري رضي الله عنه رفعه: «إذا مرض العبد أو سافر، كُتِب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا»[11].
(3) قال ابن حجر رحمه الله: (استدل به من قال: لا ينتقل المريض إلى القعود إلا بعد عدم القدرة على القيام، حكاه عياض عن الشافعي، وعن مالك وأحمد وإسحاق: لا يشترط العدم، بل وجود المشقة، والمعروف عند الشافعية أن المراد بنفي الاستطاعة: وجود المشقة الشديدة بالقيام، أو خوف زيادة المرض، أو الهلاك، ولا يُكتفَى بأدنى مشقة، و من المشقة الشديدة: دوران الرأس في حق راكب السفينة، وخوف الغرق لو صلى قائمًا)[12].
(4) إذا صلى الإمام قاعدًا، صلى المأمومون قعودًا كذلك، ولو كانوا قادرين على القيام؛ فعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا»[13]، وسـيأتي بيان ذلك في صلاة الجماعة.
(5) قال النووي رحمه الله: (لو قام على إحدى رجليه، صحت مع الكراهة، فإن كان معذورًا فلا كراهة، ويكره أن يلصق القدمين، بل يستحب التفريق بينهما، ويكره أن يقدم إحداهما على الأخرى، ويستحب أن يوجه أصابعهما إلى القبلة)[14].
قلت: وقوله: (يستحب التفريق بينهما) لا يعني المبالغة في تفريقهما، بل يكونا بصورة معتدلة، فلا يلصقهما ولا يفتحهما فتحًا يزيد عن حده.
(6) يشترط في القيام: الانتصاب، فلا يصح أن يقف مائلًا إلى أحد جانبيه، أو منحنيًا إلى حد الراكعين، فإن انحنى -بلا عذر- إلى حد قريب من حد الركوع بطلت صلاته، وأما إطراق الرأس فلا يضـر.
(7) لو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلة بظهره تمنع الانحناء، لزمه القيام، ويأتي بالركوع والسجود بحسب الطاقة.
(8) الصحيح أنه لو اعتمد من به عذر على عصًا أو حائط، صحت صلاته؛ سواء كان يسقط هو بزوال العصا أم لا، وقد ذهب إلى ذلك أبو ذر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم. وقد ثبت في الحديث «أن النبي ﷺ لما أسَن وكبِر اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه»[15].
(9) الأرجح في صفة القعود أن يجلس متربعًا، وهذا ما ذهب إليه مالك وأحمد وأبو حنيفة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي متربعًا»[16].
وأما كراهية ابن مسعود لذلك فيما رواه عنه البيهقي؛ فلعله لم يقف على ما رأته عائشة رضي الله عنها في صفة جلوسه ﷺ في الصلاة.
ويمكن أن يقال: الأرجح أن يجلس مفترشًا على قدمه اليسـرى؛ لما ثبت في الحديث عن ابن عمر قال: «سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني رجلك اليسـرى»[17]، فقوله: «سنة الصلاة» يفيد الأفضلية مع جواز الجلوس متربعًا؛ لفعله ﷺ كما تقدم في الحديث السابق.
ولا شك أن المريض إذا لم يقو على هذه الجلسة جلس على أي صفة يستطيعها؛ لقوله في الحديث: «فإن لم تستطع فقاعدًا»، ولقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن:16].
(10) إذا لم يستطع الصلاة من قعود، صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه، ويومئ إيماء في الركوع والسجود. ويرى بعض أهل العلم أنه إن لم يستطع استلقى على ظهره[18] بحيث تكون رجلاه إلى القبلة.
قلت: والحديث في ذلك لا يصح.
(11) إن عجز عن الصلاة مضطجعًا، اختلف العلماء؛ فمنهم من يرى أنه لا ينتقل إلى حالة أخرى، بل تسقط الصلاة عنه؛ لأنه لم يذكر في الحديث شـيئًا بعد الاضطجاع، ومنهم من يرى الانتقال إلى الإيماء بالرأس، ثم الإيماء بالطرف - يعني بالعين -، ثم بإجراء القرآن على قلبه، ودليلهم قول الله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن:16].
قالوا: فإن الصلاة أفعال وأقوال، فإذا لم يستطع أداء الأفعال أتى بالأقوال، وينوي الفعل بقلبه، ويرى شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه متى عجز المريض عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيماء بطرفه[19].
(12) مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد أن المصلي يرمي ببصـره حال قيامه إلى موضع سجوده، وأما المالكية فيرون أن موضع بصـره أمامه.
قال ابن عثيمين رحمه الله: (والأمر في هذا واسع، ينظر الإِنسان إلى ما هو أخشع له؛ إلا في الجلوس، فإنه يرمي ببصـره إلى أصبعه حيث تكون الإِشارة كما وَرَدَ ذلك [20]. -قال -: واستثنى بعضُ أهلِ العِلمِ: فيما إذا كان في صلاة الخوف[21]، لقوله تعالى: ﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ [النساء:102] وبأن النبي ﷺ بعثَ عينًا يوم حُنين، فجعل رسولُ الله ﷺ ينظر إلى ناحية الشِّعْبِ وهو يُصلِّي[22]؛ لينظر إلى هذا العين، والعين هو الجاسوس، ولأن الإِنسان يحتاج إلى النظَرِ يمينًا وشمالًا في حال الخوف، والعملُ -ولو كان كثيرًا- في حال الخوف مغتفر، فكذلك عَمَلُ البصـر، وهذا الاستثناء صحيحٌ)[23] انتهى.
قلت: ويحرم النظر إلى السماء حال الصلاة، وسـيأتي.

والنية ركن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة:5]، وقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»[24].
وذهب بعض الفقهاء إلى أنها شـرط لصحة الصلاة، والفرق بين القولين أنَّ من جعلها (شـرطًا) أوجب استصحابها حتى ينتهي من الصلاة، ومن جعلها (ركنًا) أوجب الإتيان بها في أول الصلاة فقط؛ حتى لو ذهل عنها في أثناء الصلاة لا يضـره.
وقد جمع بين القولين الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال: (والمرجح أن إيجادها ذِكْرًا في أول العمل ركن، واستصحابها حُكْمًا - بمعنى: أن لا يأتي بمناف شـرعًا- شـرط)[25].
ومعنى النية: القصد والعزم، فمتى عزم وقصد الصلاة فقد تحققت النية.
والنية محلها القلب، ولا يشـرع التلفظ بها، بل التلفظ بها يُعدُّ من البدع.
(1) هل يجب في النية تعيين الصلاة التي يصليها؟
الجواب: إن كانت الصلاة نفلًا مطلقًا فيكفي أن ينوي الصلاة، وإن كانت نفلًا معينًا كسنة الظهر مثلًا فلا يشترط أن ينوي معها كونها نفلًا بل يكفي نية: سنة الظهر.
وإن كانت الصلاة فرضًا؛ فقد اختلف العلماء هل يشترط تعيـينها كالظهر مثلًا أو العصـر أو نحو ذلك؟ فمنهم من يرى أنه يجب ذلك، ومنهم من يرى أنه يكتفى بنية الصلاة، وتتعين هي إذًا بوقتها، فإن توضأ لصلاة الظهر ثم نوى الصلاة وصلى وغاب عن ذهنه أنها ظهرٌ أو عصـر أو غيرها صحت صلاته ووقعت ظهرًا؛ لأنها صلاة الوقت؛ قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (والذي يترجح عندي القول بأنه لا يشترط التعيين، وأن الوقت هو الذي يعين الصلاة)[26]. وكذلك لا يشترط تعيـين كونها فرضًا، أو أداء، أو قضاء، أو معادة.
(2) يجب أن تكون (النية جزمًا)،
فلو نوى (قطع النية) في أثناء الصلاة بطلت صلاته، وهذا مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة، ولكن (لو تردد) في قطعها؛ كأن يسمع من يناديه فيتردد في الخروج من الصلاة، فصلاته صحيحة على الراجح، ولا تبطل إلا بالعزم على قطعها.
(3) (إذا عزم على فعل مبطل للصلاة):
كأكل، أو كلام أو غير ذلك، أو عَلق خروجه من الصلاة على شـرط؛ فالصواب أن الصلاة لا تبطل بمجرد ذلك؛ لأن البطلان متعلق بفعل هذه المبطلات لا بالعزم على فعلها.
والفرق بين هذه الملاحظة والتي قبلها أن هذه متعلقة بأفعال الصلاة، بخلاف السابقة فإنها متعلقة بالنية.
وذلك بأن يغير النية من صلاة لأخرى في أثناء الصلاة؛ فهذه لها حالات:
الأولى: أن يحولها من فريضة إلى فريضة: كأن يكون نوى الظهر ثم يصـرفها إلى العصـر، ففي هذه الحالة بطلت الأولى؛ لأنه قطعها، ولم تنعقد الثانية؛ لأنه لم يأت بها في أول الصلاة.
الثانية: أن يحولها من نفل معين إلى نفل معين: كأن ينوي سنة العشاء ثم ينقلها إلى الوتر؛ ولا يصح ذلك أيضًا لما تقدم.
الثالثة: أن يحولها من فرض معين أو نفل معين إلى نفل مطلق: ورجح الشـيخ ابن عثيمين صحته؛ وعلل ذلك فقال: (لأن المعين اشتمل على ثنتين: نية مطلقة ونية معينة، فإذا أبطل المعينة بقيت المطلقة)[27]، والمقصود بقوله: (نية مطلقة): نية الصلاة، وبقوله: (نية معينة) أي: كونها (ظهرًا أو عصـرا... وترًا أو...).

تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تنعقد الصلاة إلا بها. وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء؛ لما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»[28]، وفي حديث المسـيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» متفق عليه، وعند أبي داود: «لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر»[29].
(1) يجب أن يأتي بتكبيرة الإحرام وهو قائم كامل الاعتدال؛ فعن أبي حميد رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة «اعتدل قائمًا» ورفع يديه ثم قال: «الله أكبر»[30]. قال النووي رحمه الله: (فإن أتى بحرف منها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته فرضًا بلا خلاف)[31]. ثم ذكر الخلاف في وقوعها نفلًا.
(2) يتعين لفظ «الله أكبر» ولا يجزئ غيره ولو كان في معناه مثل «الله أعظم، الله أجل»، وفي قوله: «الله الأكبر» خلاف[32]، فإن كان لا يحسن العربية أجزأه أن يأتي بالتكبير بلغته؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن:16].
(3) يتعين عليه التلفظ بالتكبير: والمقصود حركة الشفتين بالنطق بها، ولا يكفي إمرار ذلك على القلب، فإن كان منفردًا أو مأمومًا لم يلزمه الجهر بها ولا إسماع نفسه على الصحيح، بل يكفي حركة الشفتين سـرا، واختلفوا هل يسمع نفسه في السـرية أم لا؟، فذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إسماعه نفسه إماما كان أو غيره، وهذا مذهب الحنابلة والشافعية وأحد أقوال الحنفية، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجزئ أن يحرك لسانه ويخرج الحروف دون صوت.
وهذا مذهب المالكية، والحنفية في قولهم الآخر، واختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومال إليه المرداوي رحمه الله في (الإنصاف) (2/44)، ورجحه الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله حيث قال: (وقوله: «ويقول» إذا قلنا: إن القول يكون باللسان؛ فهل يُشترط إسماع نفسه لهذا القول؟ في هذا خِلافٌ بين العلماء، فمنهم مَن قال: لا بُد أن يكون له صوتٌ يُسمعَ به نفسَه. وهو المذهب، وإن لم يسمعه مَنْ بجنبه، بل لا بُد أنْ يُسمع نفسَه، فإنْ نَطَقَ بدون أن يُسمعَ نفسَه فلا عِبْرَة بهذا النُّطقِ، ولكن هذا القول ضعيف. والصحيحُ: أنه لا يُشترط أن يُسمِعَ نفسَه؛ لأن الإسماعَ أمرٌ زائدٌ على القول والنُّطقِ، وما كان زائدًا على ما جاءت به السُّنةُ فعلى المُدعي الدليلُ. وعلى هذا: فلو تأكدَ الإنسان من خروج الحروف مِن مخارجها، ولم يُسمعْ نفسَه، سواء كان ذلك لضعف سمعه، أم لأصوات حولَه، أم لغير ذلك؛ فالراجحُ أن جميعَ أقواله معتبرة، وأنه لا يُشترط أكثر مما دلت النُّصوصُ على اشتراطِه وهو القول) انتهى[33]. وإن كان إمامًا أسمع من وراءه وجوبًا، فإن كان صوته ضعيفًا استعان بمبلِّغ عنه؛ للحديث أن النبي ﷺ صلى في مرضه بالناس، وأبو بكر رضي الله عنه يسمعهم التكبير[34].
تنبيه: التبليغ خلف الإمام في التكبير والتحميد والتسليم من غير حاجة بدعة، أما إذا دعت الحاجة فيشـرع التبليغ بشـرط ألا يحصل بسببه محاذير شـرعية (فقه النوازل 2/176).
(4) ينبغي أن يأتي بالتكبير على الوجه السليم، وليحذر من المخالفات؛ كقوله: (الله وأكبر) بزيادة (واو)، أو (الله أكبار) بزيادة ألف، أو (الله أجبر) بالجيم، ويكره التمطيط بأن يمدها مدًا زائدًّا. والله أعلم.
(5) ولا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام من تكبيره. قال ابن قدامة رحمه الله: (فإن كبر قبل إمامه لم ينعقد تكبيره، وعليه استئناف التكبير بعد تكبير الإمام)[35]. ودليل ذلك قوله ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا..» الحديث[36].