4- ويرفع يديه مع التكبير:
قال ابن المنذر رحمه الله: (لا يختلف أهل العلم في أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة)[1]. وأما صفة الرفع: فذلك بأن يمد أصابعه، ولا يفرج بينها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا»[2]، وقد ورد بيان ذلك في بعض الروايات «ولم يفرج بين أصابعه ولم يضمها»[3]. ويكون رفع اليدين حذو المنكبين (وهما الكتفان)، أو حيال الأذنين، والدليل على ذلك ما يلي:
الحالة الأولى: ثابتة في حديث أبي حميد المتقدم، وكذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين»[4].
والحالة الثانية: ثابتة في حديث وائل بن حُجر المتقدم، وثبت ذلك من حديث مالك بن الحويرث: أن النبي ﷺ «كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه»، وفي رواية «فروع أذنيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع»[5]. فعلى هذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه مخير بين هذا وذاك، وجمع آخرون فقالوا: يجعل أطراف الأصابع إلى فروع أذنيه، وكفيه إلى منكبيه، والقول الأول أرجح، والله أعلم.
(1) وقت رفع اليدين: له أكثر من صفة؛ كما وردت بذلك الأحاديث كالآتي:
(أ) يجوز رفعهما مع التكبير؛ لما ثبت في رواية لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «يرفع يديه حين يكبر»[6].
(ب) ويجوز أن يرفع يديه أولًا، ثم يكبر وهما مرفوعتان قبل أن ينزلهما؛ لما ثبت في رواية عند مسلم: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم كبر»، وفي رواية لأبي داود: «ثم كبر وهما كذلك».
(جـ) ويجوز أن يكبر أولًا ثم يرفع يديه؛ لما ثبت في حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه كان إذا صلى كبر ثم رفع يديه، وقال: «إن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا»[7].
(2) إذا لم يستطع رفع اليدين إلى الموضع المستحب، أتى بما يقدر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن:16].
(3) ما تقدم من استحباب رفع اليدين يستوي فيه الإمام والمأموم والمنفرد، وسواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا، وسواء كان المصلي رجلًا أو امرأة على الأصح؛ لأنه لم يأت دليل بالتفريق.
(4) إن كانت يداه في ثوبه بسبب برد ونحوه، جاز له رفعهما بقدر ما يمكن؛ لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه قال: «رأيت النبي ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه، قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسـية»[8]، وفي رواية أن ذلك كان في برد شديد[9].
(5) لم يثبت في حديث مرفوع رفع اليدين في صلاة الجنازة والعيدين مع التكبيرات، لكن ثبت ذلك فقط من فعل عبد الله بن عمر[10]. لذا اختلف العلماء في حكم المسألة فقد ذهب الحنفية والشافعية والحتابلة إلى الرفع مع التكبيرات كلها مستدلين بأثر ابن عمر السابق، واختار هذا القول ابن عثيمين وابن باز رحمهما الله، وذهب المالكية إلى الرفع مع التكبيرة الأولى فقط، قال النووي في (المجموع) (5/ 26): وقال مالكٌ والثوريُّ وابن أبي ليلى وأبو يوسف: لا يرفع اليدين إلا في تكبيرة الإحرام. وحجتهم أنه لم يثبت في ذلك سنة.
5- ثم يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره:
وهذه الهيئة من سنن الصلاة؛ لحديث وائل بن حُجر، وفيه: «أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، ثم التحف، ثم وضع اليمنى على اليسـرى»، رواه أحمد ومسلم[11]. وفي رواية لأحمد وأبي داود: «ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسـرى والرسغ والساعد»[12].
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسـرى في الصلاة»[13]. وثبت عنه ﷺ أنه كان يقبض باليمنى على اليسـرى[14]، وتقدم في حديث وائل ابن حجر: «فأخذ شماله بيمينه».
وعلى هذا فكلا الوضعين من السنة:
الأول: (القبض)؛ وذلك أن يقبض بيمينه على شماله.
والثاني: (الوضع)؛ وذلك أن يضع يده اليمنى على كفه اليسـرى والرسغ والساعد من غير قبض، أو يضعها على ذارعه اليسـرى فقط كما في حديث سهل بن سعد المتقدم.
وأما موضع اليدين حال القيام: فالصحيح وضعهما على الصدر؛ لما ورد في صحيح ابن خزيمة من حديث وائل بن حجر: «كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسـرى، ثم يشد بهما على صدره وهو في الصلاة»[15]، وعلى هذا فما يفعله البعض من وضع يده على خاصـرته، أو على عنقه، أو يرسلهما، كل ذلك مخالف للسنة، وفي الحديث: «نهى ﷺ أن يصلى الرجل مختصـرا»[16]، وفيه نهي واضح عن الاختصار في الصلاة؛ وهو أن يضع يده على خاصـرته كما يفعله البعض.
وكذلك لا يضعها تحت السـرة لأن الأحاديث الواردة في موضع اليدين تحت السـرة ضعيفة.
والمراد بذلك: أن يدعو دعاء الاستفتاح، وهو سنة في قول أكثر أهل العلم؛ وذلك قبل القراءة، وقد ورد في ذلك روايات نذكر منها:
(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشـرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد»[17].
(2) وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول بعد تكبيرة الإحرام: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك»[18].
(3) عن أنس رضي الله عنه أن رجلًا جاء فدخل الصف وقد حفزه النفَس، فقال: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه» الحديث، وفيه: فقال رسول الله ﷺ: «لقد رأيت اثني عشـر ملكًا يبتدرونها؛ أيهم يرفعها»[19].
(4) عن عليٍّ رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر، ثم قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشـركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شـريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسـي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسَّنها إلا أنت، واصـرف عني سـيئها لا يصـرف عني سـيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشـر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك»[20].
(5) وعن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة: بأي شـيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيام الليل؟ فقالت: لقد سألتني عن شـيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا قام كبر عشـرا، وحمد الله عشـرا، وسبح الله عشـرا، وهلل عشـرا، واستغفر عشـرا، وقال: «اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني، ويتعوذ من ضـيق المقام يوم القيامة»[21].
(6) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان - أي النبي ﷺ - إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسـرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صـراط مستقيم»[22].
(7) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللهم لك الحمد؛ أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد؛ أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد؛ أنت مالك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد؛ أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسـررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله»[23]. وفي رواية لأبي داود: أن رسول الله ﷺ كان في التهجد يقوله بعدما يقول: الله أكبر.
(8) وعن حذيفة رضي الله عنه أنه رأى النبي ﷺ يصلي من الليل، فكان يقول: «الله أكبر - ثلاثًا - ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم استفتح فقرأ البقرة...»[24].
(1) قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وينبغي للإنسان أن يستفتح بهذا مرة وبهذا مرة؛ ليأتي بالسنن كلها، وليكون ذلك إحياء للسنة، ولأنه أحضـر للقلب؛ لأن الإنسان إذا التزم شـيئًا معينًا صار عادة له)[25].
(2) اختلف العلماء هل يستفتح في صلاة الجنازة؟ والأرجح أنه لا يستفتح؛ قال أبو داود رحمه الله: (سمعت أحمد يُسأل عن الرجل يستفتح على الجنازة: سبحانك؟ قال: ما سمعت)[26].
والاستعاذة سنة، وهي لأجل القراءة؛ لقول الله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [النحل:98]. والاستعاذة تكون سـرًّا، ويجوز أن يجهر بها للتعليم.
قال ابن تيمية رحمه الله: (إذا فعل ذلك أحيانًا للتعليم ونحوه، فلا بأس بذلك، كما كان عمر بن الخطاب يجهر بدعاء الاستفتاح مدة، وكما كان ابن عمر وأبو هريرة يجهران بالاستعاذة أحيانًا. وأما المداومة على الجهر بذلك فبدعة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين؛ فإنهم لم يكونوا يجهرون بذلك دائمًا، بل لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه جهر بالاستعاذة)[27].
أن يقول: «أعوذ بالله من الشـيطان الرجيم؛ من همزه ونفخه ونفثه»، أو «أعوذ بالله السميع العليم من الشـيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»[28]. عن جبير بن مطعم قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا استفتح قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشـيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»[29]. ومعنى «همزه»: الجنون، و«نفخه»: الكبر، و«نفثه»: الشعر.
يرى فريق من أهل العلم أنها تكون في الركعة الأولى فقط، أما باقي الركعات فيبدؤها بقراءة الفاتحة مباشـرة دون استعاذة؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية، افتتح القراءة ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، ولم يسكت»[30]؛ ففيه دليل على أنه لم يقرأ قبل الفاتحة لا استفتاحا ولا استعاذة؛ لقوله: «ولم يسكت»، وهذا ما رجحه ابن القيم في (زاد المعاد)، والشوكاني في (نيل الأوطار).
وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى قراءتها في كل ركعة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ ، ورجح ذلك الشـيخ الألباني، وأجاب عن الحديث السابق بأن المقصود بقوله: «ولم يسكت» السكوت الذي سأل عنه أبو هريرة رضي الله عنه راوي الحديث في دعاء الاستفتاح، وهو متعلق بالاستفتاح فقط دون الاستعاذة والبسملة.