11- ثم يكبر رافعًا يديه:
الثابت من فعله ﷺ: التكبير في كل خفض ورفع؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «رأيت النبي ﷺ يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود»[1]. إلا في الرفع من الركوع فيقول: سمع الله لمن حمده. وهذا مجمع عليه.
وحكم هذه التكبيرات: عند الجمهور الندب، وقال أحمد في رواية له وبعض أهل الظاهر: إنه يجب كله[2]، وهو الراجح[3]، وحجتهم في ذلك أنه ورد في بعض روايات المسـيء صلاته: «ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد، حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته»[4].
ومتى يبدأ التكبير؟ الراجح أنه يبدأ عند الشـروع في الركن؛ لما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع رأسه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضـيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس»[5].
فهذا الحديث دليل على أنه يبدأ التكبير عند الشـروع في الركن، ولكن هل يمده حتى ينتهي إلى آخر الركن أم لا يمده؟ الصواب الثاني؛ لحديث المسـيء صلاته المتقدم وفيه: «ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع...» إلخ.
ويسن للإمام الجهر ليسمع المأمومين، فإن لم يبلغهم صوته استحب لبعض المأمومين رفع صوته ليسمعهم؛ كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين صلى النبي ﷺ بهم في مرضه قاعدًا وأبو بكر إلى جنبه يقتدي به، والناس يقتدون بأبي بكر[6].
يسن رفع اليدين حذو المنكبين إلى فروع أذنيه على التفصـيل السابق عند تكبيرة الإحرام.
والمواضع التي ترفع فيها اليدان وردت في حديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: «كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد»[7]. وفي رواية للبخاري: «ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود»، وعند مسلم: «ولا يرفعهما بين السجدتين».
وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أنه كان يرفع يديه إذا قام من الركعتين»، ورفع ذلك إلى النبي ﷺ[8].
فهذه أربعة مواطن ثبت فيها رفع اليدين، وقد تقدمت أيضًا في حديث أبي حميد المذكور في أول هذا الباب.
وهذه المواطن على النحو الآتي:
أ- عند تكبيرة الإحرام.
ب- عند تكبيرة الركوع.
جـ- عند القيام من الركوع.
د- عند القيام بعد التشهد الأول.

الركوع ركن من أركان الصلاة:
تقدم في حديث المسـيء صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا». وهيئة الركوع الثابتة عن النبي ﷺ أن ينحني ويضع يديه على ركبتيه، ويفرج بين أصابعه كالقابض عليهما، وأن يقيم صلبه بحيث يكون مستويًا، ولا يرفع رأسه ولا يخفضه؛ وذلك لما ورد في بعض روايات المسـيء صلاته: «إذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، ثم فرج بين أصابعك، ثم امكث حتى يأخذ كل عضو مأخذه». وفي رواية لحديث أبي حميد: «ووتر يديه فتجافى عن جنبيه»[9]. قال الخطابي رحمه الله: «وتر يديه»: أي: عوجهما، وأصله من التوتير، وهو جعل الوتر على القوس.
وعند البيهقي «كان إذا ركع بسط ظهره وسواه»، وعند الطبراني وابن ماجه، «حتى لو صب عليه الماء لاستقر».
«وكان لا يُصوِّب رأسه ولا يُقنع، ولكن بين ذلك»[10]. أي: لا يخفضه، ولا يرفعه.
(1) إن لم يقدر على أدنى الركوع انحنى بقدر ما يستطيع، فإن عجز عن الانحناء أومأ بطرفه من قيام.
(2) يشترط في الركوع الهُوِيُّ له بنية الركوع؛ فلو سقط على الأرض مثلًا، أو سجد مخطئًا فتذكر، ثم قام إلى الركوع لا يجزئه، بل عليه أن يقف تمامًا ثم يركع[11].
(3) يكره التطبيق في الركوع؛ بأن يضع يديه بين فخذيه، فعن مصعب بن سعد قال: «صليت إلى جنب أبي فطبقت بين كفي، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني عن ذلك، وقال: كنا نفعل هذا فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب»[12].
(4) يحرم قراءة القرآن في الركوع؛ لما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إني نهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم»[13]. ومعنى «قمن»: أي جدير وخليق.
(5) إذا أدرك الإمامَ وهو راكع اعتد بهذه الركعة، وهو قول جمهور العلماء، والدليل على الاعتداد بهذه الركعة: حديث أبي هريرة الآتي. لكن عليه أن يكبر تكبيرة الإحرام من قيام، ثم يركع مع الإمام، وأما إن كبر للإحرام في أثناء ركوعه فإن صلاته لا تنعقد، وهذا من الأخطاء التي يقع فيها كثير من المصلين.
(6) يستحب لمن أدرك الإمام على حالةٍ متابعتُه فيها، وإن لم يعتد بالركعة؛ كمن يدرك الإمام في سجود أو قعود؛ لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شـيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة»[14]. ويلاحظ أن بعض المصلين إذا أدركوا الإمام في التشهد الأخير وقفوا ولم يدخلوا في الصلاة مع الإمام لكي يصلوا جماعة أخرى، وهذا الصنيع مخالف للحديث المذكور، فالصواب متابعة الإمام.
والاطمئنان في الركوع ركن عند جمهور أهل العلم، وخالف في ذلك الحنفية.
وأقل الطمأنينة: أن يمكث في هيئة الركوع حتى تستقر أعضاؤه.
وقد تقدم أمره ﷺ للمسـيء صلاته بالاطمئنان في الأركان، ثبت في مسند أبي يعلى وصحيح ابن خزيمة أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا لا يتم ركوعه، وينقر في سجوده وهو يصلي، فقال: «لو مات هذا على حاله هذه مات على غير ملة محمد، مثلُ الذي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده مثل الجائع الذي يأكل التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شـيئًا»[15].
وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود»[16]. قال الترمذي رحمه الله: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم؛ يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة)[17].
تنبيه: سـيأتي ذكر أذكار الركوع مع أذكار السجود في محله.