حجم الخط:

محتوى الدرس (39)

14- ثم يرفع رأسه من الركوع قائلا: سمع الله لمن حمده:

ويقول بعدما يرفع رأسه: ربنا لك الحمد، أو ربنا ولك الحمد. وصفة الاعتدال: أن يقوم حتى يعود كل عظم إلى موضعه ويستقر. وقد تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ثم يقول: «سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد»، وفي بعض الروايات: «ربنا لك الحمد»[1].

ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا فرق بين الإمام والمؤتم والمنفرد في الجمع بين التسميع والتحميد؛ لعموم قوله : «صلُّوا كما رأيتموني أصلي».

والراجح: عموم التسميع والتحميد للإمام والمنفرد، أما المؤتم فيشـرع في حقه التحميد فقط دون التسميع؛ لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»[2]. وورد في بعض الروايات: «اللهم ربنا لك الحمد» بدون الواو.

ملحوظة: الألفاظ الواردة في التحميد هي: (ربنا لك الحمد)، (ربنا ولك الحمد)، (اللهم ربنا لك الحمد)، (اللهم ربنا ولك الحمد).

الأذكار الواردة في الاعتدال:

(1) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شـيءٍ بعدُ، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ»[3]. ومعنى «ذا الجد»: صاحب السلطان والغنى.

(2) وثبت هذا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه: «اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شـيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبدُ، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ»[4].

(3) وعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: كنا نصلي يومًا وراء رسول الله ، فلما رفع رسول الله رأسه من الركعة وقال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصـرف رسول الله قال: «مَنِ المتكلم آنفًا؟» قال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولًا»[5].

(4) وثبت عنه من حديث حذيفة رضي الله عنه أنه كان يقول: «لربي الحمد لربي الحمد يكررها حتى كان قيامه نحوًا من ركوعه»[6].

ملاحظات:

(1) الاعتدال الواجب: أن يعود بعد الركوع إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع سواء كان قائمًا أو قاعدًا.

(2) لو رفع رأسه ثم سجد وشك هل تم اعتداله أم لا؟ لزمه أن يعود إلى الاعتدال ثم يسجد؛ لأن الأصل عدم الاعتدال.

(3) يجب أن لا يقصد برفعه من الركوع شـيئًا غير الاعتدال، فلو رأى في ركوعه شـيئًا فرفع فزعًا منه لم يعتد به، ووجب عليه أن يرجع للركوع ثم يرفع.

(4) لو أتى بالركوع الواجب فعرضت له علة منعته من القيام، سقط عنه الاعتدال لتعذره، وينويه بقلبه.

(5) إذا نسـي التسبيح في الركوع لا يرجع إليه؛ لأنه سقط برفعه.

قال ابن قدامة رحمه الله: (فإن فعله - أي: إن عاد للركوع - عمدًا بطلت صلاته... وإن فعله جاهلًا أو ناسـيا لم تبطل).

15- الطمأنينة في الاعتدال:

ففي الحديث: «لا ينظر الله عز وجل إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعها وسجودها»[7]. وفي حديث المسـيء صلاته: «وإذا رفعت فأقم صلبك، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها». قال الشوكاني رحمه الله: (والأحاديث المذكورة في الباب تدل على وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع)[8].

محل اليدين في هذا الركن:

لم يثبت بذلك سنة صـريحة، ولو كان لوضع اليدين هيئة خاصة لنقل إلينا في الأحاديث، ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله: (هو مخير بين إرسالهما وبين وضع اليمنى على اليسـرى)، فالأمر في ذلك واسع، والله أعلم.

والراجح من ذلك ما ذكره الشـيخ ابن باز رحمه الله من أن الوضع يكون على الصدر كحاله قبل الركوع؛ وذلك لعموم الأحاديث بأن وضع اليد يكون على الصدر في القيام، ولم يفرق بين القيام قبل الركوع وبعده، وكذلك قوله للمسـيء صلاته: «حتى يعود كل عظم إلى موضعه»، ومعلوم أن عظم اليدين كان على الصدر قبل الركوع، ومما يستدل به أيضًا أنه «نهى عن السدل في الصلاة»[9] وإن كان بعضهم فسـره بسدل الثوب، إلا أنه يقال: النهي عام يشمل سدل الثوب، وسدل الأعضاء وهما اليدان.

16- ثم يكبر ويهوي إلى السجود ويسجد:

(أ) التكبير: تقدم الكلام عليه، والصحيح أنه يكبر ثم يهوي للسجود؛ لحديث المسـيء صلاته «ثم يكبر ثم يسجد...».

(ب) وأما رفع اليدين: فقد أشار الشـيخ الألباني إلى أنه ثابت أحيانًا في هذا الركن، وكان يفعله عشـرة من أصحاب النبي ، والظاهر أن هذا لم يكن مشهورًا مثل الرفع في المواضع السابقة، بل كان يفعل ذلك أحيانًا.

(جـ) طريقة الهوي للسجود: الراجح أن يضع يديه قبل ركبتيه؛ لما في الحديث: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه»[10]. وهذا الحديث ضعفه جمع من المنقدمين، لكن يؤيد هذا الحكم الحديث الآتي: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كان النبي يفعل ذلك[11].

(د) حكم السجود والطمأنينة فيه: هو ركن من أركان الصلاة. ودليله ما تقدم من حديث المسـيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا».

والسجود يكون على سبعة أعظُم؛ فعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: «إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه»[12].

فهذا الحديث دليل على وجوب السجود على هذه الأعضاء، لكن وقع الخلاف في السجود على الجبهة والأنف؛ هل يجب عليهما كليهما، أم يكفي السجود على أحدهما؟ والراجح أنه لا يجزئه حتى يسجد عليهما؛ قال الألباني رحمه الله: (وهذا هو الحق؛ لقوله : «لا صلاة لمن لا يمس أنفه الأرض ما يمس الجبين»[13]، وهو حديث صحيح على شـرط البخاري كما قال الحاكم والذهبي)[14].

وهيئة السجود: أن يمكِّن هذه الأعضاء، ويضم أصابع يديه، ويوجههما إلى القبلة، ويجعل كفيه على الأرض حذو منكبيه، ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ويرفع يديه عن الأرض (أي لا يفترشهما) ويباعدهما عن جنبيه؛ فعن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه من ورائه»[15].

وفي حديث أبي حميد: «أن النبي ﷺ سجد واستقبل بأصابع رجليه القبلة»[16].

وفي بعض الروايات: «كان يعتمد على كفيه، ويضم أصابعهما، يوجهها قبل القبلة».

وفي حديث وائل: «إن النبي ﷺ كان إذا ركع فرج أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه»[17].

وفي رواية عند الطحاوي وابن خزيمة: «ويرص عقبيه» أي يضمهما[18].

وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال: «اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب»[19].

ملاحظات:

(1) إذا أخل في السجود بعضو من هذه الأعضاء لم تصح صلاته، وإن عجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء سجد على بقيتها وصلاته صحيحة.

(2) لا يجب مباشـرة المصلي بشـيء من هذه الأعضاء الأرضَ، فإذا سجد على كور العمامة أو كمه أو ذيله فالصلاة صحيحه على الراجح، وهذا مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة وأحمد، واشترط الشافعي أن يضع الجبهة على الأرض بأن يحسـر العمامة عن جبهته.

وهذا الخلاف من حيث الوجوب، لذا قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: (والمستحب مباشـرة المصلي بالجبهة واليدين؛ ليخرج من الخلاف، ويأخذ بالعزيمة)[20].

(3) الأصح أن هُوِيه للسجود يكون بوضع اليدين ثم الركبتين ثم الوجه؛ وقد تقدم حكم المسألة ودليلها.

(4) التنكس في السجود شـرط صحته، ومعناه: أن تكون أسافله أرفع من أعاليه، فإذا كان العكس لم يصح، وذلك بأن يسجد على مكان مرتفع عن الأرض، وإن استويا ففيه خلاف، والأرجح أنها لا تصح، فإن كان به عذر لا يستطيع السجود إلا كذلك فالأصح أنه يصلي بالخفض أي: بالانحناء، وكذا لا يصح سجود المنبطح على الأرض، ولو كانت هذه الأعضاء عليها. [بتصـرف واختصار من المجموع للنووي (3/435)].

(5) يحرم قراءة القرآن حال السجود كما تقدم في الركوع.

(6) ما يفعله بعض الأئمة؛ من أنه يمكن جبهته للسجود أولًا ثم يكبر، وحجتهم في ذلك: حتى لا يسبقه المأموم؛ تصـرف خطأ من هؤلاء الأئمة ومخالف للسنة، والصحيح أنه يكبر حين يسجد كما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه[21]، وعليه أن يعلم الناس السنة، ومع ذلك فالصلاة صحيحة، لكنه خالف السنة.

أذكار الركوع والسجود:

(1) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله كان يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوح قُدُّوس ربُّ الملائكة والروح»[22]. معنى «سبوح» الذي ينزه عن كل سوء، و«قدوس»: الطاهر، وقيل: المبارك.

(2) وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»؛ يتأول القرآن[23].

(3) عن حذيفة رضي الله عنه «أنه صلى مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم»، وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى»، وما مر بآية رحمة إلا وقف عندها فسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها فتعوذ»[24]. وفي بعض الروايات زيادة أنه يقول ذلك -أي التسبيح- «ثلاثًا»[25].

(4) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: «إنه لم يبق من مبشـرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وإني نهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فقَمِنٌ أن يستجاب لكم»[26]. ومعنى «قمن»: حريُّ أو جدير.

(5) وعن علي رضي الله عنه أن النبي كان إذا ركع قال: «اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي وبصـري ومخِّي وعظمي وعصبي، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين»، وكان يقول إذا سجد: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه فصوره فأحسن صوره، فشق سمعه وبصـره فتبارك الله أحسن الخالقين»[27].

(6) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي كان يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله؛ دِقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسـره»[28]. ومعنى «دقه»: دقيقه؛ والمراد به صغيره، و«جله»: الجل: الجليل العظيم.

وغير ذلك من الأذكار المذكورة في تصانيفها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة