صلاة الجماعة
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بصلاة الجماعة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجل في جماعة تُضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشـرين ضعفًا؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه؛ تقول: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة»[1]. وفي رواية: «ما لم يحدث فيه، ما لم يؤذ فيه».
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «من سـره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادَى بهن؛ فإن الله تعالى شـرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سـيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يقام في الصف»[2]. ومعنى «يهادى»: يمسكه رجلان من جانبيه يعتمد عليهما.
وعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم مشـى إلى صلاة مكتوبة، فصلاها مع الإمام، غفر له ذنبه»[3].
وقد وردت أحاديث في فضيلة الجماعة لصلاة الصبح والعشاء خاصة:
فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله»[4]. وفي رواية أبي داود: «ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام الليل».
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بشـر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»[5].
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشـيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصـيةَ»[6]. ومعنى «القاصـية»: المنفردة.
(أ) كلما كثر الجمع كان ذلك أزكى وأطيب:
فعن قباث بن أشـيم الليثي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى»[7]، ومعنى «تترى»: متتابعةوالمقصود واحدا تلو الآخر،يعني: فرادى.
* أن الأفضل اجتماع المصلين في مسجد يكثر فيه الجمع، وأن هذا أولى من التفرق في مساجد كثيرة، يجتمع في كل منها العدد القليل.
وقال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (الأفضل أن تصلي فيما حولك من المساجد؛ لأن هذا سبب لعمارته، إلا أن يمتاز أحد المساجد بخاصـية فيه فيقدم؛ كما لو كنت في المدينة أو كنت في مكة؛ فإن الأفضل أن تصلي في المسجد الحرام في مكة، والمسجد النبوي في المدينة)[8]. وقال: (فالحاصل أن الأفضل أن تصلي في مسجد الحي الذي أنت فيه سواء كان أكثر جماعة أو أقل..)[9]. يعني عن مسجد آخر بعيدًا عن حيك.
* إذا كان إمام المسجد الأبعد أحسن قراءة، أو أخشع؛ فإنه يجوز له أن ينتقل إليه، بل هذا هو الأفضل؛ لأن مراعاة الفضل المتعلق بالعبادة أولى من مراعاة الفضل المتعلق بمكانها[10].
إذا كان في صحراء فإنه يؤذن ويقيم ويصلي، وقد ورد الترغيب في ذلك وبيان ثوابه:
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الصلاة في جماعة تعدل خمسًا وعشـرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسـين صلاة»[11].
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «يعجب ربك من راعي غنم، في رأس شَظِية، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا؛ يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة»[12]. و«الشظية»، القطعة مرتفعة من الجبل ولم تنفصل عنه.
وعن سلمان الفارسـي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان الرجل بأرض قِـيٍّ فحانت الصلاة، فليتوضأ، فإن لم يجد ماء فليتيمم، فإن أقام صلى معه ملكاه، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه»[13]. ومعنى «أرض قي»: هي الأرض القفر؛ أي: الصحراء.
(جـ) المقصود بالجماعة التي يحصل لها الثواب:
الجماعة التي تُصلى في المسجد؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (أصل المشـروعية إنما كان في جماعة المساجد، وهو وصف معتبر لا ينبغي إلغاؤه، فيختص به المسجد، ويلحق به ما في معناه مما يحصل به إظهار الشعار)[14]. والظاهر من قوله: (ما في معناه): جماعة ليس لديهم مسجد، أو معذورون شـرعًا عن الذهاب إلى المسجد. وكالصلاة في الخلاء ومصلى العيد؛ لأن هذا هو ما تظهر به الشعائر والله أعلم.
(د) من آداب الذهاب إلى المسجد ما يلي:
* يستحب أن يأتي الصلاة ماشـيا غير ساع ولا مهرول، عليه السكينة، حتى لو سمع إقامة الصلاة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»[15]. وعلى هذا فما يفعله كثير من الناس من الإسـراع والجري والهرولة لإدراك الإمام مخالف لهذا الحديث، وهو من الأخطاء الشائعة.
* ومن الآداب استحضار النية: إذا خرج من بيته ينوي الجماعة، فإنه إن استحضـر النية ولم يكن منه تهاون في تأخيره، ثم ذهب إلى المسجد فوجدهم قد أتموا الصلاة، كُتب له أجر الجماعة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلَّاها وحضـرها لا ينقص ذلك من أجرهم شـيئًا»[16].
* ومن الآداب: أن لا يشبك بين أصابعه حتى يرجع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم ﷺ: «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا»، وشبك بين أصابعه[17].
* ومن الآداب: الجلوس بعد الصلاة، لحديث أبي هريرة المتقدم[18].
(هـ) يجتمع لمن حضـر الجماعة فضائل يعظم بها الثواب:
لخصها الحافظ ابن حجر[19] وهي:
(1) إجابة المؤذن بنية الصلاة في جماعة.
(2) التبكير إليها في أول وقتها.
(3) المشـي إلى المسجد بالسكينة، فيرفع له درجة.
(4) دخول المسجد داعيًا.
(5) صلاة التحية عند دخوله المسجد.
(6) انتظار الجماعة.
(7) صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.
(8) شهادتهم له.
(9) إجابة الإقامة.
(10) السلامة من الشـيطان حين يفر عند الإقامة.
(11) الوقوف منتظرًا إحرام الإمام، أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها.
(12) إدراك تكبيرة الإحرام.
(13) تسوية الصفوف وسد الفرج.
(14) جواب الإمام عند قوله: «سمع الله لمن حمده».
(15) الأمن من السهو غالبًا، وتنبيهه إذا سها بالتسبيح والفتح عليه.
(16) حصول الخشوع والسلام عما يلهي غالبًا.
(17) تحسـين الهيئة غالبًا.
(18) احتفاف الملائكة به.
(19) التدرب على تجويد القرآن وتعلم الأركان.
(20) إظهار شعائر الإسلام.
(21) إرغام الشـيطان بالاجتماع على العبادة، والتعاون على الطاعة، ونشاط المتكاسل.
(22) السلامة من صفة النفاق، ومن إساءة غيره الظن به بأنه ترك الصلاة رأسًا.
(23) رد السلام على الإمام.
(24) الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر، وعود بركة الكامل على الناقص.
(25) قيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات.
(26) الإنصات عند قراءة الإمام.
(27) التأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة.
اختلف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة على أربعة أقوال: فمنهم من يرى أنها سنة مؤكدة، وهو مذهب المالكية والحنفية، ومنهم من يرى أنها فرض كفاية وهو مذهب الشافعية، ومنهم من يرى أنها فرض عين وهو مذهب الحنابلة، ومنهم من يرى أنها شـرط لصحة الصلاة، وهو مذهب الظاهرية.
والراجح من ذلك كله القول الثالث بأن صلاة الجماعة فرض عين لمن سمع النداء ولم يمنعه من حضورها مانع شـرعي، على ما يأتي تفصـيله إن شاء الله تعالى.
والأدلة على وجوبها كثيرة نذكر منها:
(أ) ما ثبت في (الصحيحين) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم»[20]. ومعلوم أن النبي ﷺ لا يهم بهذه العقوبة إلا لأمر واجب، وأما كونه لم يفعل، فلأن فيها أصحاب الأعذار الذين لا يستحقون هذه العقوبة، والله أعلم.
(ب) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه، فقال: «هل تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «فأجب»[21].
(جـ) أن الله تعالى فرض صلاة الجماعة في حالة الحرب، ولو كانت سنة ما أوجبها، ولو كانت فرض كفاية ما أوجبها على الطائفة الثانية.
الحكم السابق خاص بالرجال دون النساء، فلا يلزمهن الحضور للمسجد على سبيل (الوجوب)، ولكن (يجوز) لهن الحضور وشهود الجماعة بشـرط أن يتجنبن التبرج والتطيب؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله، وليخرجن تَفِلات»[22]. و «التفَل»: سوء الرائحة، يقال: امرأة تفلة: إذا لم تَتطيَّب.
(1) لا يجوز للرجال أن يمنعوا النساء من شهود الجماعة إذا خرجن مراعيات للآداب الشـرعية؛ سواء كانت المرأة شابة أو عجوزًا. قال النووي رحمه الله في شـرح مسلم: (... لا تمنع المسجد، لكن بشـروط ذكرها العلماء مأخوذة عن الأحاديث، وهي أن لا تكون متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال...)[23].
ورجح الشـيخ ابن عثيمين أنه يحرم على الولي أن يمنع المرأة إذا أرادت الذهاب إلى المسجد لتصلي مع المسلمين[24].
ولكن يجوز بل يجب على الولي إذا خرجت المرأة متطيبة أن يمنعها من الخروج.
(2) ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأفضل للنساء الصلاة في بيوتهن؛ لما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن»[25]. والحديث أصله في الصحيحين دون قوله: «وبيوتهن خير لهن» وضعف هذه الزيادة بعض أهل العلم، لكن يشهد لها حديث أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي»[26] قَالَ: فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصـى شـيءٍ مِنْ بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتْ الله عز وجل.
(3) هذا الحكم -وهو جواز حضورهن المساجد- عام؛ حتى في صلاة الصبح والعشاء، فقد كان النساء يشهدن صلاة الصبح مع رسول الله ﷺ ثم ينصـرفن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد من الغلس[27]. و«الغلس»: بقايا الظلام.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما امرأة أصابت بَخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة»[28].
(4) إذا علمت أن صلاة المرأة في بيتها أفضل، فهل المستحب أن تصليها جماعة؟ أي: مع نسوة معها.
الجواب: نعم يستحب ذلك؛ وذلك لعموم الحديث: «تَفضُل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشـرين درجة». ولما ثبت أن عائشة رضي الله عنها أمت النساء وقامت وسطهن في صلاة مكتوبة، وكذلك ثبت عن أم سلمة رضي الله عنها[29]. قال ابن حزم رحمه الله: (وقال الأوزاعي، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحـاق بن راهويه، وأبو ثور: يستحب للمرأة أن تؤم النســاء وتقوم وسطهن)[30]. وذهب ابن القيم كذلك إلى استحباب صلاتهن في جماعة[31].
(5) إذا أمت المرأة النساء وقفت وسطهن، وذلك لما تقدم من فعل عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وليس هناك مخالف لهن.
(6) هل تجهر المرأة إذا أمت؟ ثبت أن عائشة رضي الله عنها «أمت نساء في الفريضة في المغرب، وقامت وسطهن، وجهرت بالقراءة»[32]. ففيه جواز الجهر بالقراءة، لكن قيد ذلك ابن قدامة رحمه الله بما إذا لم يكن ثَم رجال أجانب؛ فقال: (وتجهر في صلاة الجهر، وإن كان ثَم رجال لا تجهر إلا أن يكونوا من محارمها فلا بأس)[33].
(7) ثبت في الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «خير صفوف الرجال أولها، وشـرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشـرها أولها»[34]. قال النووي: (يستحب الصف الأول، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه إلى آخرها، وهذا الحكم مستمر في صفوف الرجال بكل حال، وكذا في صفوف النساء المنفردات بجماعتهن عن جماعة الرجال، أما إذا صلت النساء مع الرجال جماعة واحدة، وليس بينهما حائل، فأفضل صفوف النساء آخرها)[35].
قلت: والعلة في ذلك أن يكُن أبعد عن رؤية الرجال ومخالطتهم وسماع كلامهم[36].
موقف الإمام وترتيب صفوف المأمومين:
أقل الجماعة اثنان؛ لما تقدم في الحديث: «إذا حضـرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما»[37]. وعلى هذا فيكون ترتيب الصفوف على النحو الآتي:
(أ) إذا كان المأموم رجلًا أو صبيًّا فإنه يقف عن يمين الإمام بجانبه تمامًا فلا يتقدم عنه ولا يتأخر؛ قال الإمام البخاري رحمه الله: باب: يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين، ثــم أورد فيه حديث ابن عباس وصلاته خلف النبي ﷺ في بيت خالته ميمونة[38]، وفي بعض ألفاظه أن ابن عباس قال: «فقمت إلى جنبه». قال الحافظ رحمه الله: (وظاهره المساواة)[39].
وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شقه الأيمن، قلت: أيحاذي به حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم، قلت: أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم[40].
وفي الموطأ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة، فوجدته يسبح (يعني: يصلي)، فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه[41].
وعلى هذا فمن الأخطاء الشائعة أن يقف المأموم خلف الإمام قليلًا بأن يجعل أصابع قدمه عند مؤخرة قدم الإمام، وقد يبتعد عنه قليلًا، والصواب ما تقدم من محاذاته سواء بسواء، بأن تكون قدمه بقدمه صفًّا واحدًا.
(ب) فإن كانوا ثلاثة فأكثر تقدم الإمام وصَف المأمومان أو المأمومون خلفه؛ فعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: «صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ، وأمي أم سليم خلفنا»[42].
ومما يؤكد ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: «قام رسول الله ﷺ ليصلي، فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني، حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه»[43].
ويجوز أن يقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره إذا كانا اثنين فقط؛ لما ثبت عن ابن مسعود أنه وقف بين علقمة والأسود وصلى بهما، وقال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل»[44]. ورواه مسلم ولفظه: قال يعني علقمة أو الأسود وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله وهذا مذهب ابن مسعود وصاحبيه.
ويرى بعض أهل العلم أن ذلك منسوخ، ويرى آخرون أن ذلك إذا كانت الصلاة فرضًا، والحالة الأولى في حالة النفل، والراجح جواز الأمرين جميعًا، وإن كانت الأولى أعني وقوفهم خلف الصف هي الأفضل. وقد حكى النووي (5/16) أن استقر الإجماع على ذلك.
(1) إذا أمت المرأةُ المرأةَ وقفت بجانبها، فإن كنَّ نسوة وقفت وسطهن كما تقدم.
(2) إذا كان مع الرجلين امرأة، وقف الرجل بحذاء الإمام ووقفت المرأة خلفهما، فإن كان معه مأمومان وقفا خلفه ووقفت المرأة خلفهما؛ لحديث أنس السابق.
فإن كان مع الإمام امرأة فقط صلت خلفه، وفي هذه الصورة يكره أن يؤم الرجل المرأة الأجنبية بمفردها حتى لا تكون خلوة إلا أن تكون من محارمه. وهذه الكراهة كراهة تحريم كما نص على ذلك الإمام النووي[45].
(3) إذا وقف المأموم عن يسار الإمام أداره الإمام من خلفه حتى يوقفه عن يمينه؛ كما فعل النبي ﷺ بابن عباس، وبجابر رضي الله عنهم.
(4) إن وقف المأموم عن يمين الإمام، ثم جاء آخر فوقف عن يساره، أخرهما الإمام إلى ورائه؛ لما تقدم في حديث جابر. قال ابن قدامة رحمه الله: (ولا يتقدم الإمام إلا أن يكون وراءه ضـيق، وإن تقدم جاز)[46].
(5) إذا صلى المأموم عن يسار الإمام ولم يُدِرْه الإمام عن يمينه، فهل صلاة المأموم صحيحة أو باطلة؟
مذهب الحنابلة بطلان صلاته، إلا إذا كان عن يمين الإمام رجلٌ آخر؛ لحديث ابن مسعود المتقدم[47].
ومذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة ورواية عن أحمد: أن صلاته صحيحة على كل حال إلا أنه خالف السنة، وهذا هو الراجح؛ لأنه لم ينص دليل صـريح ببطلان الصلاة.
(6) إذا كبر اثنان خلف الإمام، ثم خرج أحدهما لعذر، تقدم الثاني حتى يقف بحذاء الإمام عن يمينه.
(7) علمنا أن السنة أن المرأة تقف خلف الرجال، وكذلك صفوف النساء خلف صفوف الرجال. فما الحكم لو خالفت؟ يعني لو صلت بحذائهم أو أمامهم؟
قال ابن حجر رحمه الله: (فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعن الحنفية: تفسد صلاة الرجل دون المرأة)[48].
والصحيح من ذلك قول الجمهور؛ قال النووي رحمه الله: (وعمدتنا أن الأصل أن الصلاة صحيحة حتى يرد دليل صحيح شـرعي في البطلان، وليس لهم ذلك...)[49].
قلت: ولا يخفي أنها تكون آثمة لو تعمدت ذلك.