موضع الإمام والمأموم:
أولًا: إذا كان الإمام والمأموم في المسجد:
صح اقتداء المأموم به؛ سواء رأى الإمام، أو رأى من وراءه، أو لم يرهم، ولو كانت بينهم مسافات، بشـرط سماع التكبيرات من الإمام أو ممن يبلغ عنه[1]، ويشترط كذلك أن لا يكون منفردًا، والأولى أن يَصِل الصفوف؛ لما تقدم من الأحاديث.
فأما إذا كان المأموم خارج المسجد: فيشترط مع الشـرط السابق اتصال الصفوف، وذلك بقربهم من المسجد، حتى لو كان ذلك في الطرقات، والأزقة، والأسواق المحيطة بالمسجد.
قال ابن تيمية: (ولا يُصَف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد، ومن فعل ذلك استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطيه، ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة، فإن هذا لا حرمة له)[2].
وعلى هذا الشـرط فلا تصح الصلاة بصلاة المذياع والتلفاز؛ لعدم اتصال الصفوف. وكذلك لا تصح الصلاة في البيوت المجاورة للمسجد ولو كانوا يرون الإمام ويسمعون صوته؛ لعدم تحقق شـرط اتصال الصفوف[3]. وأما إذا اتصلت الصفوف إليهم جاز.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشـى الناس فيه، لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء)[4].
قلت: هذا محمول على عدم الضـرورة، وأما عند الضـرورة فيجوز؛ كما يجوز التقدم على الإمام للضـرورة.
ثانيًا: إذا كان الإمام أعلى من المأموم أو العكس:
فهذا له حالات:
(1) أن يكون الإمام بمفرده في مكان مرتفع: فهذا لا يجوز، إلا أن يكون لقصد التعليم؛ لما ثبت أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مددتني[5].
و«الدكان»: هو المكان المرتفع. و مثله الآن: «دكة».
وإنما يجوز ذلك للتعليم؛ لما ثبت في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه -يعني المنبر- فكبَّر وكبَّر الناس وراءه، ثم ركع وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: «أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي»[6].
(2) أن يكون مع الإمام مِن المأمومين مَنْ في مستواه، ويوجد بعضهم أعلى منه كأن يكونوا في طوابق أخرى؛ فلا يكره. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وقيد بعض العلماء هذه المسألة بما إذا كان الإمام غير منفرد بمكانه، فإن كان معه أحد فإنه لا يكره... لأن الإمام لم ينفرد بمكان، وهذا لا شك أنه قول وجيه)[7].
(3) إذا كان الإمام في مكان أسفل من المأمومين فلا كراهة في ذلك إذ لم يأت نص يمنع من ذلك.
قلت: وبناءً على ما تقدم فتصح الصلاة في المساجد ذوات الطوابق المتعددة إذا كان الإمام في أحد هذه الطوابق ويقتدي به من معه في هذا الطابق، والأفضل أن يكون هو في الطابق الأسفل. ويشترط في الطوابق الأخرى ألَّا يصفوا فيها إلا حيث امتلأ المسجد بالذين يصفون خلف الإمام.
ومن الأخطاء الشائعة في بعض المعاهد التي في المساجد: منع الطلاب من حضور الجماعة في المسجد، وبعضهم يصلي في مكانه (المعهد) بتكبيرات الإمام، وبعضهم يقيمون جماعة أخرى في مكانهم، والصحيح الذي ينبغي: اجتماعهم في المسجد وإدراك الجماعة فيه.
ثالثًا: إذا كان بين الإمام والمأموم حائل:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان لنا حصـيرة نبسطها بالنهار، ونحتجر بها بالليل، فصلى فيها رسول الله ﷺ ذات ليلة فسمع المسلمون قراءته، فصلوا بصلاته...» الحديث[8].
والحديث دليل على أن الحائل غير مانع من صحة الصلاة. قال أحمد، في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة: (أرجو أن لا يكون به بأس)[9].
قلت: وشـرطه أن يعلم بانتقالات الإمام؛ سواء كان ذلك عن طريق مكبِّرات الصوت، أو بتبليغ من خلف الإمام، ولكن إذا انقطع ذلك عنهم بأن ينقطع التيار الكهربائي مثلًا، ولم يمكن أحدًا تبليغُهم، فإنه يجوز في هذه الحالة أن ينوي المأموم المفارقة ويتم صلاته لنفسه.
