حجم الخط:

محتوى الدرس (52)

صـلاة التطـوع

أولا: فضيلة صلاة التطوع:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا جل وعز لملائكته - وهو أعلم-: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شـيئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك»[1].

وعن ربيعة بن كعب بن مالك الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله ، فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: «سل» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك؟» قال: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود»[2].

والأحاديث في فضـيلة التطوع كثيرة، وسـيرد منها جملة خلال الأبواب الآتية.

ثانيًا: استحباب كثرة التنفل وطول القيام:

عن معدان قال: لقيت ثوبان رضي الله عنه فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال: بأحب الأعمال إلى الله؟ فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله فقال: «عليك بكثرة السجود؛ فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة»[3]. وعن جابر رضي الله عنه أن النبي قال: «أفضل الصلاة طول القنوت»[4]. والمعنى: طول القيام.

وقد اختلف العلماء: هل السجود أفضل أو القيام؟ على أقوال عدة، أرجحها: أن أفضلها طول القيام، كما في حديث جابر بن عبد الله المتقدم. وقال إسحاق: (أما في النهار فكثرة الركوع والسجود، وأما بالليل فطول القيام)[5]. والله أعلم.

تنبيهات:

(1) قال العراقي رحمه الله: (الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تشـرع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإمام في الفرائض والنوافل فهو مأمور بالتخفيف المشـروع، إلا إذا علم من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يحدث ما يقتضـي التخفيف؛ من بكاء صبي ونحوه، فلا بأس بالتطويل)[6].

(2) يشـرع جهاد النفس في العبادة؛ من الصلاة وغيرها، ما لم يؤد ذلك إلى الملال؛ فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: إن كان رسول الله ليقوم ويصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»[7].

ثالثًا: إخفاء التطوع وجعله في البيت:

يستحب صلاة التطوع في البيوت، وذلك أفضل من صلاتها في المساجد، وقد ثبت في ذلك أحاديث:

منها: حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي قال: «أفضل صلاة المرء في بيته، إلا الصلاة المكتوبة»[8].

ومنها: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «إذا قضـى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصـيبًا من صلاته؛ فإن الله عز وجل جاعل في بيته من صلاته خيرًا»[9].

ومنها: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال النبي قال: «صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا»[10].

ويتبين من هذه الأحاديث استحباب أداء التطوع في البيوت، وذلك أفضل من صلاتها في المسجد.

تنبيهات:

(1) هذه الفضـيلة لصلاة التطوع في البيوت عامة لجميع المساجد، حتى لو كان أحد المساجد الفاضلة؛ كالمسجد الحرام، ومسجد النبي ، والمسجد الأقصـى؛ وذلك لما ثبت في رواية زيد بن ثابت عند أبي داود بلفظ: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة»[11].

(2) يستثنى من الأحاديث السابقة بعض النوافل؛ ففعلها في غير البيوت أفضل: وهي ما تشـرع فيها الجماعة؛ كصلاة التراويح في رمضان[12]، أو يكون لها تعلق بالمسجد: كتحية المسجد، وركعتي الطواف.

(3) قوله: «إلا المكتوبة»؛ قال العراقي رحمه الله: هو في حق الرجال دون النساء، فصلاتهن في البيوت أفضل، وإن أذن لهن في حضور بعض الجماعات، وقد قال في الحديث الصحيح: «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن»[13]. زاد في رواية خارج الصحيحين: «وبيوتهن خير لهن»[14].

(4) الحكمة من جعل النافلة في البيت:

قال النووي رحمه الله: (لكونه أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من محبطات الأعمال، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة، ويفر منه الشـيطان. كما جاء في الحديث)[15].

رابعًا: صلاة النافلة جماعة:

عن عتبان بن مالك رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، إنى قد أنكرت بصـري، وأنا أصلي لقومي، وإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي، فأتخذه مصلى، قال: فقال رسول الله : «سأفعل إن شاء الله»، قال عتبان: فغدا رسول الله وأبو بكر الصديق حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟»، فأشـرت إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى ركعتين، ثم سلم[16].

وصح في الحديث صلاة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما خلف النبي من الليل[17]، وعن أنس رضي الله عنه قال: «صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ، وأمي أم سليم خلفنا»[18].

ففي هذه الأحاديث دليل على جواز صلاة النوافل جماعة، لكن هذا لم يكن في السنن الراتبة التابعة للفرائض، وكذلك لا تتخذ عادة تشبه بها الفريضة؛ إذ لم يكن هذا من عادته ، ولا من عادة أصحابه رضي الله عنهم.

خامسًا: جواز صلاة التطوع جالسًا:

عن عمران بن حصـين رضي الله عنه أنه سأل النبي عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: «إن صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد»[19].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما بدن رسول الله ﷺ وثقل كان أكثر صلاته جالسًا»[20]. في هذا الحديث دليل على جواز صلاة التنفل من قعود، بل ومن اضطجاع للقادر على القيام، لكن يكتب له نصف الأجر إن صلى قاعدًا، ونصف أجر القاعد إن صلى مضطجعًا، وفي المسألة خلاف بالنسبة للمضطجع، والراجح جوازه.

ويجوز كذلك أن يصلي الصلاة فيقرأ قاعدًا، فإذا أراد أن يركع قام فأتم قراءته ثم ركع، فعن عائشة رضي الله عنها أنها لم تر النبي يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسن، وكان يقرأ قاعدًا، حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع[21].

[22]قال الشوكاني رحمه الله: (والحديث يدل على أنه يجوز فعل بعض الصلاة من قعود وبعضها من قيام، وبعض الركعة من قعود وبعضها من قيام، قال العراقي: (وهو كذلك؛ سواء قام ثم قعد، أو قعد ثم قام، وهو قول جمهور العلماء؛ كأبي حنيفة ومالك والشافعى وأحمد)[23].

وأما صفة القعود: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا»[24].

وقد تقدم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قوله: «سنة الصلاة: أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني رجلك اليسـرى»[25]. وعلى هذا فيجوز في حق المصلى قاعدًا أن يجلس مفترشًا أو متربعًا، وقد وقع خلاف بين العلماء في الأفضل بالنسبة لهيئة الجلوس، هذا من حديث الأفضلية، مع اتفاقهم على جواز القعود على أي صفة شاء. ويجوز أن يصلي النافلة على الراحلة؛ يومئ إيماء حيثما توجهت به الركاب[26].

سادسًا: النهي عن التطوع عند إقامة الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»[27] رواه الجماعة إلا البخاري، وفي رواية لأحمد: «إلا التي أقيمت»[28].

يدل هذا الحديث على أنه لا يجوز لأحد أن يشـرع في صلاة النافلة إذا أقيمت الصلاة، وهذا هو الراجح من أقوال العلماء، ولكن هل تصح صلاته أم لا؟ الظاهر من الحديث أنه لا تنعقد صلاته ولا تصح؛ لأن قوله: «لا صلاة» نفي لذات الصلاة.

بقي أن يقال: إذا كان يصلي النافلة، ثم أقيمت الصلاة، فهل يتمها أو يقطعها؟ أوسط الأقوال في ذلك: خروجه من النافلة إذا أداه إتمامها إلى فوات تكبيرة الإحرام، وأما إذا تيقن إدراك تكبيرة الإحرام فإنه يتم صلاته، ثم أدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة