سنن الصلاة
أولا: سنن الصلاة التابعة للفرائض:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «حفظت عن رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الغداة»[1]. وثبت نحوه عن عائشة رضي الله عنها، إلا أنها ذكرت قبل الظهر أربعًا[2].
وعن أم حبيبة عن النبي ﷺ قال: «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشـرة سجدة سوى المكتوبة، بني له بيت في الجنة»، وزاد في رواية الترمذي: «أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر»[3].
قال الشوكاني رحمه الله: (وأحاديث الباب تدل على تأكيد صلاة هذه الاثنتي عشـرة ركعة، وهي من السنن التابعة للفرائض)[4].
وفيما يلى السنن التابعة لكل فريضة من الصلوات الراتبة:
دلت الأحاديث السابقة على أن سنة الظهر القبلية أربع ركعات؛ بدليل حديث حفصة، وعائشة رضي الله عنهما، ولا ينافي ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه جعلها ركعتين، لاحتمال أنه لم يطلع على الركعتين الأخريين. وأما السنة البعدية للظهر: فقد دلت الأحاديث على أنهما ركعتان، وثبت أيضًا فضـيلة الأربع بعد الظهر؛ فعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «من صلى أربع ركعات قبل الظهر، وأربعًا بعدها، حرمه الله على النار»[5].
وعلى هذا، فالذي اختاره العلماء في سنة الظهر ما يلي:
أ- السنن المؤكدة: أربع قبل الظهر وركعتان بعده.
ب- السنن غير المؤكدة: ركعتان - أي أخريان - بعد الظهر.
والراجح أن السنن تصلى مثنى مثنى، بما في ذلك سنة الظهر، وأما حديث أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: «أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء»[6] فإنه حديث ضعيف، قال النووي: (متفق على ضعفه)[7].
ثبت قول النبي ﷺ قال: «بين كل أذانين صلاة»[8]. والمقصود بالأذانين: الأذان والإقامة. وعلى هذا فتشـرع الصلاة قبل العصـر، وقد ورد في الحديث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصـر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم»[9].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «رحم الله امرأً صلى قبل العصـر أربعًا»[10].
وهذا يدل على أنه يستحب صلاة أربع ركعات قبل العصـر؛ لكن أهل العلم لم يجعلوا ذلك من السنن المؤكدة، بل من السنن المستحبة غير المؤكدة.
سئل الإمام أحمد عن الركعتين بعد العصـر، فقال: (لا أصليهما، ولا أنكر على من صلاهما). وذهب ابن حزم إلى أنهما سنة، وأورد لذلك أحاديث؛ منها قول عائشة: «ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصـر عندي قط»[11]. وأورد ذلك عن أكثر من عشـرين صحابيًّا[12]. وذهب جمهور العلماء إلى عدم مشـروعية السنة بعد العصـر.
أما قبل المغرب فيستحب صلاة ركعتين غير مؤكدتين؛ لعموم قوله ﷺ: «بين كل أذانين صلاة»، ولقولة ﷺ: «صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء»[13]. وأما بعد المغرب: فقد تقدم في حديث ابن عمر، وعائشة، وأم حبيبة رضي الله عنهم صلاة ركعتين بعد المغرب، وهما مؤكدتان، ويستحب فيهما قراءة سورة الكافرون في الركعة الأولى، وسورة الإخلاص في الركعة الثانية[14].
ركعتان قبل العشاء غير مؤكدتين، وركعتان بعدها مؤكدتان؛ كما تقدم في الأحاديث السابقة.
ركعتان قبل الفجر مؤكدتان، ويتعلق بسنة الفجر أمور:
(أ) يسن تخفيفها؛ لكن بشـرط أن لا يخل بواجباتها؛ فعن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟»[15].
(ب) تأكيد المحافظة عليهما سفرًا وحضـرا: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لم يكن النبي ﷺ على شـيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر»[16].
(ج) القراءة فيها: يسن قراءة سورة الكافرون في الركعة الأولى، وسورة الإخلاص في الركعة الثانية[17]. أو يقرأ في الركعة الأولى: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ﴾ [البقرة: 136]، وفي الركعة الثانية: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ عز وجل تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ ﴾ [آل عمران:52][18].
(د) الاضطجاع بعدهما؛ لما ثبت في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن». وفي رواية: «كان إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع»[19].
وقد اختلف أهل العلم في حكم هذا الاضطجاع على أقوال عدة، أصحها ما ذهب إليه شـيخ الإسلام ابن تيمية أنه سنة لمن يقوم الليل؛ لأنه يحتاج إلى راحة حتى ينشط لصلاة الفجر، وهذا اختيار ابن العربي المالكي، وصحَّحه ابن عثيمين[20].
يأتي الكلام عليهما في موضعه.
والجدول الآتي يبين ملخصًا لما سبق من السنن التابعة للفرائض
| الفريضة | السنة القبلية | السنة البعدية | ||
| مؤكدة | غير مؤكدة | مؤكدة | غير مؤكدة | |
| الظهر العصر المغرب العشاء الفجر | 4
2 |
4 2 2 | 2 فيــه خــــــ 2 2 | 2 ـــــلاف |
يجوز قضاء السنن إذا انشغل عنها المصلي بنوم أو نسـيان؛ لعموم قوله ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسـيها فليصلها إذا ذكرها»[21]، ولما ثبت أن النبي ﷺ صلى الركعتين اللتين بعد الظهر، وقد شغل عنهما، فصلاهما بعد العصـر، وقد تقدمت هذه الأحاديث[22].
(1) يجوز قضاء السنن لمن نام عنها أو نسـيها، حتى ولو في أوقات الكراهة؛ لأن النبي ﷺ صلى الركعتين بعد العصـر.
(2) من ترك السنن متعمدًا فلا يجوز له قضاؤها، بخلاف من شغل عنها بنوم أو نسـيان.
(3) يجوز قضاء سنة الفجر -إذا لم يدركها قبل الصلاة- بعد الصلاة، ويجوز أن يصليها بعدما تطلع الشمس، وهو الأفضل؛ لما ثبت عن قيس بن عمرو رضي الله عنه قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله ﷺ: «صلاة الصبح ركعتان»، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ﷺ[23]. والمقصود من قوله ﷺ: «صلاة الصبح ركعتان» إنكاره على الرجل؛ لأنه قام يصلي ركعتين بعد الصلاة، فكأنه صلى أربع ركعات، لذا ورد في بعض رواياته قال ﷺ: «آلصبح أربعًا؟».
وأما الدليل على صلاتها بعد طلوع الشمس؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس»[24]، والمقصود بـ «ركعتي الفجر»: سنة الفجر.
وإنما قلت قضاؤهما بعد طلوع الشمس هو الأفضل؛ لأنه حديث: (قولي)، والذي قبله (إقرار) فقط، ولا شك أن القول مقدم، وهو أقوى، ولأن في ذلك باعثًا للمحافظة على أدائهما في وقتهما، فإننا نرى إهمال الكثير عن صلاة سنة الفجر في وقتها، فإذا ما انتهت الفريضة قام أكثر الناس في المسجد يصلون السنة، وكأن السنة بعده لا قبله، فينبغي التحذير من التكاسل عن أدائها في وقتها قبل الصلاة، ولا يكون فواتها إلا للعذر الشديد مع عدم التغافل والتكاسل.
(4) قضاء الوتر وقيام الليل: سـيأتي في أبوابه إن شاء الله تعالى.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة بعد صلاة العصـر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس»[25].
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضـيف للغروب حتى تغرب»[26].
وعلى هذا فالأوقات المنهي عن الصلاة فيها يمكن أن نقسمها إلى خمسة أوقات، ثلاثة منها ينهى عن الدفن فيها أيضًا، وهي على النحو الآتي:
(1) بعد الفجر حتى تطلع الشمس: نهي عن الصلاة.
(2) وقت طلوع الشمس حتى ترتفع: نهي عن الصلاة وعن الدفن أيضًا.
(3) حين يقوم قائم الظهيرة (قبل الظهر بقليل): نهي عن الصلاة وعن الدفن.
(4) بعد العصـر (على خلاف سنذكره) حتى الغروب: نهي عن الصلاة.
(5) وقت الغروب حتى تغيب الشمس: نهي عن الصلاة وعن الدفن.
(1) الحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات ما ورد في حديث عمرو بن عَبَسة رضي الله عنه قال: قلت: يا نبي الله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: «صل صلاة الصبح، ثم أقصـر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شـيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصـر عن الصلاة؛ فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصـر، ثم أقصـر عن الصلاة حتى تغرب؛ فإنها تغرب بين قرني شـيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار»[27]. ومعنى: «حتى يستقل الظل بالرمح»: أي: يقوم مقابله في جهة الشمال؛ ليس مائلا إلى المغرب ولا إلى المشـرق، وهذا وقت الاستواء، وهو قبل الظهر بقليل. والمقصود بارتفاع الشمس: أي: قدر رمح؛ كما ورد في بعض الروايات، ويقدره البعض بنحو ربع أو ثلث ساعة. ومعنى: «مشهودة محضورة»: أي: تشهدها الملائكة وتحضـرها.
(2) المقصود بالنهي: أي عن التطوع المطلق، أما الصلاة ذات السبب؛ كتحية المسجد وسنة الوضوء ونحو ذلك، ففيه خلاف بين أهل العلم: هل تصلى في أوقات النهي أو لا؟ والراجح: جواز الصلاة ذات السبب في أي وقت، وهو مذهب الشافعية.
وقد حقق ابن تيمية هذه المسألة، ورجح الجواز[28]، وملخص ما قاله: أن هذه الصلوات في أوقات الكراهة تعارض فيها عمومان؛ عموم النهي، وعموم الإباحة؛ فيقدم أقوى العمومين على الآخر، ثم ساق الأدلة على أن عموم النهي مخصص بجواز فعل الصلوات فيها أحيانًا، كصلاة سنة الصبح بعد الصبح لمن لم يدركها قبل الصلاة، وصلاة الطواف في أي ساعة من ليل أو نهار[29]، وكذلك أمره لمن صلى ثم دخل المسجد فوجد الجماعة أن يصلي معهم فإنها نافلة، وقد يكون ذلك في صلاة الصبح أو العصـر؛ فدل ذلك على أن الصلاة ذات السبب تصلى في أي وقت، والله أعلم.
(3) النهي عن الصلاة يكون بعد أدائه الصلاة المفروضة، فلو قدر أنه لم يصلِّ صلاة الصبح مثلًا في أول وقتها، ثم أراد أن يصليها، فإنه يصلي السنة ثم الفريضة، ولا يقال: إنه في وقت النهي، بل وقت النهي في حقه بعد أدائه الفريضة.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: «بعد صلاة العصـر، وبعد صلاة الفجر» هذا تصـريح بأن الكراهة متعلقة بفعل الصلاة، لا بدخول وقت الفجر والعصـر)[30]. وقال أيضًا: (وإنما يكره لكل إنسان بعد صلاته نفسه، حتى لو أخرها عن أول الوقت لم يكره له التنفل قبلها)[31].
(4) إذا أُذِّن للفجر فإنه لا يتنفل إلا ركعتي الفجر فقط، وهذا مذهب الحنابلة؛ ودليله حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ: «ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين»، وفي رواية: «بعد طلوع الفجر»[32]. قال الترمذي: (وهو ما اجتمع عليه أهل العلم؛ كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر).
قلت: الصحيح أن يقال: ان هذا قول الجمهور ولا يقال إجماعًا؛ قال ابن حجر في (التلخيص): (دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة عجيب، فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر وغيره، وقال الحسن البصـري لا بأس به، وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة الليل وقد أطنب في ذلك محمد بن نصـر في قيام الليل).
(5) تعارضت الأحاديث في الصلاة بعد العصـر؛ فقد تقدمت أحاديث تنهى عن الصلاة بعد العصـر، ومن هذا الباب أيضًا ما ثبت من حديث علي رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي على إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين، إلا الفجر والعصـر»[33].
وقد عارض ذلك ما ثبت عن عليٍّ رضي الله عنه أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصـر إلا والشمس مرتفعة[34]، وما ثبت عن عائشة، وأم سلمة رضي الله عنهما أن النبي ﷺ صلى ركعتي الظهر بعد العصـر ثم أثبتهما، وفي رواية عائشة: ثم داوم عليهما.
والجمع بين هذه الأحاديث أن يقال بجواز صلاة التطوع بعد العصـر والشمس مرتفعة حية، وأن النهي يختص بما عند ميل الشمس للغروب، يعني بدءًا من وقت الاصفرار، وتكون أحاديث النهي المطلقة مقيدة بالأحاديث الأخرى، وهذا ما رجَّحه شـيخنا الألباني في السلسلة الصحيحة[35].
(6) يختص يوم الجمعة بجواز صلاة التطوع وقت الظهيرة؛ للأحاديث الواردة في استحباب الصلاة حتى يصعد الخطيب المنبر[36]. وليست هذه الصلاة سنة الجمعة كما يتوهم البعض، فليس للجمعة سنة قبلية، وإنما هذا من باب التطوع المطلق.