حجم الخط:

محتوى الدرس (54)

ثانيًا: سنن أخرى غير تابعة للصلوات الراتبة:

أ- تحية المسجد:

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»[1]، وفي رواية: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس».

فهذه الأحاديث وغيرها تدل على مشـروعية صلاة ركعتين لمن دخل المسجد وأراد الجلوس فيه، وتسمى عند الفقهاء (تحية المسجد)، وإن كان لم يصـرح بهذا الاسم في الحديث.

واختلف العلماء في حكمها؛ فالجمهور على أنها سنة، وذهب بعض أهل العلم منهم داود الظاهري، وأصحابه، والشوكاني إلى وجوبها.

من أحكام تحية المسجد:

(1) تحية المسجد تصلى في أي وقت، حتى في أوقات النهي، ووقت الخطبة، أو إلقاء درس علم؛ وذلك لعموم الأحاديث، ولأمره لمن دخل الجمعة وهو يخطب أن يصلي ركعتين[2].

(2) قال الشوكاني رحمه الله: (وظاهر الحديث أن التحية مشـروعة وإن تكرر الدخول إلى المسجد)، وقوَّى هذا الرأيَ النوويُّ في المجموع[3].

(3) تحية المسجد الحرام: الطواف، والمقصود أن ذلك للقادم لأداء الحج والعمرة عند طواف القدوم، وأما التحية فيه بعد ذلك كلما دخل المسجد، فهي صلاة ركعتين كغيره من المساجد، وكذلك لو قدم وأراد الجلوس قبل الطواف فإنه يصلي ركعتين.

(4) لا تجزئ تحية المسجد بأقل من ركعتين، فلو صلى على جنازة، أو سجد للتلاوة، أو سجد سجدة شكر، أو صلى الوتر ركعة واحدة، فإن هذا كله لا يجزئ؛ وذلك لصـريح الحديث: «حتى يصلي ركعتين».

(5) قال النووي رحمه الله: (قال أصحابنا: ولا يشترط أن ينوي بالركعتين التحية، بل إذا صلى ركعتين بنية الصلاة مطلقًا، أو نوى ركعتين نافلة راتبة، أو غير راتبة، أو صلاة فريضة مؤداة أو قضاء أو منذورة؛ أجزأ ذلك وحصل له ما نوى، وحصلت تحية المسجد ضمنًا)[4].

(6) إذا جلس في المسجد قبل التحية، فإنه إن فعل ذلك جهلًا أو سهوًا، يشـرع له فعلها ما لم يطل الفصل[5].

ب- سنة الوضوء:

وقد تقدم ذلك في باب الوضوء.

جـ- سنة الطواف:

وسـيأتي ذلك - إن شاء الله - في أبواب الحج.

د- صلاة الاستخارة:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن؛ يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشـي وعاقبة أمرى - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويسـره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شـر لي في ديني ومعاشـي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاصـرفه عني، واصـرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته»[6]. وفي رواية: «ثم رَضِّني به».

مسائل في صلاة الاستخارة:

(1) الاستخارة تكون في الأمور الاختيارية للعبد، أعني: المباحة، وأما الأمور الواجبة والمستحبة فليس فيها استخارة؛ لأنها كلها خير، وعليه أن يأتي بها وجوبًا أو استحبابًا، وكذلك لا استخارة في الأمور المحرمة والمكروهة؛ لأنها كلها شـر، وعليه الانصـراف عنها؛ لأن التلبس بها محرمٌ أو مكروهٌ.

(2) أما الأمور الأخرى المباحة، فعلى العبد أن يأتي بالاستخارة، ولا يحتقر أمرًا فيترك الاستخارة، فرب أمر يستخف به يكون في الإقدام عليه ضـرر عظيم؛ فتأمل قوله: «يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن»، مما يدل على تأكيد الاهتمام بها.

(3) تكون الاستخارة بعد صلاة ركعتين من غير الفريضة كما هو ثابت في الحديث.

وعليه فلا يقع دعاء الاستخارة بعد الفريضة موقعه، ولا يكون أتى بالاستخارة المشـروعة، وعليه أن يتأدب بآداب الدعاء، فهذا أحرى لقبوله[7].

(4) الظاهر من قوله: «ثم ليقل» أن دعاء الاستخارة يكون بعد أداء الركعتين كاملتين. أي: بعد السلام.

(5) قال النووي رحمه الله: (ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشـرح له)[8]. وقال الشوكاني: (فلا ينبغي أن يعتمد على انشـراح كان له فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسًا، وإلا فلا يكون مستخيرًا لله، بل يكون مستخيرًا لهواه، وقد يكون غير صادق في طلب الخيرة، وفي التبرؤ من العلم والقدرة، وإثباتهما لله تعالى، فإن صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة، ومن اختياره لنفسه)[9].

(6) ما يعتقده كثير من الناس من أنه لا بد أن يرى رؤيا يتبين من خلالها اختيار العمل أو الانصـراف عنه؛ فهذا باطل، بل المشـروع أن يستخير، وأن يمضـي لحاجته، آخذًا بالأسباب، متوكلًا على الله، وليحرص على ما ينفعه، فإذا قضـي الأمر فذاك، وإن صـرف عنه فلا يجزع؛ بل عليه أن يرضـى ويسلم، وعلى هذا فالاستخارة أولها توكل وآخرها استسلام ورضا.

(7) اعلم أن الاستخارة يقوم بها العبد لنفسه متوكلًا على الله؛ لقوله : «إذا هم أحدكم بالأمر...»، وأما ما يفعله البعض بطلبهم من الغير أن يستخير له؛ فهو مما لا يعلم له دليل، بل هو مخالف للحديث السابق، وأيضًا فإن الاستخارة توكل على الله، ولا يتصور هذا لغير المستخير.

هـ- صلاة التسابيح:

اختلف العلماء في صلاة التسابيح، وذلك تبعًا لاختلافهم في تصحيح الحديث وتحسـينه وتضعيفه. وقد ذكر ابن حجر، في كتابه (مجالس أمالي الأذكار)، جماعةً ممن صحَّحوه، وتعقب من أنكره، وحكم هو بتحسـينه لرواية ابن عباس رضي الله عنهما.

ولفظ الحديث كما ورد في سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال للعباس بن عبد المطلب: «يا عباس، يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشـر خصال، إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، وقديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سـره وعلانيته. عشـر خصال: أن تصلى أربع ركعات؛ تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمس عشـرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشـرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشـرا، ثم تهوي ساجدًا فتقولها وأنت ساجد عشـرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشـرا، ثم تسجد فتقولها عشـرا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشـرا، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة»[10].

ثالثًا: صلوات أخرى مستحبة:

هناك بعض الصلوات قد هجرها الناس، أفردها بالذكر للتنبيه عليها:

منها: صلاة القادم من السفر:

يسن صلاة ركعتين في المسجد لمن قدم من سفر؛ لحديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول اللهﷺ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين»[11].

ومنها: صلاة ركعتين عند القتل:

قال النووي رحمه الله: (ويستحب لمن أريد قتله بقصاص، أو في حد، أو غيرهما؛ أن يصلي قبله إن أمكنه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن خبيب بن عدي الصحــابي رضي الله عنه حين أخرجه الكفار ليقتلوه في زمن النبي قال: دعوني أصلي ركعتين، فكان أول من صلى ركعتين عند القتل)[12].

ومنها: الصلاة إذا حزبه أمر:

لما ثبت في الحديث: «أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة»[13]. واعلم أن هذه الصلاة ليست هي الصلاة التي يطلق عليها صلاة الحاجة، والراجح أن حديث صلاة الحاجة ضعيف، فعلى العبد أن يلجأ إلى الله بالصلاة والدعاء والابتهال عمومًا، دون تقييد ذلك بهيئة أو كيفية معينة.

ومنها: الصلاة عند التوبة:

عن أبي بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: «ما من رجل يذنب ذنبًا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله؛ إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ إلى آخر الآية [آل عمران:135]»[14].

ومنها: الصلاة إذا خرج من بيته وإذا دخل:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مخرج السوء، وإذا دخلت منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مدخل السوء»[15].

ومنها: الصلاة بين العشاءين:

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] قال: «كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون»[16].

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: أتيت النبي فصليت معه المغرب، فصلى إلى العشاء، وفي رواية عند أحمد: فلم يزل يصلي حتى صلى العشاء ثم خرج[17].

واعلم أنه ليس لهذه الصلاة بين العشاءين عدد معين، والأحاديث الواردة في تحديد عددها بأنها «ست»: ضعيفة، وكذلك لا يصح تسميتها صلاة الأوابين، والصحيح أن صلاة الأوابين هي صلاة الضحى.

أحكام النوافل:

(1) ينبغي للعبد أن يحافظ على النوافل وأن يكثر منها، وقد تقدم ذلك.

(2) تصلى نوافل الليل والنهار مثنى مثنى؛ لما ثبت في الحديث: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»[18]. وهو الثابت من صلاته .

اختلف العلماء في نافلة النهار كيف تصلى: على مذهبين:

المذهب الأول: وهو أن تصلى مثنى مثنى، وهو ما ذهب إليه مالك والشافعي، وهو ما فضّله أحمد، وداود[19].

المذهب الثاني: أنها تصلى أربعًا وهو ما ذهب إليه ابن عمر وذهب أبو حنيفة إلى أنه يصلى في نفل النهار أربعًا بتسليمة، أو اثنتين، والأفضل أربع، وهو مذهب الأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد[20]، واستدلوا بحديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي أنه قال: «أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء»[21]، وأجاز ذلك أحمد[22] لكنه فضل الصلاة مثنى، وأما الحديث الذي استدلوا به فقد قال ابن قدامة في (المغني): (وحديث أبي أيوب يرويه عبيد الله ابن معتب وهو ضعيف)[23].

(3) حكم تارك السنن: قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومن داوم على ترك السنن الراتبة لم يمكن من حكم، ولا شهادة، ولا فتيا، مع إصـراره على ذلك، فكيف بمن داوم على ترك الجماعة التي هي أعظم شعائر الإسلام)[24].

نوافل مبتدعة:

(1) قال ابن تيمية رحمه الله: (فأما إنشاء صلاة بعدد مُقدَّر وقراءة مُقدَّرة في وقت معين تصلى جماعة راتبة كهذه الصلوات المسئول عنها؛ كصلاة الرغائب في أول جمعة من رجب، والألفية في أول رجب ونصف شعبان، وليلة سبع وعشـرين من شهر رجب، وأمثال ذلك، فهذا غير مشـروع باتفاق أئمة المسلمين؛ كما نص على ذلك العلماء المعتبرون، ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع)[25].

(2) قال النووى رحمه الله: (الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي ثنتى عشـرة ركعة، تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحان)[26].

(3) اعلم أن الأحاديث الواردة في إحياء ليلتي العيد، وكذلك صلاة حفظ القرآن؛ أحاديث موضوعة، وكذلك الأحاديث الواردة في صلاة الأسبوع لا يصح منها شـيء.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة