صـلاة قيـام الليـل

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشـيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضـرب على كل عقدة، عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشـيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان»[1]، و«قافية الرأس»: مؤخره.
وعن عمرو بن عَبَسة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن»[2].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ذُكِر عند النبي ﷺ رجل فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة، فقال: «بال الشـيطان في أذنه»[3]. وحمله بعض أهل العلم على نومه عن الفريضة؛ يعني صلاة «الصبح».
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عجب ربنا من رجلين؛ رجل ثار عن وطائه ولحافه، من بين أهله وحبه إلى صلاته، فيقول الله عز وجل: أيا ملائكتي انظروا إلى عبدي؛ ثار عن فراشه ووطائه، من بين حيه وأهله إلى صلاته، رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي...» الحديث[4].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من قام بعشـر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين»[5].
وعن أنس رضي الله عنه كان إذا دعا لأخيه يقول: «جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل ويصومون النهار، ليسوا بأثمة ولا فجار»[6].
قيام الليل سنة مؤكدة؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشـيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان»[7].
واختلف السلف والخلف هل كان فرضًا على النبي ﷺ أو لا؟ وكلا الفريقين احتج بقولـــه تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ ﴾ [الإسـراء:79]. فالفريق الأول قال: هذا صـريح في عدم الوجوب؛ لقوله: ﴿ نَافِلَةً ﴾ ، وأما الآخرون فقالوا: أمره بالتهجد، ولم يجئ ما ينسخه، وفسـروا قوله: ﴿ نَافِلَةً ﴾ بمعنى الزيادة، وليس المقصود النافلة التي هي عكس الفرض، ومطلق الزيادة لا يدل على التطوع؛ فإن قيام الليل في حق غيره مكفر للسـيئات، وفي حقه زيادة في الدرجات.
صلاة التهجد أفضل الصلوات بعد المكتوبة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل»[8].
ثالثًا: بعض الآداب والأحكام المتعلقة به:
* ينبغي أن ينوي عند نومه قيام الليل نية جازمة؛ ليحوز الفضل والثواب الثابت في الحديث الآتي: عن أبي الدرداء رضي الله عنه: «من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل، فغلبته عينه حتى يصبح، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه»[9].
* ويستحب له المداومة على قيام الليل، وليعود نفسه على قدر يمكنه الدوام عليه مدة حياته، ولا ينقص منه إلا لضـرورة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا»[10]. وعنها رضي الله عنها: سئل النبي ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: «أدومه وإن قل»[11].
* ويكره له ترك قيام الليل: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل نام حتى أصبح قال: «ذاك رجل بال الشـيطان في أذنيه»، أو قال: «في أذنه»[12].
* كما يكره ترك ما اعتاده من قيام الليل: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل»[13].
* ويسن لمن استيقظ من الليل أن يمسح النوم عن وجهه: وأن يتسوك؛ لحديث حذيفة: «كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك»[14].
* وأن ينظر إلى السماء ويقرأ الآيات التي في آخر آل عمران: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ إلى آخر السورة؛ لما ثبت من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «بت عند ميمونة - وهي خالته - فاضطجعتُ في عرض وسادة، واضطجع رسول الله وأهله في طولها، فنام حتى انتصف الليل، أو قريبًا منه، فاستيقظ يمسح النوم عن وجهه -وفي رواية: قعد ونظر إلى السماء- ثم قرأ عشـر آيات من آل عمران -وفي رواية: قرأ العشـر الآيات الخواتم من سورة آل عمران- ثم قام رسول الله ﷺ إلى شن معلقة فتوضأ فأحسن الوضوء - ثم قام يصلي، فصنعت مثله، فقمت إلى جنبه، فوضع يده اليمنى على رأسـي، وأخذ بأذني يفتلها، ثم صلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن، فقام فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح»[15]. وللحديث هذا ألفاظ كثيرة، تجدها في مواضعها في الصحيحين.
* كما يستحب له إذا تعار من الليل أن يدعو بالدعاء الآتي: عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فأتيته بوضوئه وحاجته، وكان يقوم من الليل يقول: «سبحان ربي وبحمده، سبحان ربي وبحمده» الهوي، ثم يقول: «سبحان رب العالمين، سبحان رب العالمين» الهوي[16]. ومعنى «الهوي»: الحين الطويل من الوقت، أي: أنه أخذ يسبح وقتًا طويلًا.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من تعار من الليل فقال: لا إلــه إلا الله وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شـيء قدير، الحمد لله وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي -أو دعا- استجيب له، فإن توضأ، قبلت صلاته»[17].
قال ابن بطال رحمه الله: (وعد الله، على لسان نبيه، أن من استيقظ من نومه، لهجًا لسانه بتوحيد ربه والإذعان له بالملك والاعتراف بنعمه؛ يحمده عليها، وينزهه عما لا يليق به بتسبيحه والخضوع له؛ بالتكبير، والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه؛ أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، ويخلص نيته لربه) اهـ[18]. وكذلك يستحب ذكر الله بالأذكار الواردة عند الانتباه من النوم.
* ويستحب للرجل إذا استيقظ لصلاة الليل أن يوقظ لها امرأته، ويستحب للمرأة إذا استيقظت أن توقظ لها زوجها. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء»[19].
وعن أبي سعيد، وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا، أو صلى، ركعتين جميعًا، كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات»[20].
* وإذا نعس في صلاته فليتركها، وليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم في صلاته، فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه»[21].
وعن أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: «ما هذا؟» قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: «حلوه؛ ليُصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد»[22].
* ويستحب الاستغفار بعد قيام الليل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران:17].
قال الحسن البصـري رحمه الله مدوا صلاتهم إلى الليل، ثم جلسوا يستغفرون الله.
تجوز صلاة قيام الليل في أي جزء من أجزاء الليل إلى الفجر، سواء صلى من أول الليل أو وسطه أو آخره، فقد ثبت في وصف قيامه ﷺ أنه صلاها في كل هذه الأوقات.
عن أنس رضي الله عنه قال: «ما كنا نشاء أن نراه من الليل مصليًا إلا رأيناه، وما كنا نشاء أن نراه نائمًا إلا رأيناه، وكان يصوم من الشهر حتى نقول: لا يفطر منه شـيئًا، ويفطر حتى نقول: لا يصوم منه شـيئًا»[23].
قال الحافظ رحمه الله: لم يكن لتهجده ﷺ وقت معين، بل بحسب ما يتيسـر له القيام.
لكن الأفضل أن يقوم في جوف الليل، وفي الثلث الأخير منه:
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أحب الصـيام إلى الله صـيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا»[24].
وعن عائشة رضي الله عنها، وقد سئلت كيف صلاة النبي ﷺ بالليل؟ قالت: «كان ينام أوله، ويقوم آخره، فيصلى، ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذن المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ وخرج»[25].
وفي الحديث: «إن الله ينزل في ثلث الليل الأخير إلى سماء الدنيا، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»[26].
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشـرة ركعة؛ يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا»[27]، وفي بعض الروايات: «ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ الرجل خمسـين آية قبل أن يرفع رأسه»[28].
وعلى هذا فالصحيح أن صلاة الليل الثابتة من فعله ﷺ لا تزيد عن هذا الحد، ولكنه ورد في بعض الأحاديث أنه كان يصلي بالليل ثلاث عشـرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين[29]، وثبت صلاة الثلاث عشـرة في حديث ابن عباس أيضًا، وقد تقدم قريبًا[30]. وفي حديث زيد بن خالد الجهني[31].
قال الحافظ رحمه الله: (فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء لكونه كان يصليها في بيته، أو ما كان يفتتح به صلاة الليل، فقد ثبت عند مسلم... أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين، وهذا أرجح في نظري؛ لأن رواية أبي سلمة التي دلت على الحصـر في إحدى عشـرة جاء في صفتها عند المصنف وغيره: يصلي أربعًا ثم أربعًا، ثم ثلاثًا، فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين، وتعرضت لهما في رواية الزهري، والزيادة من الحافظ مقبولة)[32].
وقال القرطبي رحمه الله: (أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم، حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب... والصواب أن كل شـيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز)[33].
فهذه هي السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ، وعُلم من ذلك أن السنة أن يبدأ بركعتين خفيفتين[34] ثم يطيل بقية الركعات، ومجموع الركعات إحدى عشـرة، أو ثلاث عشـرة، وكذلك الرواية الصحيحة الثابتة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في اجتماعهم لصلاة التراويح أنهم صلوها إحدى عشـرة ركعة، وأما ما روي عنه أنه صلاها عشـرين فهى رواية شاذة، وقد حقق ذلك شـيخنا الألباني في رسالته (صلاة التراويح)، وأجاب عن شبهات المخالفين[35].
يجوز لمن فاتته صلاة الليل أن يقضـيها بالنهار شفعًا؛ فعن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ كان إذا فاتته الصلاة من الليل، من وجع أو غيره، صلى من النهار اثنتي عشـرة ركعة»[36].
وعن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من نام عن حزبه أو عن شـيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل»[37].
(1) الجهر والإسـرار بالقراءة جائزان في صلاة الليل، والمستحب التوسط في القراءة بينهما؛ فقد ثبت في الحديث أنه ﷺ ربما جهر بصلاته، وربما خافت بها[38].
(2) يجوز له أن يطيل الصلاة، وأن يخففها، والأولى إطالتها اقتداء بالنبي ﷺ.
(3) المستحب أن تُصلى صلاة قيام الليل في رمضان جماعة في المسجد؛ لما ثبت في الحديث عن النعمان بن بشـير رضي الله عنه قال: «قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشـرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشـرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشـرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، قال: وكنا ندعو السحور الفلاح»[39].
وقد ثبت نحو هذا من حديث أنس، وعائشة، وحذيفة؛ رضي الله عنهم.
وبين ﷺ فضل صلاتهم مع الإمام فقال: «من قام مع الإمام حتى ينصـرف كتب له قيام ليلة»[40].
ولذلك قال الإمام أحمد: (يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه. وسئل: يؤخر القيام -يعني التراويح- إلى آخر الليل؟ قال: لا؛ سنة المسلمين أحب إلي).
(4) وأما في غير رمضان فلم يثبت دليل على الاجتماع لها، لكن إن توافق الحال فصلوا جماعة دون ترتيب معين أو تحديد لوقت فجائز؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما وصلاته خلف النبي ﷺ في بيت ميمونة، وقد تقدم[41].
(5) ليس في القراءة لصلاة الليل شـيء مسنون، بل المستحب إطالة القراءة من غير تحديد لقدر معين، فعن السائب بن يزيد قال: «أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشـرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصـي من طول القيام، وما كنا ننصـرف إلا في بزوغ الفجر»[42].
(6) لا يشترط في صلاة الليل ترتيب القراءة حسب أيام الشهر، كما يفعل كثير من الأئمة من المواظبة على قراءة كل يوم جزء، فيختم بختام الشهر.
ولكني لا أقول ببدعيته؛ لثبوت نحوه عن بعض السلف؛ ففي المغني: (قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - فقلت: أختم القرآن؛ أجعله في الوتر أو في التراويح؟ قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين، قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع، وادع بنا ونحن في الصلاة، وأطل القيام لله، قلت: بم أدعو؟ قال: بما شئت)[43].
(7) من البدع المنكرة: قراءة الأذكار أو السور القصـيرة بين ركعات التراويح، يعدون بها عدد الركعات، وكذلك قولهم: الصلاة يرحمكم الله، أو صلاة التراويح أثابكم الله، أو نحو هذا.
(8) من الأمور المنكرة: التكلف بالسجع في دعاء القنوت، فهذا من الاعتداء فيه، وهو مخالف للسنة.
(9) اعلم أن من رأى صلاة الليل عشـرين متأولًا في ذلك، فلا يحكم عليه بالتضليل ولا الابتداع، بل الصحيح متابعة الإمام حتى لو زاد على الإحدى عشـرة؛ لعموم الحديث السابق: «من قام مع الإمام حتى ينصـرف كتب له قيام ليلة»[44]
ولما ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره أنهم صلوا خلف عثمان بن عفان عندما أتم الصلاة في منى، مع إنكارهم عليه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الخلاف شـر»، وقد تقدم أن رواية صلاة العشـرين يرى بعضهم ثبوتها، فالأمر في ذلك واسع والله أعلم.
(10) يشـرع للنساء حضور التراويح، بل يجوز أن يجعل لهن إمام خاص بهن، وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الرجال أبي بن كعب، وعلى النساء سليمان بن أبي حثمة. وكذلك فعل علي بن أبي طالب، وهذه كلها أسانيد صحيحة.
(11) ما تقدم من قيام الليل، يطلق عليه في رمضان (التراويح)، فليس هناك في رمضان صلاتان إحداهما يطلق عليها قيام الليل والأخرى التراويح كما يظن بعض العامة.
وكذلك إذا صليت قيام الليل في آخر الليل تسمى هذه الصلاة: (التهجد)، وقيل: إن صليت بعد نوم تسمى (التهجد)، فهذا كله في المسميات، وهي صلاة واحدة يعمها: (صلاة الليل)، فليس هناك صلاة أخرى تسمى التهجد، بل هي صلاة الليل لكنها في آخره، أو بعد النوم يطلق عليها التهجد.
(12) إذا أراد العبد أن يتنفل بعدما أدى صلاة الليل إحدى عشـرة ركعة، أو ثلاث عشـرة ركعة، فهل يجوز له التنفل؟
الراجح -والله أعلم- أن ذلك جائز؛ لعموم الأحاديث الواردة في فضـيلة التنفل المطلق، أعني أن لا يعتقد هذه من السنة الراتبة لليل، بل من التنفل المطلق.
(13) لا تخص ليلة الجمعة بقيام؛ لما ثبت في الحديث: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي...» الحديث[45].
(14) قال النووي رحمه الله: (الأفضل هو أن يسلم من كل ركعتين، وسواءٌ نوافل الليل والنهار، يستحب أن يسلم من كل ركعتين)[46]. ولكن هناك طرق أخرى سـيأتي ذكرها مع صلاة الوتر.
(15) يكره قيام الليل كله، والسنة أن يقوم وينام، لكنه يجوز أحيانًا في بعض الليالي إحياء الليل كله كالعشـر الأواخر من رمضان[47]، وأما ما ثبت عن أبي حنيفة أنه ظل أربعين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء، فمما لا أصل له[48].