حجم الخط:

محتوى الدرس (63)

سجـود التـلاوة

مشروعيته وحكمه:

يشـرع سجود التلاوة؛ لما ثبت في الأحاديث من سجوده إذا مر بسجدة تلاوة، ومن هذه الأحاديث: حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ فسجد فيها، وسجد من كان معه... الحديث، متفق عليه[1].

ويشـرع السجود للتلاوة في الصلاة؛ فعن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ، فسجد فيها، فقلت: ما هذه؟ فقال: سجدت بها خلف أبي القاسم ، فما أزال أسجد فيها حتى ألقاه[2].

فعلى هذا تشـرع سجدة التلاوة في الصلاة، وذهب جمهور العلماء إلى مشـروعيتها في السـرية والجهرية؛ قال الشوكاني رضي الله عنها: (وإلى ذلك ذهـب جمهور العلماء، ولم يفرقوا بين صلاة الفريضة والنافلة)[3].

قال النووي رضي الله عنها: (لا يكره قراءة السجدة عندنا للإمام، كما لا يكره للمنفرد؛ سواء كانت سـرية أو جهرية، ويسجد متى قرأها)[4].

وذهب المالكية إلى الكراهة مطلقًا، وعند الحنفية يكره في السـرية دون الجهرية.

وقد استدل القائلون بجوازه في السـرية بحديث ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابه أنه قرأ ﴿ الم ﴿ ١ تَنْزِيلُ السجدة».

وهذا لا يصح الاستدلال به؛ لأنه حديث ضعيف؛ ضعَّفه الحافظ في التلخيص، وفي بلوغ المرام، وضعَّفه الإمام أحمد في مسائله، وضعَّفه الشـيخ الألباني كذلك.

فضيلة سجود التلاوة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشـيطان يبكي يقول: يا ويله؛ أمر بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصـيت فلي النار»[5].

حكم من استمع إلى تلاوة السجدة:

الحكم السابق فيمن تلا آية بها سجدة من كتاب الله عز وجل، ولكن ما حكم من استمع إليها ولم يكن تاليًا؟

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «قرأت على النبي ﴿ وَالنَّجْمِ فلم يسجد فيها»[6]. رواه الجماعة إلا ابن ماجه، ورواه الدارقطني، وزاد: «فلم يسجد منا أحد»[7].

قال ابن بطال: (أجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمعَ أن يسجد)[8]؛ أي أن المستمع مؤتم بالقارئ؛ فلا يشـرع له السجود إلا إذا سجد القارئ.

ومما يدل على ذلك: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة، فيقرأ السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته»[9].

وقد روى البخاري تعليقًا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لتميم بن حذلم -وهو غلام- فقرأ عليه سجدة، فقال: «اسجد؛ فإنك إمامنا فيها»[10].

الذكر والدعاء في سجود التلاوة:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يقول في سجود القرآن: «سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصـره، بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين»[11].

الشروط في هذا السجود:

اشترط جمهور الفقهاء لهذا السجود ما يشترطونه لسجود الصلاة من: الطهارة، واستقبال القبلة، وستر للعورة، وعارضهم بعض العلماء. قال الشوكاني رضي الله عنها: (ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا)[12].

وقد روى البخاري تعليقًا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يسجد على غير وضوء[13]، وعلى هذا فالراجح أنه لا يشترط في سجود التلاوة ما يشترط في سجود الصلاة؛ لأن هذه ليست صلاة، فأقل الصلاة ركعة، وأما هذه فسجدة فقط، فلا يشترط فيها شـروط صحة الصلاة، وهذا ما رجحه ابن تيمية رضي الله عنها[14].

من أحكام سجود التلاوة:

(1) سجود التلاوة سنة، على الراجح من أقوال أهل العلم.

(2) إذا لم يتمكن للسجود، فلا شـيء عليه، ولا يشـرع له ما يفعله العامة من التسبيح والتحميد أربع مرات؛ فهذا لا أصل له.

(3) يجوز للخطيب إذا مر بآية السجدة أن ينزل فيسجدها، ويسجدها الناس معه، ويجوز له ترك ذلك؛ لما ثبت: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: أيها الناس، إنا نمر بالسجود؛ فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر رضي الله عنه»[15].

التكبير في سجود التلاوة:

لا يشـرع في سجود التلاوة تكبير، كما لا يشـرع التسليم؛ لأنه لم يثبت في ذلك دليل، ولكن هل يكبر إذا كان في الصلاة، ومر بآية تلاوة؟!

لم يثبت حديث صحيح صـريح في هذه المسألة، لكن رأى الشـيخ ابن عثيمين رضي الله عنها مشـروعية ذلك التكبير؛ لعموم الحديث: «كان ﷺ يكبر في كل خفض ورفع»[16].

سجود الشكر

يشرع سجود الشكر عند حدوث نعمة:

عن أبي بكرة رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسـره، أو بُشـر به؛ خر ساجدًا؛ شكرًا لله تعالى»[17].وهذا الحديث في إسناده ضعف، لكن وردت روايات أخرى بمعناه ولا يخلو كل حديث منها من ضعف، لكن بمجموعها تدل على أن لسجود الشكر أصلا في الشـرع[18].

وثبت في الصحيحين أن كعب بن مالك رضي الله عنه سجد لما جاءته البشـرى بتوبة الله عليه [19].

وعند أحمد أن عليًّا رضي الله عنه سجد حين وجد ذا الثدية في قتلى الخوارج[20]، وهي صفة أخبر عنها النبي عن واحد منهم، فلما رأى عليٌّ رضي الله عنه العلامة سجد لله شكرًا.

والراجح أن سجود الشكر لا يشترط فيه شـيء من شـروط الصلاة، كما تقدم في سجود التلاوة.

تنبيه:

المشـروع سجدة شكر؛ كما ثبت في الأحاديث، وليس هناك صلاة تسمى صلاة الشكر كما يظنه كثير من العامة.

سترة المصلي

مشروعية السترة:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحَرْبة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر[21].

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إذا صلى أحدكم، فليصل إلى سترة، وليَدْنُ منها»[22]. قال الشوكاني رضي الله عنها: (فيه أن اتخاذ السترة واجب)[23]، ولكن ذهب جمهور العلماء إلى الندب، ورجح الوجوب الشـيخ الألباني[24].

معنى السترة:

الدنو من أي شـيء مرتفع يكون بينه وبين القبلة، لذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «المصلون أحق بالسواري من المتحدثين»، ورأى رجلًا يصلي بين أسطوانتين، فأدناه إلى سارية، وقال: «صلِّ هاهنا»[25].

المسافة بين المصلي وسترته:

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار مَمَرُّ شاة»[26].

وفي حديث بلال أن النبي دخل الكعبة، فصلى وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع[27]، وثبت نحوه عن ابن عمر رضي الله عنهما[28].

ففي هذين الحديثين تحديد المسافة التي بين المصلي وبين سترته، إلا أننا نلاحظ أن الحديث الأول جعل المسافة قدر ممر الشاة، والثاني قدر ثلاثة أذرع، وقد جمع بينهما العلماء؛ فقال الداودي: أقله ممر الشاة وأكثره ثلاثة أذرع، وقال غيره: ممر الشاة في حالة القيام والقعود، وثلاثة أذرع في حالة السجود والركوع[29].

قدر ارتفاع السترة:

عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا، فذكرنا ذلك للنبي ، فقال: «مثل مُؤْخِرة الرحل يكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضـره ما مر بين يديه»[30].

قال الشوكاني رضي الله عنها: (فيه إشعار بأنه لا ينقص من صلاة من اتخذ سترة لمرور من مر بين يديه شـيء، وحصول النقصان إن لم يتخذ ذلك)[31].

ومؤخرة الرحل العود الذي في آخر الرحل، يستند إليه الراكب تكون قدر ثلثي ذراع.

تنبيهات من أحكام السترة:

(1) ما ورد من وضع خط أمام المصلي حديث ضعيف؛ ولفظه: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شـيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطًّا، ولا يضـره ما مر بين يديه»[32].

(2) وكذلك لم يثبت أنه يجعل السترة على حاجبه الأيمن أو الأيسـر، ولا يصمد إليه؛ فإن ما ورد في ذلك ضعيف أيضًا[33].

(3) مما تقدم من الأحاديث يظهر أن السترة مشـروعة في الفضاء والصحاري والبنيان كذلك.

الحكمة من اتخاذ السترة:

عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إذا صلى أحدكم، فليصل إلى سترة وليدن منها، لا يقطع الشـيطان عليه صلاته»[34].

والمراد بالشـيطان: المار بين يدي المصلي، وسـيأتي في حديث منع المار بين يدي المصلي: «فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شـيطان»، وعلى هذا فيكون المعنى: فعله فعل الشـيطان؛ لأنه يشوش على المصلي.

وقيل: المقصود بالشـيطان القرين؛ لما ثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: «إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين»[35]، وعلى هذا فيكون المعنى أن الشـيطان هو الذي حمله على المرور. وبناءً على ذلك فإنه يصلي إلى سترة، حتى إذا صلى في مكان يعلم أنه لا يمر بين يديه فيه أحد.

إثم المار بين يدي المصلي:

عن أبي جُهيم رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه»، قال أبو النضـر راوي الحديث: لا أدري أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة[36]. وقوله: «ماذا عليه» أي: من الإثم، وفي ذلك تحريم المرور بين يدي المصلي، والوعيد على ذلك.

الصلاة خلف النائم:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت»[37].

وهذا يدل على جواز الصلاة خلف النائم والجالس، وأن هذا لا يقطع الصلاة؛ لأنه ليس مرورًا.

سترة الإمام سترة لمن خلفه:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد»[38].

قال النووي رضي الله عنها: (فيه أن سُترة الإمام سترة لمن خلفه)[39].

دفع المصلي من يمر بين يديه:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: «إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين»[40].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شـيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شـيطان»[41].

قال النووي رضي الله عنها: (اتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته، بل احتاط وصلى إلى سترة، أو في مكان يأمن المرور بين يديه)[42].

وفي الحديث أنه يدفع المار بين يديه بأسهل الوجوه، ثم ينتقل إلى الأشد فالأشد.

ما يقطع الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «يقطع الصلاةَ المرأة والكلب والحمار، ويقي من ذلك مثلُ مُؤْخِرة الرحل»[43]. والمقصود بالكلب: الكلب الأسود، وبالمرأة: المرأة الحائض أي: التي بلغت سن الحيض، كما ورد ذلك في بعض الأحاديث.

قال الشوكاني رضي الله عنها: (وأحاديث الباب تدل على أن الكلب والمرأة والحمار تقطع الصلاة، والمراد بقطع الصلاة: إبطالها، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو هريرة، وأنس، وابن عباس في رواية عنه، وحكي أيضًا عـن أبي ذر، وابن عمر رضي الله عنهم)[44].

وفي المسألة نزاع طويل في معنى القطع هل هو الإبطال أو النقصان؟ وفيمن يقطع الصلاة، ولا يحتمل هذا المختصـر التوسع في ذكر ذلك، فليرجع إليه من شاء في المطولات، وما ذكرته من كلام الشوكاني هو الأرجح، والله أعلم.

مسائل في السترة وما يتعلق بها:

(1) قال الحافظ رضي الله عنها: (وذهب الجمهور إلى أنه إذا مر ولم يدفعه، فلا ينبغي له أن يرده؛ لأن فيه إعادة المرور)[45].

(2) قال القاضـي عياض رضي الله عنها: (فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قود عليه باتفاق العلماء)[46]. واختلفوا: هل عليه الدية أو لا؟ ومعنى (القود) القصاص.

(3) قال عمر رضي الله عنه: «المصلون أحق بالسواري من المتحدثين إليها»، ورأى عمر رجلًا يصلي بين أسطوانتين، فأدناه إلى سارية، وقال: «صلِّ هاهنا»[47]. وعلى هذا فيجوز للإنسان أن يتحرك عن موضعه إذا رأى نفسه بعيدًا عن السترة، وهذا لإصلاح الصلاة والمحافظة عليها.

(4) من الملاحظ أن بعض المسبوقين، إذا قام لصلاةِ ما فاته، خطا خطوة إلى الخلف، لا أدري ما سببها؟ فإن كان يخطو لأجل الدنو من سترة؛ سواء للأمام أو للوراء أو لأي جهة، بشـرط المحافظة على استقباله للقبلة وعدم التحول عنها؛ فيجوز له ذلك.

Adobe Systems

 

جدول 36 صلاة أهل الأعذار

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة