حجم الخط:

محتوى الدرس (64)

صلاة أصحاب الأعذار

المقصود بالأعذار:

المقصود بها: المرض، السفر، الخوف. وسوف نتناول في هذه الصفحات ما يتعلق بذلك من أحكام.

أولاُ: صلاة المريض:

وقد تقدمت مباحثه في أول كتاب الصلاة[1].

ثانيًا: صلاة المسافر:

حكم صلاة المسافر:

يشـرع للمسافر قصـر الصلاة الرباعية إلى ركعتين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101]، وتواترت الأخبار أن رسول الله كان يقصـر في أسفاره.

ولكن اختلف العلماء في حكم القصـر في السفر؛ فمنهم من يرى الوجوب، وأن من أتم الصلاة آثم بذلك، وهو مذهب الحنفية والظاهرية، وذهب آخرون إلى أن القصـر رخصة، وهو مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة، ثم اختلفوا هل الإتمام أفضل أم القصـر؟ والذي اختاره شـيخ الإسلام ابن تيمية أن الإتمام مكروه[2]؛ قال الشـيخ ابن عثيمين: (وهو قول قوي، بل لعله أقوى الأقوال)[3]. وقال أيضًا: (والذي يترجح لي -وليس ترجيحًا كبيرًا- هو أن الإتمام مكروه، وليس بحرام، وأن من أتم لا يكون عاصـيًا)[4].

أدلة من أوجب القصر:

أولًا: ملازمة النبي القصـر في السفر، ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية، مع قوله : «صلوا كما رأيتموني أصلي».

ثانيًا: حديث عائشة رضي الله عنها: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين؛ فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضـر»[5]. قالوا: فهذا دليل على أن الفرض في السفر ركعتان.

ثالثًا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم؛ على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا، وفي الخوف ركعة»[6].

وأما أدلة القائلين بأن القصر رخصة فهي:

أولًا: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101]؛ قالوا: ونفي الجناح لا يدل على العزيمة، وإنما يدل على الرخصة.

ثانيًا: أنه قد ثبت الإتمام من الصحابة؛ كعثمان، وابن مسعود، وعائشة رضي الله عنهم، ومنهم من روى أحاديث القصـر السابقة كعائشة، ولو كانت تقصد الفرضـية بمعنى الحتم والإلزام لما أتمت رضي الله عنها، ولكنها قالت لعروة لما سألها عن إتمامها: (يا ابن أختي إنه لا يشق علي)، فعلم من ذلك أنها فهمت الرخصة.

ثالثًا: قالوا: ولأنه لو ائتم المسافر بالمقيم أتم الصلاة، وصحت صلاته، والصلاة لا تزيد بالائتمام؛ بدليل أنه لو صلى الصبح خلف من يصلي الظهر، فإنه لا يتابع الإمام بعد الركعتين.

فهذه أدلة الفريقين، ولكل منهما مؤاخذات على الآخر، وما أعجب قول الإمام أحمد: (أنا أحب العافية من هذه المسألة)[7]، وإن كان المشهور عنه رضي الله عنها: أن المسافر إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أتم.

قلت: وبعد استعراض أدلة الفريقين، فالذي أرجحه-والله أعلم- القول بوجوب القصـر، فلا ينبغي للمسافر الإتمام إلا إذا كان عنده تأويل في إتمامه، أو كان يصلي خلف مقيم، أو كان يعتقد أنها رخصة فقط فلا ينكر عليه، فإنها من موارد النزاع التي يسعنا فيها الخلاف. كما قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنها: (هذه مسائل اجتهاد، فمن فعل منها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه، ولم يهجر)[8].

مسافة القصر:

اختلف العلماء اختلافًا كثيرًا في تحديد المسافة التي يشـرع فيها القصـر، علمًا بأن الآيات والأحاديث أطلقت السفر، فلم تخص سفرًا من سفر. قال ابن تيمية رضي الله عنها: (وإذا كان كذلك فنقول: كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشـرع، فالمرجع فيه إلى العرف)[9].

وقال أيضًا: (ولكن لا بد أن يكون ذلك مما يُعد في العرف سفرًا، مثل أن يتزود له ويبرز للصحراء، فأما إذا كان في مثل دمشق، وهو ينتقل من قراه الشجرية من قرية إلى قرية، كما ينتقل من الصالحية إلى دمشق، فهذا ليس بمسافر، كما أن مدينة النبي كانت بمنزلة القرى المقاربة؛ عند كل قوم نخيلهم ومقابرهم ومساجدهم، قباء وغير قباء، ولم يكن خروج النبي إلى قباء سفرًا)[10].

قلت: يمكن أن يقال: إن أقل مسافة للقصـر ثلاثة فراسخ؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسـيرة ثلاثة أميال -أو فراسخ- قصـر الصلاة»[11]. قال الحافظ رضي الله عنها: (وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك، وأصـرحه)[12]. وإنما قلت: ثلاثة فراسخ، لأنه قد وقع شك من الراوي هل هي ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ، والأخير أحوط؛ لأنه المتيقن. ومعلوم أن الفرسخ ثلاثة أميال فتكون المسافة تسعة أميال[13].

المدة التي يقصر فيها المسافر:

واختلف العلماء كذلك في المدة التي إذا أقامها المسافر يكون مقيمًا ويجب عليه الإتمام؛ فبعضهم يرى ألا تزيد عن أربعة أيام، وبعضهم يمدها إلى خمسة عشـر يومًا، وهناك أقوال أخرى؛ فمن ذلك قول من يقول: إن الشـرع أطلق، ولم يقيد ذلك بزمن، كما لم يقيده بمسافة، وقد ورد أن النبي أقام في تبوك عشـرين يومًا يقصـر الصلاة[14]، وفي مكة سبع عشـرة ليلة يقصـر الصلاة[15]، وكانت هذه الإقامة موافقة أحوال، فلم يقل : من أقام أكثر من ذلك أتم.

ولذلك كان هذا القول من الأقوال الراجحة: أن المسافر مسافر؛ سواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، أو عشـرين يومًا، أو دون ذلك، أو أكثر.

قال ابن تيمية رضي الله عنها: (وأما من تبيَّنت له السنة، وعلم أن النبي لم يشـرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان ولا مكان، ولا حد الإقامة أيضًا بزمن محدد؛ لا ثلاثة ولا أربعة، ولا اثني عشـر، ولا خمسة عشـر، فإنه يقصـر كما كان غير واحد من السلف يفعل، حتى كان مسـروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصـر الصلاة، وقد أقام المسلمون بـ «نهاوند» ستة أشهر يقصـرون الصلاة... مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضـي في أربعة أيام ولا أكثر،.... فما دام المسافر مسافرًا يقصـر الصلاة، ولو أقام في مكان شهورًا)[16].

وهناك رأي آخر ذهب إليه الشوكاني رضي الله عنها - وهو أن المرء إما مسافر وإما مقيم، والأصل في المسافر: القصـر، وفي المقيم: الإتمام، أيًّا كان هذا السفر وهذه الإقامة، إلا أن يكون هناك ما يخرجه عن أصله، وقد تبين من السنة أن النبي أذن للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثة أيام، مع نهيه لمن هاجر من بلد أن يقيم فيها، فدل ذلك على أن الثلاثة الأيام لا تعد إقامة مستقرة، بل هو غريب مسافر، والله أعلم، وعلى ذلك فما زاد عن هذه المدة، فإنه يتم الصلاة؛ قال الشوكاني رضي الله عنها: (والحق أن من حط رحله ببلد ونوى الإقامة بها أيامًا من دون تردد لا يقال له: مسافر، فيتم الصلاة ولا يقصـر إلا لدليل)[17].

وقال ابن حزم رضي الله عنها: (وبالضـرورة ندري أن حال السفر غير حال الإقامة، وأن السفر إنما هو التنقل في غير دار الإقامة، وأن الإقامة هي السكون وترك النقلة في دار الإقامة، هذا حكم الشـريعة والطبيعة معًا، فإذ ذلك كذلك؛ فالمقيم في مكان واحد مقيم غير مسافر بلا شك، فلا يجوز أن يخرج عن حال الإقامة وحكمها في الصـيام والإتمام إلا بنص)[18]. وعلى هذا المعنى حملت أحاديث قصـره يوم الفتح وتبوك؛ أن ذلك في حالة الحرب والتردد وعدم الاستقرار بالإقامة، وقد ذهب عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى عدم القصـر لذلك.

وعلى كلٍّ فهذه من مسائل الاجتهاد، التي يسع فيها الخلاف.

ولكن هل المسافر إذا نزل على دار له أو ضيعة؛ هل يكون مسافرًا؟

ما أرجحه -والله أعلم- أن مثل هذا يعد مقيمًا لا مسافرًا؛ قال ابن حزم رضي الله عنها: (فإن ورد ضـيعة له، أو ماشـية أو دارًا فنزل هنالك أتم)[19].

وهذا ما ثبت عن عثمان رضي الله عنه قال: «إنه بلغني أن رجالًا يخرجون؛ إما لجبانة، وإما لتجارة؛ وإما لجشـر، ثم لا يتمون الصلاة، فلا تفعلوا، فإنما يقصـر الصلاة من كان شاخصًا، أو بحضـرة عدو»[20]. قال أبو عبيد: «والجَشـر»: القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى ويبيتون مكانهم ولا يأوون إلي البيوت. وعن ابن سـيرين قال: (كانوا يقولون: السفر الذي تقصـر فيه الصلاة الذي يحمل فيه الزاد والمزاد).

مسائل في القصر والإتمام:

(1) القصـر لا يكون إلا في الصلاة الرباعية، وأما صلاة الصبح والمغرب فلا قصـر فيهما.

(2) المتردد الذي لم يزمع على إقامة، يقصـر أبدًا ولو ظل زمانًا طويلًا.

(3) السفراء والدبلوماسـيون المقيمون بالسفارات في حكم المقيمين [راجع كلام ابن حزم السابق]، وكذلك الذين يعملون خارج بلادهم أو يدرسون؛ فهؤلاء جميعًا يتمون، والله أعلم، وفي المسألة نزاع.

(4) يبدأ القصـر للمسافر بعد مغادرته لمساكن البلد الذي يسكنه، ولا يجوز له القصـر وهو في دار الإقامة؛ لأنه لم يثبت أن النبي قصـر إلا بعد خروجه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «صليت الظهر مع رسول الله ﷺ بالمدينة أربعًا، وصليت معه العصـر بذي الحليفة ركعتين، وكان مسافرًا»[21].

(5) السائقون لسـيارات السفر والشاحنات والقطارات والطائرات مسافرون؛ ما لم يصلوا إلى دار إقامتهم.

(6) إذا نسـي صلاة في سفر فتذكرها في سفر آخر فإنه يصليها قصـرًا، فإن تذكَّرها في حضـر فإنه يقصـر على الصحيح. وأما إن فاتته صلاة في حضـر فتذكرها في سفر فإنه يتمها؛ أي أن الاعتبار بحال فرضها عليه لا بحال أدائها، وفي المسألة نزاع، وما ذكرته هو الراجح، والله أعلم.

(7) وإن حوصـر أو حبس عن سفره فهو في معنى المتردد، حتى لو علم أنه سـيقيم مدة طويلة، فهذا يقصـر الصلاة؛ لما ثبت «أن ابن عمر رضي الله عنهما حبسه الثلج بأذربيجان لمدة ستة أشهر يقصـر الصلاة»[22]. وكذلك من أقام إقامة مقيدة لا يدري متى تنتهي فإنه يقصـر أبدًا، مثل من يقيم للعلاج ولا يدري متى ينتهي.

(8) من خرج للبحث عن شارد، أو من ضل في طريقه، فهذا يقصـر أبدًا حتى يعود إلى وطنه.

(9) إذا صلى المسافر خلف المقيم أتم؛ لما ثبت أن ابن عباس سئل: ما بال الرجل المسافر يصلي ركعتين ومع الإمام أربعًا؟ قال: تلك هي السنة[23]، ولأن الصحابة صلوا خلف عثمان وهو بمنى أربعًا، وإذا كان عثمان متأولًا للإتمام، فهذا يدل على أن المأموم المسافر يتبع إمامه.

(10) بناء على ما تقدم: إذا أدرك المسافر من صلاة الإمام المقيم ركعة، فهل يقصـر أم يتم؟ فيه خلاف، والراجح: الإتمام؛ لعموم قوله : «وما فاتكم فأتموا»[24]. وعن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم -يعني المقيمين- أتجزيه الركعتان أو يصلي بصلاتهم؟ قال: «فضحك وقال: يصلي بصلاتهم»[25].

(11) إذا صلى المسافر خلف إمام لا يدري أهو مقيم أم مسافر، فجعل نيته معلقة؛ بمعنى: إذا أتم الإمام أتم، وإذا قصـر قصـر معه فصلاته صحيحة، وعليه فإنه يتابع إمامه إن كان مقيمًا أتم خلفه، أو مسافرًا قصـر الصلاة مثله.

(12) إذا أحرم المسافر خلف إمام مقيم، ثم فسدت صلاته -أعني المسافر- فهل يعيدها تامة أم قصـرا؟ الراجح أنه يعيدها قصـرًا إذا صلى وحده، أو خلف مسافر مثله، وأما إن أعادها خلف مقيم فإنه يتم معه.

(13) إذا دخل وقت الصلاة وهو في بلده، ثم سافر؛ فإنه يقصـر، والعكس: إذا دخل وقت الصلاة وهو في السفر ثم وصل بلده؛ فإنه يتم اعتبارًا بحال فعل الصلاة.

(14) إذا صلى المسافر إمامًا، ومن خلفه بعضهم مسافرون وبعضهم مقيمون، فخرج من الصلاة لعذر واستخلف مكانه مقيمًا؛ أتم الصلاة، وعلى من خلفه -سواء كان مقيمًا أو مسافرًا- الإتمام معه.

(15) قال ابن تيمية رضي الله عنها: (يوتر المسافر، ويركع سنة الفجر، ويسن ترك غيرها، والأفضل له التطوع في غير السنن الراتبة، ونقل بعضهم إجماعًا)[26].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة