حجم الخط:

محتوى الدرس (67)

ثالثًا: صلاة الخوف:

[المقصود]

وهذا هو العذر الثالث، والمقصود بالخوف: الخوف من العدو؛ سواء كان آدميًّا أو سَبُعًا.

الدليل على مشروعيتها:

اتفق العلماء على مشـروعية صلاة الخوف؛ وذلك:

(1) لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء:102].

(2) ولصلاته بأصحابه صلاة الخوف، كما سـيأتي في الأحاديث.

صفة صلاة الخوف:

هناك صفات مختلفة لصلاة الخوف، ترجع أصولها إلى ست صفات، أوضحها ابن القيم رضي الله عنها في كتابه زاد المعاد على النحو الآتي[1]:

الحالة الأولى:

وكان من هديه في صلاة الخوف، إذا كان العدوُّ بينه وبين القبلة، أن يَصُف المسلمين كلهم خلفه، ويكبر ويكبرون جميعًا، ثم يركع فيركعون جميعًا، ثم يرفع ويرفعون جميعًا معه، ثم ينحدر بالسجود والصف الذي يليه خاصة، ويقوم الصف المؤخر مواجه العدو، فإذا فرغ من الركعة الأولى، ونهض إلى الثانية، سجد الصف المؤخر بعد قيامه سجدتين، ثم قاموا، فتقدموا إلى مكان الصف الأول، وتأخر الصف الأول مكانهم؛ لتحصل فضـيلة الصف الأول للطائفتين، وليدرك الصف الثاني مع النبي السجدتين في الركعة الثانية، كما أدرك الأول معه السجدتين في الأولى، فتستوي الطائفتان فيما أدركوا معه، وفيما قضوا لأنفسهم، وذلك غاية العدل. فإذا ركع صنع الطائفتان كما صنعوا أول مرة، فإذا جلس للتشهد، سجد الصف المؤخر سجدتين، ولحقوه في التشهد، فيسلم بهم جميعًا[2].


الحالة الثانية:

وإن كان العدو في غير جهة القبلة، فإنه كان تارة يجعلهم فرقتين: فرقة بإزاء العدو، وفرقة تصلي معه، فتصلي معه إحدى الفرقتين ركعة، ثم تنصـرف في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى، وتجيء الأخرى إلى مكان هذه، فتصلي معه الركعة الثانية، ثم يسلم، وتقضـي كل طائفة ركعة ركعة بعد سلام الإمام[3].

الحالة الثالثة:

وتارة كان يُصلي بإحدى الطائفتين ركعة، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، وتقضـي هي ركعة وهو واقف، وتسلم قبل ركوعه، وتأتي الطائفة الأخرى، فتصلي معه الركعة الثانية، فإذا جلس في التشهد، قامت، فقضت ركعة، وهو ينتظرها في التشهد، فإذا تشهد، يُسلم بهم[4].

الحالة الرابعة:

وتارة كان يُصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، فتسلم قبله، وتأتي الطائفة الأخرى، فُيصلى بهم الركعتين الأخيرتين، ويسلم بهم، فتكون له أربعًا، ولهم ركعتين ركعتين[5].

الحالة الخامسة:

وتارة كان يُصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، ويسلم بهم، وتأتي الأخرى، فيصلي بهم ركعتين، ويسلم؛ فيكون قد صلى بهم بكل طائفة صلاة[6].

الحالة السادسة:

وتارة كان يصلى بإحدى الطائفتين ركعة، فتذهب ولا تقضـي شـيئًا، وتجيء الأخرى، فيصلي بهم ركعة، ولا تقضـي شـيئًا، فيكون له ركعتان، ولهم ركعة ركعة[7].

قال ابن القيم رضي الله عنها: (وهذه الأوجه كلها تجوز الصلاة بها). وقال الإمام أحمد رضي الله عنها: (كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف، فالعمل به جائز)[8].

وقال: ستة أوجه أو سبعة، تُروى فيها، كلها جائزة، وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها، كل حديث في موضعه، أو تختار واحدًا منها؟ قال: «أنا أقول: من ذهب إليها كلها، فحسن». وظاهر هذا، أنه جوز أن تصلي كل طائفة معه ركعة ركعة، ولا تقضـي شـيئًا، وهذا مذهب ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والحكم، وإسحاق بن راهويه. قال صاحب (المغني): (وعموم كلام أحمد يقتضـي جواز ذلك، وأصحابنا ينكرونه. وقد روي عنه في صلاة الخوف صفات أخر، ترجع كلها إلى هذه، وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، وقد ذكرها بعضهم عشـر صفات، وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمس عشـرة صفة، والصحيح: ما ذكرناه أولًا، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة، جعلوا ذلك وجوهًا من فعل النبي ، وإنما هو من اختلاف الرواة)[9].

من أحكام صلاة الخوف[10]:

(1) كيف تُصلى إذا كانت هذه الصفات يصعب الإتيان بها في الوقت الحاضـر لاختلاف وسائل الحرب؟ قال ابن عثيمين رضي الله عنها جوابا لذلك: (إذا دعت الضـرورة في وقت يخاف فيه من العدو، فإنهم يصلون صلاة أقرب ما تكون إلى الصفات الواردة عن النبي ... لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]).

(2) إذا اشتد الخوف بحيث إنه لا يستطيع الصلاة على أي حال، فهل يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، فالراجح جواز ذلك؛ بدليل تأخير النبي الصلاة يوم الأحزاب، لكنه إن أمكنه الصلاة إيماء بالركوع والسجود مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، وجب عليه ذلك، فإن اشتد الالتحام ويأتيه الرصاص من كل جانب، جاز له التأخير.

(3) ويجب عليه حمل السلاح وقت صلاته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة