كتاب الجنائز
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بالموت والمرض

الجنازة بكسـر الجيم وفتحها، لغتان مشهورتان، وقيل: بالفتح للميت، وبالكسـر للنعش وعليه الميت، وقيل: عكسه، وجمعها جنائز.
(1) يستحب الإكثار من ذكر الموت؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل»[1]، وكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسـيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات»[2].
(2) وينبغى للعبد أن يستعد للموت؛ وذلك بالخروج من المظالم، والإقلاع عن المعاصـي، والإقبال على الطاعات.
وحيث إن هذه الأحكام يتقدمها بعض الأحكام؛ المتعلقة بالمرض، وعيادة المريض، أفردت له بعض المسائل المهمة لينتفع بها المسلمون، والله الموفق إلى ما يحبه ويرضاه.
الراجح من أقوال أهل العلم أن عيادة المريض واجبة؛ لقوله ﷺ: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكُّوا العاني»[3]، أي: الأسـير. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «خمس تجب للمسلم على المسلم»، فذكر منها عيادة المريض[4]، وفي رواية: «ست تجب للمسلم على المسلم...»[5].
وقد جزم البخاري بالوجوب فقال: (باب وجوب عيادة المريض)، ثم أورد الحديث السابق. قال ابن بطال رحمه الله: (يحتمل أن الأمر على الوجوب، بمعنى الكفاية؛ كإطعام الجائع، وفك الأسـير، ويحتمل أن يكون للندب؛ للحث على التواصل)[6].
قال ابن حجر: (وجزم الداودي بالأول فقال: هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض، وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض الناس دون بعض)[7]. وقال ابن عثيمين رحمه الله: (إنه واجب كفائي)[8]، وهذا اختيار ابن تيمية رحمه الله[9].
(1) يستدل بعموم قوله ﷺ: «عودوا المريض» على مشـروعية العيادة لكل مرض، وقيد الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله عيادة المريض بمن حبسه المرض، فإن كان المرض لا يحبسه فيشهد الناس ويشهدونه، فلا يحتاج إلى عيادة؛ كمن به زكام لا يمنعه من الخروج[10].
(2) لا يشترط في عيادة المريض أن يعلم المريض بعُوَّاده، كالمغمى عليه، أو من كان في الإنعاش، فلا يكون ذلك مانعًا من عيادته. قال الحافظ رحمه الله: (لأن وراء ذلك جبر خاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد، ووضع يده على المريض، والمسح على جسده، والنفث عليه عند التعويذ، إلى غير ذلك)[11].
(3) يلحق بعيادة المريض: تعهده، وتفقده، والتلطف به، وربما كان ذلك في العادة سببًا لوجود نشاطه، وانتعاش قوته. قاله الحافظ[12].
(4) لم تنص الأحاديث على تحديد أوقات عيادة المريض، والظاهر أن هذا يتعلق بما لا يشق على المريض، ولذلك جعل العلماء من آداب الزيارة أن لا يطيل الجلوس عند المريض حتى يضجر، أو يشق على أهله، إلا إذا اقتضت مصلحة أو ضـرورة، فلا بأس. قال ابن القيم رحمه الله: (ولم يكن من هديه عليه الصلاة والسلام أن يخص يومًا من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتًا من الأوقات، بل شـرع لأمته عيادة المريض ليلًا ونهارًا، وفى سائر الأوقات)[13]. وفى الفروع: (ويتوجه اختلافه باختلاف الناس، والعمل بالقرائن، وظاهر الحال)[14].
(5) ليس هناك تحديد أيضًا لوقت ابتداء الزيارة بعد مرضه، وما استند إليه الغزالي في «الإحياء» من أن المريض لا يعاد إلا بعد ثلاث فحديث لا يصح.
(6) تشمل عيادة المريض القريب والبعيد، ولكن كلما كانت الصلة أقوى كانت الحاجة أشد إلحاحًا وطلبًا.
(7) قال ابن بطال: (تشـرع عيادته -يعنى غير المسلم- إذا رجي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام، فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا)[15]. وهذا ما رجحه ابن عثيمين[16]، والدليل عليه ما رواه البخاري أن غلامًا يهوديًّا كان يخدم النبي ﷺ، فمرض، فأتاه ﷺ يعوده، فقال: «أسلم»، فأسلم[17]، وكذلك في عيادته ﷺ لعمه أبي طالب، وعرض الإسلام عليه[18].
(8) حكم عيادة المبتدع: نص الإمام أحمد أن المبتدع لا يعاد، وقال غيره: لا يعاد الداعية فقط، واعتبر الشـيخ تقي الدين ابن تيمية المصلحة في ذلك.
(9) لا نقص على الإمام أن يعود المرضـى من رعيته؛ ولو كان أعرابيًّا جافيًا، ولا على العالم أن يعود الجاهل ليعلمه ويذكره، ولا على الكبير أن يعود الصغير؛ ففي الصحيح «أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده»[19]، وتقدم عيادته ﷺ للغلام اليهودي.
(10) ويستحب سؤال أهل المريض عن حاله؛ ففي «صحيح البخاري» عن ابن عباس رضي الله عنهما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله ﷺ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا[20].
(11) لا دليل على ما يدعيه بعض الناس أن العائد لا يأكل ولا يشـرب عند المريض؛ معللين أن ذلك ضـياع لثوابه وأجره، وليس هناك نص صحيح يدل على هذا الادعاء.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟»[21].
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خمسٌ؛ مَن فعل واحدة منهن كان ضامنًا على الله عز وجل؛ من عاد مريضًا، أو خرج مع جنازة، أو خرج غازيًا، أو دخل على إمام يريد تعزيره وتوقيره، أو قعد في بيته فيسْلَم الناس منه، ويَسْلَم من الناس»[22].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر: أنا، فقال: «من أطعم منكم اليوم مسكينا؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «من تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «من عاد منكم اليوم مريضًا؟» قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ: «ما اجتمعت هذه الخصال قط في رجل في يوم إلا دخل الجنة»[23].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من عاد مريضًا ناداه مناد من السماء: طبت، وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا»[24].
وعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في خُرفة الجنة حتى يرجع» قيل: يا رسول الله؛ وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها»[25].
وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسـي، وإن عاده عشـية إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة»[26].
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من عاد مريضًا، لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها»[27].
(1) أن يختار الوقت المناسب لعيادته:
فلا يعوده في وقت يشق فيه على المريض.
(2) إذا دخل عليه يقول له:
«لا بأس، طهور إن شاء الله»؛ لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده، فقال: وكان النبي ﷺ إذا دخل على مريض يعوده قال: «لا بأس، طهور إن شاء الله»[28].
(3) ويسأله عن حاله تأنيسًا له:
فعن أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي ﷺ على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك؟» قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجوه، وآمنه مما يخاف»[29].
(4) ويضع يده عليه عند سؤاله:
قال ابن بطال رحمه الله: (وفي وضع اليد على المريض تأنيس له، وتعرف لشدة مرضه؛ ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه، بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحًا)[30]. قال الحافظ رحمه الله: (وقد يكون العائد عارفًا بالعلاج، فيعرف العلة فيصف له ما يناسبه)[31].
ودليل ما تقدم: ما ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ، وهو يوعك وعكًا شديدًا، فمسسته بيدي، فقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا، قال: «أجل؛ كما يوعك رجلان منكم»[32]. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «تشكيت بمكة شكوى شديدة، فجاءنى النبي ﷺ يعودني، فقلت: يا نبي الله، إني أترك مالًا، وإني لم أترك إلا بنتًا واحدة، فأوصـي بثلثي مالي وأترك الثلث؟ فقال: لا، قلت: فأوصـي بالنصف وأترك النصف؟ قال: لا، قلت: فأوصـي بالثلث وأترك لها الثلثين؟ قال: الثلث، والثلث كثير، ثم وضع يده على جبهته، ثم مسح يده على وجهي وبطني، ثم قال: اللهمَّ اشف سعدًا، وأتمم له هجرته»، فما زلت أجد بَرْده على كبدي فيما يخال إليَّ حتى الساعة[33]. ومعنى «يخال»: يخيل.
(5) ويدعو للمريض ويرقيه:
وسنفرد إن شاء الله بابًا في الأدعية والرقى التي تقال عند المريض[34].
(6) ويثني على المريض بمحاسن أعماله:
وذلك بما يذهب عنه خوفه، ويحسن ظنه بربه عز وجل؛ ففي «صحيح البخاري» أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعمر حين طعن: «.. قد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون...»[35] الحديث. ومعنى: «صُحْبَتهم»: أي المسلمون. وفي «صحيح مسلم» عن أبي شُماسة قال: حُضـر عمرو بن العاص وهو في سـياقة الموت، يبكي طويلًا، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: «يا أبتاه، أما بشـرك رسول الله ﷺ بكذا، أما بشـرك رسول الله بكذا..» الحديث[36]. وفي «صحيح البخاري» عن القاسم بن أبي بكر، أن عائشة رضي الله عنها اشتكت، فجاء ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: «يا أم المؤمنين، تَقْدَمين على فَرَطِ صِدْقٍ، على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر رضي الله عنه»[37]. والمقصود قدومها على من سبقها؛ وهم النبي ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه.
(7) ولا يُكرِه المريض على طعام أو شراب:
فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام؛ فإن الله يطعمهم ويسقيهم»[38].
(8) الرفق به واحتماله والصبر عليه:
قال النووي رحمه الله: (ويستحب لأهل المريض ومن يخدمه: الرفق به، واحتماله، والصبر على ما يشق من أمره، وكذلك من قرب موته بسبب حد أو قصاص)[39].
(9) تذكير المريض بالتوبة، والوصية، والخروج من المظالم:
على أن يكون ذلك على وجه لا يزعج المريض رفقًا به، وعليه أن يذكره بحسن الظن بالله عز وجل، ويؤمله بالدعاء، وبإتمام أعماله الصالحة؛ ففي حديث سعد المتقدم: «اللهمَّ اشف سعدًا، وأتمم له هجرته».