حجم الخط:

محتوى الدرس (81)

الصلاة على الميت

حكمها:

فرض كفاية؛ لأمره في أكثر من حديث بالصلاة على الميت، فقال في قصة الرجل الذي عليه الدين: «صلوا على صاحبكم»[1].

حكم الصلاة على الشهيد:

لا تجب الصلاة على شهداء المعركة ضد الكفار؛ لأن النبي لم يصلِّ على شهداء أحد[2]؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي مر بحمزة وقد مُثِّل به، ولم يصلِّ على أحد من الشهداء غيره»، يعني شهداء أحد[3]، إلا أن الدارقطني قال: (هذه اللفظة غير محفوظة)[4]، يعني: «غيره»، وعلى هذا فيكون لفظ الحديث: «ولم يصلِّ على أحد».

ولكن لا بأس لو صلينا عليهم أو على بعضهم؛ فعن شداد بن الهاد رضي الله عنه أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ؛ آمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فلبثوا قليلًا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي يحمل قد أصابه سهم، ثم كفَّنه النبي في جبته -أي جبة النبي ﷺ- ثم قدمه فصلَّى عليه[5].

وفي المسألة نزاع بين العلماء، وما ذكرته هو الأقرب للصواب، والعلم عند الله.


حكم الصلاة على الطفل والسقط:

ثبت أن النبي قال: «والطفل (وفي رواية: والسقط) يُصلَّى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة»[6]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أتي رسول الله بصبي من صبيان الأنصار، فصلَّى عليه..» الحديث[7]، فهذا يدل على مشـروعية الصلاة على الطفل والسقط إذا بلغ أربعة أشهر.

قال الحسن البصـري رحمه الله: (يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب، ويقول: اللهم اجعله لنا فَرَطًا وسلفًا وأجرًا)[8].

هذا، وقد ذهب الشـيخ الألباني رحمه الله إلى أن الصلاة على الطفل والسقط ليست على الوجوب، إنما هو مشـروع فقط، وقد ذهب إلى ذلك أيضًا ابن حزم، ودليلهما حديث عائشة رضي الله عنها قالت: مات إبراهيم ابن رسول الله وهو ابن ثمانية عشـر شهرًا، فلم يصلِّ عليه رسول الله [9].

حكم الصلاة على من مات في حدٍّ:

عن عمران بن حصـين رضي الله عنه: «أن امرأة من جهينة أتت نبي الله وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله، أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فدعا نبي الله وليَّها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلَّى عليها.. الحديث»[10].


الصلاة على من مات عاصيًا، وعلى قاتل نفسه:

تشـرع الصلاة على من مات من المسلمين، حتى لو مات وهو منبعث في المعاصـي، سواء في ذلك التائب منها، والذي مات ولم يتب، (إلا أنه ينبغي لأهل العلم والدين أن يتركوا الصلاة عليهم، عقوبة وتأديبًا لأمثالهم)[11]. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومن امتنع من الصلاة على أحدهم -يعني القاتل، والغال، والمدين الذي ليس له وفاء- زجرًا لأمثاله عن مثل فعله كان حسنًا، ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين، كان أولى من تفويت إحداهما)[12].

وأما قاتل نفسه؛ فقد روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «أُتي النَّبيُّ برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصلِّ عليه»[13]، واختلف العلماء في حكم الصلاة على قاتل نفسه؛ فذهب بعضهم إلى ترك الصلاة عليه لهذا الحديث، وذهب جمهور العلماء إلى الصلاة عليه، وأجابوا عن هذا الاستدلال بأن النبي لم يصلِّ هو عليه زجرًا لأمثاله، لكنه لم يمنع من الصلاة عليه، ولم ينكر على من يصلي عليه[14].

الصلاة على من مات وعليه دين:

كان النبي لا يصلي على من مات وعليه دين ولم يترك وفاءً لدينه، ويأمر أصحابه بالصلاة عليه، فإن ترك وفاءً لدينه أو قضـى عنه البعض صلَّى عليه النبيه. ثم إنه لما فتح الله عليه، تحمَّل الديون عن أصحابها، فكان يصلي على الموتى ولو كان عليهم ديون؛ عن أبي هريرة «أن رسول الله كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاءً صلَّى عليه، وإلا قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين -وفي رواية: ولم يترك وفاءً- فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته»[15].

قال القاضـي عياض رحمه الله: (مذاهب العلماء كافة: الصلاة على كل مسلم، ومحدود، ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنا، وعـن مالك وغيــره أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد، وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجرًا لهم)[16].

الصلاة على الغائب:

يجوز الصلاة على الميت إذا مات غائبًا عن المسلمين في بلاد لم يصلِّ عليه فيها أحد.

فعن جابر رضي الله عنه «أن النبي صلَّى على أصحمة النجاشـي، فكبر عليه أربعًا»[17].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن النبي نعى النجاشـي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات»[18]. قال ابن القيم رحمه الله: (ولم يكن من هديه وسنته الصلاة على كل ميت غائب؛ فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب، فلم يصل عليهم، وصح عنه أنه صلَّى على النجاشـي صلاته على الميت، فاختلف في ذلك على ثلاث طرق:

(1) أن هذا تشـريع وسنة للأمة: الصلاة على كل غائب؛ وهذا قول الشافعي، وأحمد.

(2) وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به، وليس ذلك لغيره.

(3) وقال شـيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يُصلَّ عليه فيه، صلَّى عليه صلاة الغائب، كما صلَّى النبي على النجاشـي؛ لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه، وإن صُلِّي عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب؛ لأن الفرض سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي صلَّى على الغائب وتركه، وفعله وتركه سنة)[19].

قلت: ومما يستدل به لذلك ما ثبت في بعض روايات الحديث أن النبي قال: «إن أخاكم قد مات بغير أرضكم فقوموا فصلوا عليه»[20].

قال الشـيخ الألباني رحمه الله: (ومما يؤيد عدم مشـروعية الصلاة على كل غائب أنه لما مات الخلفاء الراشدون وغيرهم لم يصل أحد من المسلمين عليهم صلاة الغائب، ولو فعل لتواتر النقل بذلك عنهم)[21].

الصلاة على القبر:

إذا لم يدرك الإنسان الصلاة على الجنازة حتى دفنت، فإنه يجوز له أن يُصَلِّي عليه عند القبر؛ لما ثبت في (الصحيحين) أن امرأة سوداء كانت تَقُم المسجد (أو شابًّا)، فماتت، ففقدها النبي ﷺ، فسأل عنها (أو عنه) فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم آذنتموني» قال: فكأنهم صغروا أمرها (أو أمره)، فقال: «دلوني على قبره»، فدلوه فصلَّى عليها، ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم»[22].

وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على القبر: قال ابن المنذر رحمه الله: (قال بمشـروعيته الجمهور، ومنعه النخعي ومالك، وأبو حنيفة، وعنهم إن دفن قبل أن يصلَّى عليه شـرع، وإلا فلا)[23]. هذا، وذهب بعضهم إلى أنه خاص بالنبي ﷺ؛ لقوله في آخر الحديث: «... وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم».

قلت: لكن ثبت نحو هذه القصة، وفيها (فأمَّنا، وصفَّنا خلفه)[24]، وفي ذلك دليل على عدم الخصوصـية؛ قال الشوكاني رحمه الله: (وقد عرفت غير مرة أن الاختصاص لا يثبت إلا بدليل، ومجرد كون الله ينور القبور بصلاته على أهلها لا ينفي مشـروعية الصلاة على القبر لغيره، لا سـيما بعد قوله ﷺ: صلوا كما رأيتموني أصلي)[25].

قلت: والراجح جواز الصلاة على القبر؛ سواء صُلي على الميت أم لم يصلَّ عليه.

وأما المدة التي يمكن أن يصلَّى فيها على القبر بعد دفنه، فقد اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من حدَّه بثلاثة أيام، ومنهم من حدَّه بشهر، ومنهم من قال: ما لم يترَّب، وليس هناك دليل لهذا التفريق، والظاهر جوازه مطلقًا، والعلم عند الله.

كيفية صلاة الجنازة:

(أ) توضع الجنازة معترضة لاتجاه القبلة، على أن يكون رأس الميت يمين القبلة، ورجلاه على يسار القبلة.

مقام الإمام من الجنازة أثناء الصلاة عليها

(ب) يقف الإمام عند رأس الميت إذا كان رجلًا، وعند وسطها إذا كانت أنثى، ويصف المأمومون خلفه صفوفًا؛ فعن أبي غالب الخياط قال: «شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل عند رأسه، فلما رفع أتي بجنازة امرأة من قريش أو من الأنصار، فقيل له: يا أبا حمزة هذه جنازة فلانة ابنة فلان فصل عليها، فصلى عليها فقام وسطها، وفينا العلاء بن زياد العدوي، فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله يقوم حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم، قال: فالتفت إلينا العلاء فقال: احفظوا»[26].

(جـ) ويكبر أربع تكبيرات، وهذه التكبيرات أركان، وبعض الفقهاء يرى تكبيرة الإحرام فقط هي الركن، والباقي سنة[27]. وقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ؛ أنه كبر أربع تكبيرات، إلا أنه يجوز في بعض الأحيان أن يكبر خمسًا أو ستًّا إلى تسع تكبيرات، وسيأتي بيانه في فقرة: من أحكام الجنائز.

(د) يقرأ بعد التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة من القرآن؛ فعن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: «لتعلموا أنه من السنة»[28]. وفي رواية عند النسائي أنه قرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر، فلما فرغ قال: «سنة وحق»[29]. والراجح؛ أن قراءة الفاتحة ركن؛ لعموم قوله ﷺ: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وقد تقدم.

والسنة الإسـرار في صلاة الجنازة[30]، وأما ما ورد من أن ابن عباس جهر، فإنما قصد بذلك تعليم الناس أن القراءة سنة وحق، كما ذكر ذلك في آخر الحديث.

(هـ) ثم يكبر التكبيرة الثانية، ويصلِّي على النبي ، لحديث أبي أمامة عن رجل من أصحاب النبي : «أن السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سـرا في نفسه، ثم يصلي على النبي ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث، لا يقرأ في شـيء منهن، ثم يسلِّم سـرا في نفسه»[31].

واستدل ابن حزم والشوكاني بهذا الحديث أن قراءة الفاتحة والصلاة على النبي تكونان بعد التكبيرة الأولى، وذهب جمهور العلماء إلى التفصـيل الذي ذكرته، وأيَّده الشـيخ الألباني[32].

قال الشـيخ الألباني رحمه الله: (وأما صـيغة الصلاة على النبي في الجنازة، فلم أقف عليها في شـيء من الأحاديث الصحيحة، فالظاهر أن الجنازة ليس لها صـيغة خاصة، بل يؤتى فيها بصـيغة من الصـيغ الثابتة في التشهد في المكتوبة)[33].

(و) ثم يكبر باقي التكبيرات، ويدعو بعد كل تكبيرة للميت، ويخلص له الدعاء؛ لما تقدم في حديث أبي أمامة السابق.

تنبيه: يرد على ألسنة كثير من الأئمة أن الدعاء بعد الثالثة للميت، وبعد الرابعة لجميع المسلمين، ولا أعلم لهذا دليلا صـريحًا، والذي تدل عليه الأحاديث الدعاء للميت فقط في هذه التكبيرات (راجع حديث أبي أمامة السابق). ولعلهم ذهبوا لذلك لدعاء النبي على الميت: «اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا»[34]. ولكن الأولى أن يدعو بمثل هذا المأثور. وسوف أسوق إن شاء الله في باب الملاحظات بعض الأدعية المأثورة للدعاء للميت.

(ز) ثم يسلم: ويجوز أن يكون التسليم تسليمة واحدة، ويجوز أن يكون تسليمتين؛ فعن أبي هريرة «أن رسول الله صلَّى على جنازة فكبر عليها أربعًا، وسلم تسليمة واحدة»[35]؛ فهذا دليل التسليمة الواحدة. وأما دليل التسليمتين فما ثبت عن ابن مسعود قال: «ثلاث خلال كان رسول الله يفعلهن تركهن الناس؛ إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة»[36]. قال الشـيخ الألباني: (وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن مسعود أن النبي كان يسلم تسليمتين في الصلاة، فهذا يبين أن المراد بقوله في الحديث الأول: «مثل التسليم في الصلاة» أي التسليمتين المعهودتين)[37].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة