من أحكام الجنائز:
(1) قال الإمام النووي رحمه الله: (والصلاة على الكافر، والدعاء له بالمغفرة حرام، بنص القرآن والإجماع)[1]. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [التوبة:84].
(2) كلما كثر الجمع على الجنازة كان أفضل للميت؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه»[2]، وفي رواية: «إلا غفر له». رواه مسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشـركون بالله شـيئًا، إلا شفَّعهم الله فيه»[3].
(3) يستحب إكثار الصفوف خلف الإمام بأن تكون ثلاثة صفوف فصاعدًا؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: «صلى رسول الله ﷺ على جنازة ومعه سبعة نفر، فجعل ثلاثة صفًّا، واثنين صفًّا، واثنين صفًّا»[4].
(4) وإذا لم يكن مع الإمام إلا رجل واحد فإنه يصلي وراءه، ولا يصلي حذاءه كما هو في الصلوات الأخرى؛ فعن عبد الله بن أبي طلحة «أن أبا طلحة دعا رسول الله ﷺ إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي، فأتاه رسول الله ﷺ فصلى عليه في منزلهم، فتقدم رسول الله ﷺ وكان أبو طلحة وراءه، وأم سليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم»[5].
(5) يجوز للمرأة أن تصلي على الجنازة؛ إذ لا دليل يمنع من ذلك، ومما يؤيد ذلك الحديث السابق، وفيه صلاة أم سليم وراءهم، وأيضًا فإن أزواج النبي ﷺ صلين على جنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد[6]، ولأن الأصل أن الأحكام تشـرع للرجال والنساء إلا ما قام الدليل على تخصـيصه.
ورد في فتاوى اللجنة الدائمة: هل يجوز أن تشارك المرأة الرجال في الصلاة على الجنازة؟
فأجابوا: الأصل في العبادات التي شـرعها الله في كتابه أو بينها رسول الله ﷺ في سنته أنها عامة للذكور والإناث، حتى يدل دليل على التخصـيص بالذكور أو الإناث، وصلاة الجنازة من العبادات التي شـرعها الله تعالى ورسوله ﷺ، فيعم الخطاب الرجال والنساء، إلا أن الغالب أن الذي يباشـر ذلك الرجال لكثرة ملازمة النساء لبيوتهن، ولذلك إذا صادف أنه لم يحضـر الجنازة إلا نساء صلين عليها، وقمن بالواجب نحوها، وقد ثبت أن عائشة رضي الله عنها أمرت أن يؤتى بسعد بن أبي وقاص لتصلي عليه، ولم نعلم أن أحدًا من الصحابة أنكر عليها، فدل ذلك على أن المرأة تشارك الرجال في الصلاة على الجنازة، وقد تنفرد بالصلاة عليها لأمور تدعو إلى ذلك، كما يكون ذلك في حق الرجال[7].
(6) والأحق بالإمامة على الجنازة (الوصـي)، ثم (الوالي أو نائبه) ويدخل في ذلك إمام المسجد؛ فعن أبي حازم قال: «إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي، فرأيت الحسـين ابن علي يقول لسعيد بن العاص -ويطعن في عنقه ويقول- تقدم، فلولا أنها سنة ما قدمتك (وسعيد أمير على المؤمنين يومئذ) وكان بينهم شـيء»[8].
(7) فإن لم يحضـر الوالي، فأحقهم بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، ثم أعلمهم بالسنة، ثم أقدمهم هجرة، ثم أكبرهم سنًّا؛ لعموم الحديث: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله..» إلخ[9]، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وهو قول للشافعي في القديم، والمشهور من مذهب الشافعية أن أحقهم بالإمامة أقرباؤه، وهو ما ذهب إليه ابن حزم؛ مستدلين بقوله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ [الأنفال:75]، وما ذكرته أولًا هو الأرجح؛ لأن الأدلة السابقة عامة، والآية خاصة، ومعلوم أن الخاص مقدم على العام.
(8) إذا اجتمعت عدة جنائز جاز أن يصلي على كل جنازة بمفردها، وجاز أن يصلى عليهم جميعًا صلاة واحدة، فإن كان الموتى رجالًا ونساء، جعل الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة، فإن كان ثم أطفال معهم، جعل الرجال مما يلي الإمام، ثم الأطفال، ثم النساء، مما يلي القبلة؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أنه صلى على تسع جنائز جميعًا، فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القبلة...» الحديث[10].
وعن عمار مولى الحارث بن نوفل أنه شهد خالته أم كلثوم وابنها، فجعل الغلام مما يلي الإمام، وفي رواية: «ووضعت المرأة وراءه، فصلى عليها، فأنكرت ذلك، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد، وأبو قتادة، وأبو هريرة؛ فقالوا: هذه السنة»[11].
(9) يجوز الصلاة على الجنازة في المسجد، والأفضل أن يكون خارج المسجد في مكان معد لذلك؛ لأن هذا هو الثابت والغالب من هديه ﷺ، والأحاديث في ذلك كثيرة؛ فمنها عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد»[12]، فهذا يدل على أن هناك موضعًا خاصًّا للجنائز كان معروفا عندهم.
وأما ما يدل على الجواز في المسجد فما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: «والله ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء وأخيه إلا في جوف المسجد»[13].
(10) يجوز أن تزيد تكبيرات الجنازة إلى خمس وست، إلى تسع؛ فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبر على جنازة خمسًا، فسألته، فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها» -زاد في رواية- «فلا أتركها أبدًا»[14]. وعن عبد خير قال: «كان علي رضي الله عنه يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب النبي ﷺ خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا»[15].
وثبت أن النبي ﷺ «كبر على حمزة تسع تكبيرات»[16]، ولا شك أن الغالب من فعله ﷺ التكبير بأربع تكبيرات، والزيادة جائزة لما تقدم، والله أعلم.
(11) يشـرع رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فقط، ولم يثبت في رفع اليدين في بقية التكبيرات شـيء عن رسول الله ﷺ، وإنما ثبت ذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من فعله، والمسألة فيها خلاف، وقد تقدم في صلاة العيدين. واعلم أن السنة للمأموم الإسـرار في التكبيرات كلها، وفي القراءة، وقد تقدمت هذه المسألة أيضًا في صلاة العيدين.
(12) لم يرد نص حديث في بيان ما يفعله المسبوق إذا أدرك الإمام بعد أن كبر بعض التكبيرات، والظاهر أنه يشمله قوله ﷺ: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»، فيكبر مع الإمام، وتكون هذه التكبيرة هي الأولى للمسبوق، فيقرأ الفاتحة، ثم إذا انتهى الإمام من تكبيراته، كبر المأموم ما بقي له، وأتم الصلاة على الصفة السابقة، والله أعلم.
(13) إذا دخل المسجد، وقد فاتته الصلاة المكتوبة مع الإمام، ثم شـرع الناس في الصلاة على الميت، فإنه يصلي على الجنازة؛ لأن المكتوبة يمكن إدراكها بعد صلاة الجنازة، وقد أفتى بذلك الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله[17].
(14) من الأخطاء الشائعة انصـراف كثير من الناس عن الصلاة على الجنازة، وربما كانوا مشـيعين لها يقفون خارج المسجد، ألا يتعظ هؤلاء من الموت وشدته وكربه؟!
(15) ومن البدع والمخالفات وقوفهم بعد الصلاة حول الميت لقراءة الفاتحة، والدعاء له، والتأمين على الدعاء، والشهادة له بالصلاح والخير، فكل هذا مخالف للسنة، ولم يكن من فعل السلف رضي الله عنهم.
(16) لا يشـرع في صلاة الجنازة دعاء الاستفتاح؛ لأن ذلك لم يرد في السنة.
(17) لا مانع أن يُعْلَن للحاضـرين أن الميت رجل أو امرأة، لكي يحسنوا الدعاء بما هو مناسب من استعمال الضمائر، فإن لم يعرف هل هو رجل أو امرأة فالأمر واسع؛ لأنه يحمل لغة على معناه، فإن قال: اللهم اغفر له، فالمقصود: الميت، وإن قال: اللهم اغفر لها: فالمقصود الجنازة، والله أعلم.
(18) ما يفعله بعض العوام من الصلاة على الأموات كل خميس أو جمعة، بدعة، لا أصل له في الشـرع.
الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ في الدعاء للميت فـي الجنازة:
ينبغي الإخلاص في الدعاء للميت؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء»[18]، ويجوز له أن يدعو بأي دعاء؛ يطلب له فيه الرحمة والمغفرة، وأن يتجاوز الله عن سـيئاته، والأولى أن يأتي بالأدعية المأثورة عن النبي ﷺ في الدعاء للميت؛ وفيما يلي بعض هذه الأدعية:
عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار»، حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت[19].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى على جنازة يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده»[20].
عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: صلى رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فأسمعُه يقول: «اللهم إن فلانَ بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فَقِهِ فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، فاغفر له وارحمه؛ إنك أنت الغفور الرحيم»[21].
عن يزيد بن ركانة بن المطلب قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام للجنازة ليصلي عليها قال: «اللهم عبدك وابن أمتك، احتاج إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، إن كان محسنًا فزد في حسناته، وإن كان مسـيئًا فتجاوز عنه»[22].