حجم الخط:

محتوى الدرس (83)

الـدفــن

خريطة ذهنية لأحكام الدفن

جدول 43 من مسائل الدفن

حكمه:

فرض كفاية؛ كما تقدم.

صفة القبر:

يجوز أن يكون القبر لحدًا، ويجوز أن يكون شقًّا، واللحد أفضل؛ لأنه هو الذي اختاره الله لنبيه ﷺ؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لما توفى النبي كان بالمدينة رجل يلحد، وآخر يضـرح، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما؛ فأيهما سبق تركناه، فأرسلنا إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي ﷺ»[1]. وعن سعد بن أبي وقاص قال: «الْحَدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللَّبِن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ»[2].

ومعنى اللحد:

الميل، وذلك إنما يكون في الأرض المتماسكة الصُّلبة التي لا ينهار ترابها، وذلك بأن يحفر القبر، ثم يحفر في أسفله من جانبه الذي يلي القبلة.

وأما الشق:

فهو أن يحفر القبر، ثم يوضع الميت في أسفل الحفرة، ويعرش فوقه باللَّبِن أو الخشب ونحوه، ثم يوضع فوقه التراب.

صفة وضع الميت في قبره

ويلاحظ في القبر:

أ- أنه يجب أن يعمق ويوسع ويحسن؛ فعن هشام بن عامر قال: لما كان يوم أحد، أصـيب من أصـيب من المسلمين، وأصاب الناس جراحات، فقال النبي ﷺ: «احفروا وأوسعوا»، وفي رواية: «وأعمقوا»، وفي رواية أخرى: «وأحسنوا...» الحديث[3].

ب- يسن أن يرفع القبر بعد الفراغ من الدفن قليلًا نحو شبر؛ فعن جابر رضي الله عنهما «أن النبي ألحد له لحد، ونصب عليه اللَّبِن نصبًا، ورفع قبره عن الأرض نحوًا من شبر»[4].

ج- أن يجعل القبر مُسنَّمًـا بالتراب والحصـى، ولا يكون ذلك بالبناء والطين؛ فعن سفيان التمار قال: «رأيت قبر النبي مسنمًا»[5]. و«المسنَّم»: هو المرتفع من وسطه المائل من جانبه، أي: مثل سنام الجمل. قال ابن القيم رحمه الله: (وقبره مسنم، مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، لا مبني ولا مطين، وهكذا كان قبر صاحبيه)[6].

د- أن يعلَّم بحجر ونحوه؛ لما ثبت عن المطلب بن أبي وداعة قال: «لما مات عثمان بن مظعون، أُخرِج بجنازته فدفن، فأمر النبي رجلًا أن يأتيه بحجر؛ فلم يستطع حمله، فقام إليه رسول الله ﷺ، وحسـر عن ذراعيه، ثم حمله فوضعه عند رأسه، وقال: أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي»[7].

هـ - ولا يجوز تجصـيص القبر والبناء عليه، ولا يجوز الكتابة عليه؛ فعن جابر رضي الله عنهما قال: «نهى النبي أن يجصَّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه»[8]، ورواه الترمذي بلفظ: «نهى أن تجصَّص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ»، ومعنى «التجصـيص»: أن يوضع فوقه الجص؛ وكذلك البناء عليها بأن يكسـى القبر بأحجار أو رخام ونحو ذلك. قال ابن عثيمين رحمه الله: (فالصحيح أن تجصـيصها، والبناء عليها؛ حرام).

تنبيه: ما يكتبه البعض على باب المقابر لمعرفة ملكية الأرض لعدم التعدي عليها[9]، يكون من الأمور الجائزة للضـرورة، ولكن لا يكتب على كل قبر بخصوصه؛ كالثناء عليه ونحو ذلك.

صفة الدفن:

(أ) السنة إدخال الميت من مؤخر القبر؛ فعن ابن سـيرين قال: «كنت مع أنس في جنازة، فأمر بالميت فَسُلَّ من قِبَلِ رجل القبر»[10]. ومعنى هذا: أن يوضع رأسه في الموضع الذي تكون فيه رجلاه إذا دفن، ثم يُسَلَّ سلًّا رفيقًا، فإن لم يكن إدخاله القبر بهذه الصورة متيسـرة لهم، أدخلوه حيث شاءوا؛ إذ المقصود الرفق بالميت، وما تقدم هو الأفضل لأنه السنة؛ فعن أبي إسحاق رحمه الله قال: «أوصـى الحارث أن يصلِّي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قِبل رجلي القبر، وقال: هذا من السنة»[11].

قال المنذري: (قال البيهقي: هذا سند صحيح، وقد قال: «هذا من السنة»، فصار كالمسند، وقد روينا هذا القول عن ابن عمر، وأنس بن مالك، قال الشافعي: أخبرنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد وربيعة وأبي النضـر، لا اختلاف بينهم في ذلك؛ أن رسول الله سُلَّ من قِبَل رأسه، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما. قال البيهقي: هذا هو المشهور فيما بين أهل الحجاز)[12].

(ب) ويقول الذي يدفنه: (بسم الله، وعلى ملة رسول الله)، أو (على سنة رسول الله)، أو يقول: (بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله)؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي كان إذا وضع الميت في القبر قال: «بسم الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ»[13]. وعن البياضـي رضي الله عنه عن رسول الله قال: «الميت إذا وضع في قبره، فليقل الذين يضعونه حين يوضع في اللحد: بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله ﷺ»[14].

(ج) ويستحب أن يجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن، ووجهه قبالة القبلة، ورأسه عن يمين القبلة، ورجلاه عن يسار القبلة؛ قال ابن حزم رحمه الله: (على هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله إلى يومنا هذا، وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض)[15]. وقال أيضًا: (وتوجيه الميت إلى القبلة حسن، فإن لم يوجه فلا حرج، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:115]، ولم يأت نص بتوجيهه إلى القبلة)[16].

قلت: لكن يكفي في ذلك كلامه السابق؛ أنه عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله ﷺ، فهذه هي السنة، والله أعلم.

(د) ثم تحل عقد الكفن، ويبقى الوجه على حاله لا يكشف[17] إلا أن يكون محرمًا؛ فإنه لا يغطى رأسه أصلًا، وكذلك لا يغطى وجهه، وأما ما يفعله بعض الذين يقومون على الدفن من كشف الوجه لغير المحرم، فمما لا دليل عليه، وهو مما توارثوه جهلًا بعضهم عن بعض بلا أثارة من علم.

(هـ) ثم يوضع اللبن خلف الميت إن كان لحدًا، ويسد الفراغات التي بينه بالطين حتى لا ينهال عليه، وإن كان شقًّا عرش فوقه بما يمنع سقوط التراب عليه، ثم يهال التراب لردم الحفرة، ويستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعًا؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله «صلى على جنازة، ثم أتى الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا»[18]، وأما ذكر الآية: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ [طه:55] عند هذه الحثيات، فمما لا يصح، والله أعلم.

ماذا بعد الدفن؟

السنة بعد أن يدفن الميت: أن يقف المشـيعون قليلًا؛ يستغفرون للميت، ويسألون له التثبيت؛ ودليل ذلك: ما ثبت في الحديث أن النبي قال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل»[19]، وثبت أن عمرو بن العاص رضي الله عنه أوصـى أن يقفوا عند قبره قدر أن تنحر جزور ويقسم لحمها، قال: «حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي»[20]. وهذا الدعاء لم يثبت أن يكون جماعيًّا، ولا أن يقوم أحدهم فيدعو والناس يؤمنون، ولكن الصحيح من ذلك أن يدعو كل إنسان بمفرده بصوت منخفض.

هل يجوز أن يقوم أحدهم بموعظة؟

الجواب: نعم يجوز ذلك في بعض الأحيان، على ألا يتخذ ذلك سنة وعادة، وكأنها من متممات الدفن؛ فقد ثبت أن النبي في حديث البراء[21] وعظ الناس، ولكنه لم يكن يفعل ذلك في كل جنازة يحضـرها، فالمداومة على ذلك من المخالفات للسنة، والله أعلم.

واعلم أنه يجوز رفع اليدين في الدعاء على المقبرة، وعليه أن يستقبل القبلة عند الدعاء؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «خرج رسول الله ذات ليلة، فأرسلت بريرة[22] في أثره لتنظر أين ذهب، قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع، ثم رفع يديه، ثم انصـرف، فرجعت إليَّ بريرة فأخبرتني، فلما أصبحت سألته، فقلت: يا رسول الله أين خرجت الليلة؟» قال «بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم»[23]، ومعنى «الصلاة»: الدعاء.

من أحق الناس بدفن الميت؟

(1) اعلم أن الذين يتولون إنزال الميت في قبره ودفنه هم الرجال دون النساء، حتى لو كان الميت أنثى، وعلى هذا جرى العمل في جميع عصور المسلمين، وهو المعهود في زمنه ﷺ.

(2) وأحق من يتولى دفنه: (وصـيه) إن أوصـى بذلك، فإن لم يوص، فأحق الناس بذلك أقاربه؛ إن كانوا يحسنون الدفن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ [الأنفال:75]، وتقدم قول علي رضي الله عنه بعد فراغه من دفن النبي ﷺ: «إنما يلي الرجلَ أهلُه»[24]، فإن لم يكن ثَم أقارب، أو كانوا لا يحسنون، أو لا يريدون دفنه؛ جاز أن يتولى ذلك غيرهم.

(3) ويجوز أن يتولى الزوج دفن زوجته بنفسه، لكنه يشترط عمومًا أن لا يتولى دفن المرأة من جامع أهله تلك الليلة؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: «شهدت ابنة لرسول الله ﷺ، ورسول الله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل منكم رجل لم يقارف[25] الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله، قال: فانزل، فنزل في قبرها»[26].

الأوقات المنهي عن الدفن فيها:

(1) لا يجوز دفن الميت في الأوقات الثلاث التي نهى عنها رسول الله ﷺ، وذلك في حديث عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان رسول الله ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضـيف الشمس للغروب حتى تغرب»[27].

(2) وأما الدفن بالليل فقد اختلف العلماء في جوازه وعدمه؛ فذهب الجمهور إلى جوازه، وكرهه الحسن البصـري؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما «أن النبي ذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلًا، فزجر النبي أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلَّى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك»[28].

قال الشوكاني رحمه الله: (فإذا لم يقع تقصـير في الصلاة على الميت وتكفينه، فلا بأس بالدفن ليلًا)[29].

ومما يدل على جواز ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله أدخل رجلًا قبره ليلًا، وأسـرج في قبره»[30]. وكذلك دفن أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليلًا من غير إنكار، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة