حجم الخط:

محتوى الدرس (85)

زيـارة القبــور

[تمهيد]

تشـرع زيارة القبور للاتعاظ وتذكر الآخرة؛ وذلك لما ثبت في الحديث عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة»[1]، وفي رواية: «ولا تقولوا هُجْرًا». ومعنى الهجر: الكلام الباطل، فيدخل في ذلك النياحة، كما يدخل فيها تسخط القدر، ومن الباطل كذلك الاستغاثة بالموتى ودعاؤهم.

والغرض من زيارة القبور أمران:

الأول: أن تكون نيته للزيارة: الاتعاظ وتذكر الآخرة، كما تقدم في الحديث السابق.

الثاني: أن يدعو للموتى ويسلم عليهم؛ ودليله ما ثبت عن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية»[2].

زيارة النساء للقبور:

اختلف أهل العلم في جواز زيارة النساء للقبور. قال الحافظ رحمه الله: (واختلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحله إذا أمنت الفتنة)[3].

قلت: ومن الأدلة على جواز ذلك:

(أ) عموم إذنه لزيارة القبور في قوله: «ألا فزوروها»؛ فهذا إذن عام يشمل الرجال والنساء.

(ب) دخولهن في معنى الحكمة التي من أجلها أبيحت الزيارة؛ وهي قوله ﷺ: «فإنها تذكركم الآخرة»، فهن يحتجن لهذه الموعظة والذكرى كالرجال.

(جـ) إقراره لعائشة رضي الله عنها، وقد سألته: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ -تعني أهل القبور- قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون»[4].

(د) إقرار النبي لهذه المرأة التي رآها عند القبر؛ فعن أنس قال: مر النبي بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري»، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصـيبتي -ولم تعرفه- فقيل لها: إنه النبي ﷺ، فأتت النبي فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»[5].

(هـ) وهذا الذي فهمته عائشة رضي الله عنها؛ فعن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن ابن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها[6].

قلت: لكن يشكل على ما سبق حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «لعن الله زوَّارات القبور»[7]، وهو حجة المانعين، ولا إشكال فيه؛ لأنه يمكن أن يجمع بين الروايات السابقة وبينه، بأن المنع لمن تكرر زيارتها، وهو الذي يدل عليه صـيغة المبالغة في قوله: «زوَّارات». في بعض روايات الحديث: (زائرات القبور) لكنها رواية ضعيفة، وقد اختلف العلماء في حكم زيارة النساء للقبور:

فذهب الجمهور إلى الكراهة واحتجوا بأدلة منها حديث أبي هريرة عند أحمد، قال: قال رسول الله ﷺ: «لعن الله زوَّارات القبور». ولأن النساء فيهن ضعف.

وذهب الحنفية في الأصح إلى أنه يندب للنساء زيارة القبور كما يندب للرجال؛ لقول النبي ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر بالآخرة». قال الخير الرملي: إن كان ذلك لتجدد الحزن والبكاء وما جرت به عادتهن فلا تجوز، وعليه حمل حديث: «لعن الله زوَّارت القبور». وإن كان للاعتبار والترحم من غير بكاء فلا بأس. اهـ. راجع الموسوعة الفقهية.

وذهب الإمام أحمد في رواية عنه -حكاها ابن قدامة- إلى عدم الكراهة لعموم حديث ثوبان السابق، وهو وجه عند الشافعية -حكاه الروياني في البحر وصحَّحه- إذا أمن الافتتان كما في المجموع للنووي، وهذا هو الراجح، والله أعلم.

قال القرطبي رحمه الله: (هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضـيه الصـيغة من المبالغة)[8]. وقال الترمذي: وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء[9].

زيارة قبر المشـرك:

يجوز زيارة قبر المشـرك، وهو الراجح من أقوال أهل العلم؛ لعموم الأحاديث في زيارة القبور، فهي تشمل زيارة قبور المسلمين وغير المسلمين، سواء كان المقبورون رجالًا أو نساءً. وهذا ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه «فتح الباري شـرح صحيح البخاري» نقلًا عن بعض أهل العلم[10]. وقال النووي رحمه الله: (وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب «الحاوي»: لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلط)[11]. وفي كتاب «الإنصاف» للمرداوي قال: (يجوز زيارة قبر الكافر. قاله المجد وغيره. وقال الشـيخ تقي الدين: يجوز زيارته للاعتبار)[12]. وفي كتاب «مغني المحتاج»: (ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر، ويجوز للمسلم زيارة قريبه الكافر)[13].

قلت: لكن إن زار قبر المشـرك، فإنه لا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يكون الغرض من ذلك الاتعاظ.


أحكام وآداب زيارة القبور:

(1) لا يمشـي بين القبور في نعليه؛ لحديث بشـير بن الحنظلية، وفيه: «.. فبينما هو يمشـي -يعني النبي - إذ حانت منه نظرة، فإذا هو برجل يمشـي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك، فنظر فلما عرف الرجل رسول الله خلع نعليه، فرمى بهما»[14].

قال ابن عثيمين رحمه الله: (والأفضل للإنسان أن يخلع نعليه إذا مشـى بين القبور إلا لحاجة؛ إما أن يكون في المقبرة شوك أو شدة حرارة أو برودة أو حصـى يؤذي الرجل أو نحو ذلك، فلا بأس أن يلبس الحذاء ويمشـي به بين القبور)[15].

(2) وضع الجريد والرياحين والزهور على القبر غير مشـروع، وأما من يحتجون بحديث النبي أنه مر على قبرين يعذبان، فوضع عليهما الجريد، فهذا خاص لم يفعله النبي مع كل قبر، وكذلك لم يفعله أحد من الصحابة أو التابعين[16]، وأما ما يروى أن بريدة أوصـى بذلك فهذا اجتهاد منه لم يرفعه إلى النبي ﷺ.

(3) لا يجوز قراءة القرآن عند القبور، بل الثابت ما يدل على خلاف ذلك في قوله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ فإن الشـيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة»[17]. ففيه دليل على أن المقابر لا يقرأ فيها القرآن.

(4) ويحرم عند المقبرة الذبح ولو قصد به وجه الله، لقوله ﷺ: «لا عَقْرَ في الإسلام»[18]، قال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة.

[19](5) يحرم رفع القبر وتجصـيصه والبناء عليه والكتابة عليه، كما يحرم إيقاد السـرج على القبور وتزيينها ووضع الستور والرخام والتحف ونحو ذلك، فإن هذا كله لم يرد به الشـرع، بل ورد النهي عنه، وقد تقدم بعض ذلك.

(6) يحرم القعود على القبر؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده؛ خير له من أن يجلس على قبر»[20]. قال النووي رحمه الله: (والقعود عليه حرام، وكذا الاستناد إليه، والاتكاء عليه)[21].

(7) يحرم الصلاة إلى القبور؛ لقوله ﷺ: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها»[22].

(8) ويحرم بناء المساجد على القبور؛ فعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا: لما نُزِل برسول الله طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا[23]، ومعنى «نزل»: حضـرته الوفاة، «طفق يطرح»: جعل يضع.

تنبيه: للشـيخ الألباني رحمه الله رسالة مفيدة بعنوان «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، رد فيها على شبهات المخالفين فأجاد وأفاد رحمه الله فاكتنزها فإن فيها نفعًا عميمًا.

(9) لا يجوز اتخاذ القبور عيدًا ومواسم تقصد؛ كما يفعله كثير من الجهال من إقامة الأعياد للأولياء وغيرهم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وحيثما كنتم فصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني»[24].

(10) يحرم السفر وشد الرحال إلى القبور؛ لقوله ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصـى»، متفق عليه[25].

(11) لا يجوز نبش قبور المسلمين: قال النووي رحمه الله: (وأما نبش القبر فلا يجوز لغير سبب شـرعي باتفاق الأصحاب، ويجوز بالأسباب الشـرعية كنحو ما سبق، ومختصـره: أنه يجوز نبش القبر إذا بلي الميت وصار ترابًا، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه، ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها، وسائر وجوه الانتفاع والتصـرف فيها باتفاق الأصحاب، وإن كانت عارية رجع فيها المعير، وهذا كله إذا لم يبق للميت أثر من عظم وغيره، قال أصحابنا رحمهم الله: ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأرض، ويعتمد فيه قول أهل الخبرة بها)[26].

(12) قال النووي رحمه الله: (ويجوز نبش الميت إذا دفن لغير القبلة، أو بلا غسل، على الصحيح فيهما، أو بلا كفن، أو في كفن مغصوب، أو حرير، أو أرض مغصوبة، أو ابتلع جوهرة، أو وقع في القبر مال، قال الماوردي في «الأحكام السلطانية»: إذا لحق القبر سـيل أو نداوة، قال أبو عبد الله الزبيري: يجوز نقله، ومنعه غيره، قلت: قول الزبيري أصح؛ لما ثبت في «صحيح البخاري» عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه دفن أباه يوم أحد مع رجل آخر في قبر، قال: «ثم لم تطب نفسـي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هُنَيَّةً غير أذنه»[27])[28]. قال الحافظ: (قال عياض: في رواية أبي السكن والنسفي: «غير هنية في أذنه»، وهو الصواب... قال: «ومعنى هُنية»: أي شـيئًا يسـيرًا)[29].

(13) يجوز أن تنبش قبور المشـركين؛ لما ثبت أن النبي نبش قبور المشـركين، وسوى الأرض، وبنى مكانها مسجده؛ كما ثبت ذلك في (الصحيحين) وغيرهما[30].

(14) لا يجوز تقطيع أجزاء الموتى المسلمين، وأخذها للتعليم والتدريب؛ لقوله ﷺ: «إن كسـر عظم المؤمن ميتًا مثل كسـره حيًّا»[31]، ويجوز ذلك في جثت غير المسلمين من الكافرين، ولذا أقترح أن تشتري الحكومات الإسلامية جثث الكفرة؛ من نحو البلاد الهندية والصـينية وغيرهم، ممن يقومون بتحريق الموتى للتدريب عليها، وذلك حفاظًا على حرمة الموتى المسلمين، وعدم امتهانها. بشـرط أن لا يكون ذميا أو معاهدا أو مستأمنا[32].

(15) اعلم أن الحديث الوارد في فضـيلة زيارة قبر الوالدين كل جمعة، وأن من زارهما كتب بارًّا بارًّا؛ حديث ضعيف جدًّا.

(16) من المنكرات قصد زيارة القبور في أيام معينة؛ كيوم عاشوراء، ويومي العيد، ويوم الخميس، وما يسمونه (الطلعات) بعد الموت؛ فيقصدونه في أول خميس، وبعد الخامس عشـر، ثم الأربعين. واعلم أن الحديث الوارد في فضـيلة زيارة القبور يوم الجمعة، حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به.

(17) من المنكرات قصد زيارة قبور الأولياء رغبة في قبول دعائهم عندهم، حتى يدعي بعضهم أن الدعاء عنده مجرب؛ يعني قبوله.

(18) قال ابن حزم رحمه الله: (ولا يحل سب الأموات على القصد بالأذى، وأما تحذير من كفر، أو بدعة، أو من عمل فاسد؛ فمباح، ولعن الكفار مباح)[33].

(19) الراجح من أقوال أهل العلم أن الموتى لا يسمعون؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ [النمل:80]، وقد استدلت بهذه الآية عائشة رضي الله عنها على عدم سماعهم[34].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة