حجم الخط:

محتوى الدرس (89)

جدول 48 من مسائل أركان الصوم


أركـان الصيـام

للصوم ركنان أساسـيان، وهما:

الركن الأول: النية:

قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وقال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»[1]. وحقيقة النية: القصد إلى الفعل امتثالًا لأمر الله عز وجل، فمتى عزم على الصوم بقلبه فقد تحققت النية، ولا يلزمه التلفظ بها، بل إن التلفظ بالنية بدعة. ويتعلق بالنية مسائل:

[مسائل متعلقة بالنية]

المسألة الأولى: وقت النية:

الصوم: إما فرض[2] وإما نفل، ووقت النية فيه على التفصـيل الآتي:

أولًا: صوم الفرض:

لا بد أن تكون النية في جزء من أجزاء الليل قبل الفجر؛ وذلك لحديث حفصة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا صوم لمن لم يبيت الصـيام من الليل»، وفي رواية: «من لم يجمع الصـيام قبل الفجر فلا صـيام له»[3].

ثانيًا: صوم النفل:

يصح صوم النفل بإحداث النية في أثناء النهار؛ بشـرط أن لا يكون أتى بما ينافي الصوم من أكل وشـرب ونحوه؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هل عندكم شـيء؟» قلنا: لا، قال: «فإني إذن صائم»[4].

وفي رواية قال: «إذن أصوم»[5]. وثبت ذلك الحكم عن جماعة من الصحابة؛ منهم عائشة، وحذيفة، وعلي، وأبو هريرة، وأبو الدرداء رضي الله عنهم.

ولكن ما مدى الوقت الذي يجوز له أن يحدث نية صوم التطوع نهارًا؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

فذهب الحنفية، والشافعي في القديم إلى جواز ذلك حتى وقت الزوال.

وذهب الحنابلة، والشافعي في الجديد إلى جوازه في أي وقت من النهار؛ سواء كان قبل الزوال، أو بعد الزوال، وهذا هو الراجح؛ لعدم وجود دليل يفرق بين ما قبل الزوال وما بعد الزوال، والله أعلم.

المسألة الثانية: النية لكل يوم:

الراجح وجوب نية مستقلة لكل يوم من أيام الصـيام؛ سواء كانت الأيام متتابعة كصوم رمضان، أو متفرقة؛ وذلك لأن كل يوم عبادة مستقلة، ومما يدل على ذلك: أن فساد بعض الأيام لا يوجب فساد بقيتها. وهذا مذهب الإمام الشافعي وأبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد[6].

المسألة الثالثة: نقض النية:

والمقصود بنقض النية أن ينوي الفطر، فمتى نوى الفطر فسد صومه، وإن لم يتناول مفطرًا؛ لأن النية ركن، واستصحاب حكمها شـرط صحة[7]، فمتى نقضها متعمدًا، فقد انفسخت نيته، وبطل صومه.

أحكام النية:

(1) يشترط في النية الجزم بها؛ فمتى تردد فيها لم تصح؛ كأن يتردد أن يصوم غدًا أو لا يصوم.

(2) تصح النية مع التردد في ثبوت الشهر، فإذا لم يعلم أن غدًا هو أول رمضان، فقال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم صوم رمضان، وإلا فأنا مفطر، أو جعلته عن صوم النذر ونحو هذا، فالراجح صحة ذلك؛ لأن هذا ليس ترددًا في النية كما في المسألة السابقة، إنما هو تردد في ثبوت الشهر، وهذا ترجيح شـيخ الإسلام ابن تيمية[8].

(3) يجوز إحداث النية للفرض في أثناء النهار في حالات؛ منها: إذا جاءه خبر هلال رمضان في أثناء النهار، أو من نام في ليلته قبل غروب الشمس حتى بعد الفجر، وكذلك الصبي إذا احتلم في أثناء النهار، أو المجنون إذا أفاق في أثناء النهار، أو الكافر إذا أسلم؛ فكل هؤلاء يمسكون بقية النهار، وليس عليهم قضاء لهذا اليوم.

(4) تقدم أنه يجوز نية صوم التطوع في أثناء النهار، لكن ما المقدار الذي يثاب عليه من نوى في أثناء النهار؟

يرى الشافعية والحنابلة: أن الثواب من حين ينوي؛ لأنه كما ورد في الحديث: «ولكل امرئ ما نوى»[9].

ويرى الحنفية: أن الثواب على النهار كله؛ كما يثاب من أدرك بعض الجماعة بثواب الجماعة، وذلك من فضل الله تعالى[10].

الركن الثاني: الإمساك:

المقصود به: الامتناع عن الطعام والشـراب والجماع من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس؛ قال تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]. والمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود: بياض النهار وسواد الليل؛ وذلك لما يلي:

(1) عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عمَدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ، فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار»[11]، وفي رواية: «إن وسادك إذن لعريض أي طويل؛ إنما هو سواد الليل وبياض النهار»[12].

(2) عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أنزلت: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ، ولم ينزل: ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ؛ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ذلك ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار[13].

واعلم أن الفجر فجران: الأول يقال عنه: الفجر الكاذب، ويظهر في السماء عمودًا ممتدًّا من الشمال إلى الجنوب، ثم يعقبه ظلام، وأما الثاني -وهو الفجر الصادق- فهو الذي يظهر في الأفق، ثم يزداد الضوء بعده شـيئًا فشـيئًا حتى ينتشـر في السماء. وهذا هو الفجر الذي يتعلق به الأحكام الشـرعية؛ كتحريم الطعام على الصائم، ووجوب صلاة الفجر.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشـربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم»[14].

ملاحظات:

(1) الإمساك:

لا يعرف في الشـرع ما يسمى بوقت الإمساك؛ الذي تعارف عليه الناس، ووضعوه في التقاويم ضمن مواقيت الصلاة، وكذلك ما يعرف بمدفع الإمساك، فإن هذا كله لا يمنع من الطعام، وأما وقت الإمساك الحقيقي فهو أول دخول وقت الفجر الصادق كما تقدم.

(2) من أفطر خطأ:

إذا أكل الصائم ظانًّا غروبَ الشمس، أو عدمَ طلوع الفجر، ثم تبين له الحال خلاف ظنه، فالراجح: أنه لا يجب عليه قضاء ذلك اليوم؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5]، ولقول النبي ﷺ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسـيان وما استكرهوا عليه»[15].

[16] وعن زيد بن وهب قال: أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فرأيت عساسًا أخرجت من بيت حفصة فشـربوا، ثم طلعت الشمس في سحاب، فكأن ذلك شق على الناس، فقالوا: نقضـي هذا اليوم، فقال عمر: «لِم؟ والله ما تجانفنا لإثم»[17]. ومعنى «العساس»: القداح الكبار.

وقد صح عن عمر أنه قضـى وأمر بالقضاء؛ قال البيهقي: وفي تظاهر هذه الروايات عن عمر في القضاء دليل على خطأ رواية زيد بن وهب في ترك القضاء. لكن ابن القيم رحمه الله رد كلام البيهقي رحمه الله فقال: (وفيما قاله -يعني البيهقي- نظر؛ فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء، وإنما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه، وكان أبوه صديقًا لعمر، فذكر القصة وقال فيها: «من كان أفطر فليصم يوما مكانه» ولم أر الأمر بالقضاء صـريحًا إلا في هذه الرواية، وأما رواية مالك فليس فيها ذكر للقضاء ولا لعدمه، فتعارضت رواية حنظلة ورواية زيد بن وهب، وتفضلها رواية زيد بن وهب بقدر ما بين حنظلة وبينه من الفضل. وقد روى البيهقي بإسناد فيه نظر عن صهيب: أنه أمر أصحابه بالقضاء في قصة جرت لهم مثل هذه.

فلو قدر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضـي سقوط القضاء؛ لأن الجهل ببقاء اليوم كنسـيان نفس الصوم، ولو أكل نسـيًا لصومه لم يجب عليه قضاؤه، والشـريعة لم تفرق بين الجاهل والناسـي؛ فإن كل واحد منهما قد فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله، وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثار فما الموجب للفرق بينهما في هذا الموضع؟ وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطئ أولى بالعذر من الناسـي في مواضع متعددة. وقد يقال إنه في صورة الصوم أعذر منه؛ فإنه مأمور بتعجيل الفطر استحبابًا، فقد بادر إلى أداء ما أمر به واستحبه له الشارع فكيف يفسد صومه؟ وفساد صوم الناسـي أولى منه؛ لأن فعله غير مأذون له فيه، بل غايته أنه عفو، فهو دون المخطئ الجاهل في العذر). وقال أيضًا: (كل واحد منهما فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله، فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسـيان، وهذا أطعمه الله وسقاه بإخفاء النهار).

وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: «أفطرنا يومًا من رمضان في غيم على عهد رسول الله ﷺ ثم طلعت الشمس»[18].قال ابن تيمية رحمه الله تعليقًا على هذا الحديث: (وهذا يدل على شـيئين: الأول: يدل على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتبين الغروب؛ فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم النبي ﷺ، والصحابة -مع نبيهم- أعلم وأطوع لله ورسوله ممن جاء بعدهم. الثاني: يدل على أنه لا يجب القضاء؛ فإن النبي ﷺ لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك، كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم به)[19].

(3) راكب الطائرة:

راكب الطائرة لا يعتمد في فطره على إفطار البلد الذي يسـير فوقها، ولو تحقق فطرهم عنده، بل يمسك حتى يرى مغيب الشمس[20].

Adobe Systems



جدول 49 من أحكام القضاء والفدية


شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة