حجم الخط:

محتوى الدرس (93)

أحكام القضاء والفدية

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بالقضاء والفدية

جدول 51 من أحكام القضاء والفدية

أولاً: القضـاء:

تقدم أنه يجب على من أفطر في رمضان عدة من أيام أخر، وهذا يشمل: المسافر، والمريض، والحائض، والنفساء، ومن تعمد الإفطار بغير الجماع.

ويتعلق بذلك الأحكام الآتية:

(1) لا يجب التتابع في قضاء هذه الأيام؛ فمن شاء صامها متتابعة، ومن شاء فرقها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، فأطلق ولم يقيدها بتتابع. قال ابن عباس: لا بأس أن يفرق[1]. وسئل الإمام أحمد عن قضاء رمضان، فقال: إن شاء فرق، وإن شاء تابع[2].

(2) يجب القضاء على التراخي، في أي وقت من السنة؛ قالت عائشة رضي الله عنها: (كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضـيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله ﷺ أو برسول الله ﷺ)[3]. لكن الأولى المسارعة إلى قضائها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133]، وقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [المؤمنون:61].

(3) هل يجوز أن يصوم نوافل قبل قضاء ما عليه؟

الصحيح: نعم يجوز؛ لأن وقت القضاء موسع؛ قال الشـيخ ابن عثيمين: (وهذا القول أظهر، وأقرب إلى الصواب، وأن صومه صحيح، ولا يأثم)[4].

ولكن الأولى أن يقضـي ما عليه، ثم يصوم النفل إن شاء؛ لأنه قد يعارض ما سبق قول أبي بكر الصديق لعمر: وأنه لن تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة.

(4) إن أخر رمضان حتى جاء رمضان آخر، صام الحاضـر، ثم قضـى ما عليه بعده، ولا فدية عليه على الراجح؛ سواء كان التأخير لعذر أو لغير عذر، وهذا مذهب الحنفية والظاهرية، واختاره البخاري في صحيحه.

قلت: إلا أنه يأثم بتأخيره، ودليل ذلك حديث عائشة السابق.

ووافقهم الآخرون من المذاهب إذا كان التأخير لعذر، وخالفوهم إذا كان لغير عذر، فأوجبوا عليه -بعد صـيام رمضان الحاضـر- قضاء ما عليه، وفديةً عن كل يوم إطعام مسكين. وقد علمت أن الراجح هو القول الأول؛ لأن الآية لم تلزمهم إلا بالقضاء فقط، والله أعلم.

ثانيًا: الفدية:

قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]. ويدخل في ذلك: الحامل، والمرضع، والشـيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض مرضًا مزمنًا لا يُرجى برؤه.

ويتعلق بالإطعام مسائل:

(1) الإطعام يكون في الأيام التي أفطر فيها أو بعدها، ولا يطعم قبلها؛ لأنه لم يتعلق بذمته الوجوب إلا بمجيء ذلك اليوم، فيجوز أن يجعله كله في آخر الشهر، وقد ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه أفطر رمضان عند كبره، فأطعم ثلاثين مسكينًا في آخر يوم[5].

(2) اختلف العلماء في مقدار الإطعام، وسبب ذلك أنه لم ينص دليل على مقداره؛ فذهب بعض العلماء أنه مدٌّ من طعام لكل يوم[6]، وقد تقدم في طعام الكفارة أنه يعادل مدًّا لكل مسكين. وقيل: نصف صاع؛ قياسًا على فدية محظورات الإحرام؛ فإن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: «انسك نسـيكة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصُع لستة مساكين»[7]، وعلى هذا فيكون حظ كل مسكين نصف صاع. ويجوز أن يجمعهم على طعام كما فعل أنس رضي الله عنه، والأمر موسع.

(3) لم تنص الآية كذلك على جنس الطعام، والأشبه أن يقال: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89]، كما في إطعام كفارة اليمين، وكما هو الحال في زكاة الفطر.

(4) لا يشترط أن يعدد المساكين بعدد الأيام، فلو أطعم نفس المسكين كل يوم أجزأه، وهذا بخلاف الكفارة، فالأرجح أن يعددهم جريا على ظاهر الحديث: «أطعم ستين مسكينًا»، والله أعلم.

(5) لا يجوز إخراج القيمة؛ لأن الآية نصت على الإطعام، فلو أخرج دراهم أو دنانير لم يجزئه ذلك على الراجح.

مسألة: فيمن مات وعليه صيام:

اختلفت الآراء فيمن مات وعليه صـيام؛ هل يصوم عنه غيره؟ على النحو الآتي:

الرأي الأول: ذهبوا إلى أن من مات وعليه صوم صام عنه وليه؛ سواء كان صومه عن فرض رمضان أو صوم نذر ونحوه، واستدل هؤلاء بالأحاديث الآتية:

(أ) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صـيام، صام عنه وليه»[8]، هكذا على العموم، لم يخص نذرًا عن غيره.

(ب) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فأقضـيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضـيه عنها؟» قال: نعم: قال: «فدين الله أحق أن يقضـى»[9]. وقوله: «فدين الله أحق أن يقضـى» يشعر بعموم الحكم؛ سواء كان الصوم نذرًا أو غير نذر، وهذا مذهب الظاهرية، وأحد قولي الشافعي. قال النووي رحمه الله: (وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صحَّحه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث؛ لهذه الأحاديث الصحيحة الصـريحة)[10].

الرأي الثاني: ذهب فريق من العلماء إلى أنه لا يصام عنه إلا صوم النذر، وأما صوم رمضان فيكفي في ذلك الإطعام عنه، واستدلوا بما ثبت عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أنهما أفتيا بذلك، وهما راويا الحديث كما تقدم، فهما أعلم بمراد الحديث؛ وأنه خاص بصوم النذر:

أما أثر عائشة رضي الله عنها فعن عمرة أن أمها ماتت وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: أقضـيه عنها؟ قالت: «لا؛ بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين»[11].

وأما أثر ابن عباس رضي الله عنهما فقد قال: «إذا مات الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر، قضـى عنه وليه»[12].

واستدلوا أيضًا بما ورد في بعض طرق حديث ابن عباس السابق، وفيه قول السائل: «إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر». قالوا: فهذا خاص بالنذر، وهذا مذهب أحمد والليث وإسحاق وأبي عبيد.

الرأي الثالث: ذهبوا إلى أنه لا يصام عن الميت لا نذر ولا غيره، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك.

والصحيح هو الرأي الأول؛ لعموم حديث عائشة رضي الله عنها، ولعموم قوله ﷺ: «فدين الله أحق بالقضاء» في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأما ما أفتى به ابن عباس وعائشة فالقاعدة في ذلك: إذا أفتى الراوي بخلاف مرويه فالعبرة بما روى لا بما رأى، والله أعلم، وهذا ما رجَّحه ابن حجر والنووي[13]، ورجَّحه أيضًا ابن عثيمين رحمه اللهفي «الشـرح الممتع».

من أحكام القضاء عن الميت:

(1) هذا الحكم متعلق بما إذا تمكن من القضاء ولم يقضه حتى مات، وأما إن تمادى به العذر حتى مات، فليس عليه شـيء؛ لا صـيام ولا طعام، فلا يجب أن يصام عنه أو أن يطعم عنه.

(2) الذي يصوم عن الميت «وليُّه»، واختلفوا في تحديده هل هو الوارث أو كل قريب؟ والأولى حمله على «الوارث»؛ فهو أقرب الناس إليه. قال النووي رحمه الله: (ولو صام عنه أجنبي إن كان بـإذن الولي صحَّ، وإلا فلا في الأصح)[14].

(3) أما الصلاة فلا يصلي عنه أحد صلاة فائتة، وقد نقل القاضـي عياض في ذلك الإجماع، وكذلك الإجماع على أنه لا يصوم عن أحد في حياته، إنما الخلاف في الميت[15].

(3) الأولى أن يصام بعدد الأيام، أي: إذا وُزِّع ذلك على الأولياء بأن يصوم كل منهم أيامًا، فتكون أيام هذا غير هذا، ويرى بعضهم أنه لو صام ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا عن ثلاثين يومًا أجزأه. والأول أولى، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة