حجم الخط:

محتوى الدرس (95)

صـوم التطـوع

وينقسم هذا الباب إلى قسمين: الصوم المندوب، والصوم المنهي عنه:

أولاً: الصوم المندوب إليه:

(1) صوم شعبان:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله استكمل صـيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صـيامًا منه في شعبان»[1]. وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذاك شهر يَغفُل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»[2].

وقد بين في هذا الحديث الحكمة من إكثار الصوم فيه؛ وهي:

أ‌- غفلة الناس عنه.

ب‌- رفع الأعمال فيه إلى الله.

تنبيه:

في حديث عائشة السابق: «أنه ﷺ لم يستكمل صـيام شهر كاملًا إلا رمضان»، وذلك لا يعارض قولها في الحديث الآخر: «كان يصوم شعبان كله»[3]؛ لأنه يجوز أن يقال: صامه كله؛ إذا لم يترك إلا قليلًا منه. نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله.

حكم التطوع بعد النصف من شعبان:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يكون رمضان»[4]. قال الترمذي رحمه الله: (معنى الحديث عند بعض أهل العلم: أن [5]يكون الرجل مفطرًا، فإذا بقي من شعبان شـيء أخذ في الصوم لحال شهر رمضان). وقال ابن خزيمة رحمه الله: (أي: لا توصلوا شعبان برمضان، فتصوموا جميع شعبان، لا أنه نهى عن الصوم إذا انتصف شعبان نهيًا مطلقًا).

والخلاصة: أن النهي محمول على اختصاص النصف الأخير، أو على عدم وصل شعبان برمضان، فأما من صام في أوله، ولم يخص آخره، ولم يصله برمضان؛ فلا حرج في صـيامه، والله أعلم.

(2) صوم ستة أيام من شوال:

عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال، كان كصوم الدهر»[6]. واعلم أنه يجوز صـيام هذه الأيام الستة من شوال متتابعة أو متفرقة في أي أيام الشهر، عدا اليوم الأول، وهو يوم عيد الفطر؛ فإنه يحرم صـيامه كما سـيأتي.

وقد ذكر في الحديث فضـيلة صـيامها أنها كصـيام الدهر، وورد توضـيح ذلك عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صـيام شهر رمضان بعشـرة أشهر، وصـيام ستة أيام بعده بشهرين، فذلك صـيام السنة»[7].

(3) صوم المُحرَّم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصـيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم»[8]. ولعله يشكل على ذلك أن رسول الله ﷺ كان أكثر ما يصوم في شعبان، فلماذا لم يصم في المحرم مثل ما كان يصوم في شعبان؟

أجاب عن ذلك العلماء بأجوبة:

(أ، ب) قال النووي رحمه الله: (لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة، قبل التمكن من صومه، أو لعله كان يَعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه؛ كسفر أو مرض).

جـ- ذهب ابن رجب إلى أن التطوع بالصوم نوعان:

الأول: التطوع المطلق؛ فهذا أفضله المحرم، كما أن أفضل التطوع المطلق بالصلاة قيام الليل.

الثاني: ما كان صومه تبعًا لصـيام رمضان قبله أو بعده، فهذا ملتحق بصـيام رمضان، وصـيامه أفضل من التطوع مطلقًا؛ كالسنن الرواتب، فإنها أفضل من السنن المطلقة، والله أعلم.

(4) صوم عرفة:

يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج؛ فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صوم يوم عرفة يكفر سنتين؛ ماضـية ومقبلة، وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضـية»[9]. قال النووي رحمه الله: (والمراد بها الصغائر).

واختلف العلماء في صـيام يوم عرفة للحاج، وأكثرهم يستحبون له الفطر يوم عرفة؛ لأن النبي ﷺ لم يصمه؛ فعن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها: «أن ناسًا تمارَوا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ؛ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره، فشـربه»[10]. ويؤيد ذلك ما رواه عقبة بن عامر مرفوعًا: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى: عيدنا أهل الإسلام»[11].

(5) صوم يوم عاشوراء:

تقدم حديث أبي قتادة رضي الله عنه في فضـيلة صوم عاشوراء؛ أنه يكفر السنة الماضـية. وكان النبي ﷺ يصومه بمكة، فلما هاجر إلى المدينة أمر بصـيامه، فكان فرضًا، ثم نسخ فرضه عندما فرض رمضان، وأصبح على الاستحباب؛ ففي (الصحيحين) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصـيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء؛ فمن شاء صامه ومن شاء تركه»[12]. وذلك أنه لما قدم المدينة وجد اليهود تصومه؛ ففي (الصحيحين) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود صـيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسـى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه شكرًا لله، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ: «فنحن أحق بموسـى منكم»، فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصـيامه[13].

ولما كان في آخر عمره ﷺ أراد مخالفة اليهود؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»[14]. وفي رواية: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ، فالمستحب في ذلك إذًا صـيام التاسع والعاشـر.

أحكام يوم عاشوراء:

(1) ليس هناك أحاديث صحيحة تنص على فضـيلة الاكتحال يوم عاشوراء، وكذلك الاختضاب، والاغتسال فيه، والتوسعة على العيال؛ فكل ما ورد في ذلك موضوع لا يحتج به.

(2) ما تفعله الشـيعة من اتخاذ هذا اليوم مأتمًا لمقتل الحسـين فيه، فهو من ضلالهم؛ لأن الله لم يأمر ولا أمر رسوله ﷺ باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتمًا، فكيف بمن دونهم؟!

(3) جاء في بعض الروايات عند أحمد: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود؛ صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا»[15]، فهذا حديث ضعيف، في إسناده ابن أبي ليلى وهو سـيء الحفظ، وخالفه من هو أوثق منه، كعطاء وغيره؛ فرووا ذلك موقوفًا على ابن عباس بسندٍ صحيح، لكن بلفظ: «صوموا يوم التاسع والعاشـر، وخالفوا اليهود»[16]. ولم يذكر فيه الحادي عشـر.

(4) بناء على ما تقدم؛ إن فاته صـيام التاسع، جاز له صـيام يوم العاشـر منفردًا بلا كراهة. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وصـيام يوم عاشوراء كفارةُ سنةٍ، ولا يكره إفراده بالصوم)[17].

(6) صوم أيام البيض:

وأيام البيض هي: أيام الثالث عشـر، والرابع عشـر، والخامس عشـر من كل شهر، وهي الأيام التي يكون فيها القمر بدرًا، وتسمى أيام الغر؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «إن كنت صائمًا فعليك بالغر البيض: ثلاث عشـرة، وأربع عشـرة، وخمس عشـرة»[18].

(7) صيام الاثنين والخميس:

عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ كان يتحرَّى صـيام الاثنين والخميس»[19].

وقد بين النبي ﷺ الحكمة من تحرِّيه صـيام هذين اليومين؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس، فقيل له، فقال: «الأعمال تعرض كل اثنين وخميس، فيغفر لكل مسلم، الا المتهاجرين، فيقول: أخِّرُوهما»[20].

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ يصوم يوم الاثنين والخميس، فسألته، فقال: «إن الأعمال تعرض يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»[21].

وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الاثنين، فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل عليَّ»[22].

(8) صيام يوم وإفطار يوم:

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أحب الصـيام إلى الله صـيام داود؛ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه»[23].

الأوجه المشروعة للصوم في السُّنة:

هناك حالات أخرى واردة في السُّنة يشـرع فيها الصوم؛ فمن ذلك:

- صوم يوم وإفطار يومين: رواه ابن خزيمة بإسناد صحيح.

- صوم عشـرة أيام من الشهر: رواه النسائي بإسناد جيد.

- صوم أحد عشـر يومًا أو تسعةً أو سبعةً أو خمسةً: رواه النسائي بإسناد صحيح.

- صوم أربعة أيام من كل شهر: رواه النسائي بإسناد صحيح.

- صوم ثلاثة أيام من كل شهر، لا يبالي في أولها أو آخرها: رواه ابن حبان بإسناد صحيح، ورواه أحمد وابن ماجه. ولكن الأفضل أن تكون في أيام البيض لما تقدم.

- صوم يومين من الشهر: رواه النسائي بـإسناد صحيح.

- صوم يوم من الشهر: فعن عبد الله بن عمرو قال: أتيت النبي ﷺ فسألته عن الصوم، فقال: «صم يومًا من الشهر، ولك أجر ما بقي»[24].

(9) صوم العشر من ذي الحجة:

ثبت في «صحيح البخاري» عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» -يعني أيام العشـر- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشـيء»[25]. قال الحافظ رحمه الله في «الفتح»: (واستدل به على فضل صـيام عشـر ذي الحجة؛ لاندراج الصوم في العمل)[26]. وقال النووي: (ليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا، لا سـيما التاسع منها، وهو يوم عرفة)[27].

قلت: ويُرجِّح هذا ما في سنن أبي داود وغيره أن رسول الله ﷺ كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر[28]. لكن يشكل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم، قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا العشـر قط»، وفي رواية: «في العشـر قط»[29].

وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة.

قال النووي رحمه الله: (فيتأول قولها: «لم يصم العشـر» أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صـيامه في نفس الأمر)[30].

وقال ابن حجر رحمه الله: (لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل، وهو يحب أن يعمله؛ خشـية أن يفرض على أمته)[31].

تنبيه: فيما يتعلق بصوم رجب:

لم يثبت فضـيلة لإفراد صوم شهر رجب، ولا صـيام أيام منه، بل صـيامه كباقي الشهور؛ من كان له عادة بصـيام فهو على عادته، ومن لم يكن له عادة فلا وجه لتخصـيص صومه، ولا صوم أوله، ولا ليلة السابع والعشـرين منه بصوم، بل ثبت عن عمر النهي عن ذلك.

فعن خرشة بن الحر قال: رأيت عمر يضـرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام، ويقول: «كلوا؛ فإنما هو شهر تعظمه الجاهلية»[32]. وثبت كراهة صومه عن ابن عباس، وأبي بكرة، وأنس، وغيرهم. قال الألباني رحمه الله: (نهْيُ عمر رضي الله عنه عن صوم رجب المفهوم من ضـربه للمترجبين ليس نهيًا لذاته، بل لكي لا يلتزموا صـيامه ويُتِمُّوه كما يفعلون برمضان). قال ابن قدامة رحمه الله: (ويكره إفراد رجب بالصوم)[33].

قلت: وأما حديث «صم من الحُرُم واترك» فهو حديث ضعيف[34] لا يصح الاحتجاج به، وإن صح فليس فيه دليل على تخصـيص رجب بصوم. وعلى هذا فيجوز الصـيام في رجب إذا وافق له عادة بصـيام، وأما إن خصه أو اعتقد أن لصـيامه فضـيلة خاصة، فهذا لا دليل عليه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة