ليـلـة القـدر
لليلة القدر فضائلُ كثيرة نذكر منها:
(1) فيها أُنزل القرآن؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر:1].
(2) هي خير من ألف شهر؛ قال تعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر:3]، واختلف أهل العلم في معنى أنها خير من ألف شهر. قال ابن جرير رحمه الله: (أشبه الأقوال في ذلك بظاهر التنزيل قول من قال: عملٌ في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر)[1]. وهذا القول هو الذي صوبه ابن كثير في «تفسـيره».
(3) تنزل الملائكة والروح فيها؛ قال تعالى: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ [القدر:4]. والمقصود بالروح: جبريل؛ على أرجح الأقوال. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «ليلة القدر ليلة السابعة أو التاسعة وعشـرين، وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصـى»[2].
(4) أنها: «سلام»؛ قال تعالى: ﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ ، واختلفوا في تفسـيرها؛ فقيل: سلام من الشـر كله، ولا يكون فيها إلا السلامة، وقيل: تسليم الملائكة على المؤمنين، وقيل: لا يستطيع الشـيطان فيها أن يعمل سوءا، وقيل غير ذلك.
(5) أنها ليلة مباركة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ [الدخان:3]، قال ابن عباس: يعني ليلة القدر.
(6) فيها تقدر مقادير السنة؛ قال تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان:4].
(7) من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه»[3].
ثانيًا: وجه تسميتها بليلة القدر:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (واختلف في المراد بالقدر الذي أضـيفت إليه الليلة؛ فقيل: المراد به التعظيم؛ كقوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ، والمعنى أنها ذات قدر؛ لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من نزول الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أن الذي يحييها يصـير ذا قدر. وقيل: (القدر): التضـيق؛ كقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾ ؛ ومعنى التضـيق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأن الأرض تضـيق فيها عن الملائكة. وقيل القدر هنا بمعنى «القَدَر» الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة؛ لقوله تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ )[4].
ثالثًا: استحباب تحري ليلة القدر والاجتهاد في العشر الأواخر:
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشـر الأواخر من رمضان»[5].
وكان ﷺ يجتهد في العشـر الأواخر من رمضان؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي ﷺ إذا دخل العشـر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله»[6]، والمقصود بقولها: «شد مئزره» أي: اجتهد في العبادة واعتزل النساء، «وأحيا ليله» أي: سهره بالطاعة، «وأيقظ أهله» أي: للصلاة.
واعلم أن من فاتته ليلة القدر فقد فاته خير كثير؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: دخل رمضان فقال رسول الله ﷺ: «إن هذا الشهر قد حضـركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم»[7].
رابعًا: الأعمال المستحبة في هذه الليلة:
يستحب في هذه الليلة الاجتهاد في الطاعة، وقد ورد عن النبي ﷺ اجتهاده في العشـر الأواخر؛ فمن ذلك:
أ- الاعتكاف: عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ «كان يعتكف العشـر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله»[8].
ب- قيام ليلها إيمانًا واحتسابًا: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه»[9]. ومعنى «إيمانًا» أي: تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه، و«احتسابا» أي: طلبًا للأجر، لا لقصد آخر كرياء ونحوه.
ج- الدعاء: قالت عائشة رضي الله عنها للنبي ﷺ: أرأيت إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو؛ فاعف عني»[10].
د- إيقاظ أهله للصلاة: وقد تقدم الحديث «كان النبي ﷺ إذا كان العشـر الأواخر من رمضان شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله»[11]. (وإحياء الليل) يكون بالصلاة، وقراءة القران، والذكر، وغير ذلك من أنواع الطاعات.
اختلفت آراء العلماء في تحديد وقتها على أكثر من أربعين قولًا، ولكن أرجحها وأقواها: أنها في الوتر من العشـر الأواخر من رمضان، وأنها متنقلة.
أما كونها في الوتر من العشـر الأواخر؛ فلما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشـر الأواخر من رمضان»[12].
وأما كونها متنقلة، فقد ورد في أحاديث: ثبوتها ليلة إحدى وعشـرين، وفي ليلة ثلاث وعشـرين، وفي ليلة سبع وعشـرين، وفي تسع وعشـرين؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أُرِيت هذه الليلة ثم أنسـيتها، فابتغوها في العشـر الأواخر، وابتغوها في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين»، فاستهلت السماء في تلك الليلة فأمطرت، فوكف الناس في مصلى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشـرين، فبصـرت عيني رسول الله ﷺ، ونظرت إليه انصـرف من الصبح ووجهه ممتلئ طينًا وماء»[13]. ففي هذا الحديث كانت ليلة القدر ليلة «إحدى وعشـرين».
وثبت في حديث آخر عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، متى نلتمس هذه الليلة المباركة؟ قال: «التمسوها هذه الليلة ثلاث وعشـرين»[14].
وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها ليلة سبع وعشـرين، وثبت ذلك مرفوعًا عن أبي بن كعب[15].
وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «التمسوا ليلة القدر في آخر ليلة»[16].
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: خرج النبي ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسـى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة»[17]. ومعنى «فتلاحى»: (تشاجر)، وفى بعض الروايات: فالتمسوها في العشـر الأواخر. فدل الحديث على أن المخاصمة كانت سببًا للنسـيان.
وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أُرِيت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي، فنسـيتها»[18]. قال الحافظ رحمه الله: (وهذا سبب آخر؛ فإما أن يحمل على التعدد؛ بأن تكون الرؤيا في حديث أبي هريرة منامًا، فيكون سبب النسـيان الإيقاظ، وأن تكون الرؤيا في حديث غيره في اليقظة، فيكون سبب النسـيان ما ذكر من المخاصمة، أو يحمل على اتحاد القصة، ويكون النسـيان وقع مرتين عن سببين، ويحتمل أن يكون المعنى: أنه أيقظني بعض أهلي، فسمعت تلاحي الرجلين، فقمت لأحجز بينهما، فنسـيتها للاشتغال بهما)[19].
قال الحافظ رحمه الله: (قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصـر عليها)[20].
وردت أحاديث تبين العلامات التي تكون لليلة القدر؛ أذكر منها ما ورد صحيحًا:
(1) أنها ليلة لا حارة ولا باردة: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول ﷺ: «إني كنت أريت ليلة القدر، ثم نسـيتها، وهي في العشـر الأواخر من ليلتها، وهي ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة»[21].
(2) أن الشمس تخرج في صبيحتها حمراء لا شعاع لها: عن زر قال: قلنا: يا أبا المنذر -وهو أبي بن كعب- بأي شـيء يعرف ذلك؟- أي: ليلة القدر- قال: «بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ، أن الشمس تطلع من ذلك اليوم لا شعاع لها»[22].
آخر (كتاب الصـيام)، ويتلوه إن شاء الله تعالى: (كتاب الزكاة).
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.