حجم الخط:

محتوى الدرس (104)

ثالثًا: زكاة الزروع والثمار:

دليل وجوبها:

أولًا: من القرآن: قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة:267]. وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141].

ثانيًا: من السنة: عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «فيما سَقَت السماءُ والعيونُ أو كان عَثَريًّا: العشـر، وفيما سُقي بالنضح: نصف العشـر»[1]. «العثري»: النخيل الذي يشـرب بعروقه من التربة بدون سقي.

ثالثًا: الإجماع: أجمعت الأمة على وجوب العشـر، أو نصف العشـر؛ فيما أخرجته الأرض، واختلفوا في التفاصـيل لهذه الأصناف.

(1) الأصناف التي يجب فيها زكاة الزروع:

الأصناف التي وردت بها النصوص في وجوب الزكاة منها أربعة وهي: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب؛ لما رواه الحاكم وصحَّحه، ووافقه الذهبي عن أبي موسـى ومعاذ رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، «فأمرهم أن لا يأخذوا إلا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب»[2].

وهذا ما رجحه الشوكاني في «السـيل الجرار»، ورجحه ابن حزم في «المحلى»، ورجحه الشـيخ الألباني، واستدلالهم: عدم نهوض دليل يدل على وجوب الزكاة في غير هذه الأصناف الأربعة.

واعلم أنه قد تنازع الفقهاء فيما عدا هذه الأربعة على أقوال كثيرة مختلفة، مستدلين على ذلك بقياس غير هذه الأربعة عليها، وبعموم بعض الأدلة.

فقد ذهب الشافعي إلى وجوب الزكاة في كل «ما يقتات ويدخر»، وهو مذهب الإمام مالك أيضًا.

وذهب الحنابلة إلى وجوبها في كل ما «يكال ويدخر».

وأما أبو حنيفة فيرى الزكاة في كل ما أخرجته الأرض عدا القصب الفارسـي والحشـيش الذي ينبت بنفسه، وخالفه في ذلك صاحباه أبو يوسف ومحمد، ووافقا قول الشافعية والمالكية.

وفي «سبل السلام» قال الصنعاني رحمه الله: (وحديث معاذ وأبي موسـى وارد على الجميع، والظاهر مع من قال به -أي: حصـر الزكاة على الأصناف الأربعة- قال: لأنه حصـر لا يقاوم بعموم ولا قياس... فالأوضح دليلًا مع الحاصـرين للوجوب في الأربعة)[3].

قلت: ولعلَّ أرجح الأقوال في ذلك قول الشافعية والمالكية؛ أن الزكاة واجبة فيما يقتات ويدخر؛ لأن المذكور في الحديث هي أقواتهم وقتها، والله أعلم.

ما لا يؤخذ منه الزكاة:

وعلى هذا فلا زكاة في الخضـراوات ولا الزيتون، وقد روى الأثرم في «سننه» عن عطاء بن السائب قال: أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ من أرض موسـى بن طلحة من الخضـروات صدقة، فقال له موسـى بن طلحة: ليس لك ذلك؛ إن رسول الله ﷺ كان يقول: «ليس في ذلك صدقة». وهذا الأثر وإن كان مرسلًا فإن له شواهد تقويه كما في «التلخيص الحبير» و«نصب الراية» [4]. قال ابن القيم رحمه الله: (ولم يكن من هديه ﷺ أخذ الزكاة من الخيل والرقيق، ولا البغال ولا الحمير، ولا الخضـراوات ولا المباطخ والمقاثي والفواكه التي لا تكال ولا تدخر؛ إلا العنب والرطب فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملة، ولم يفرق بين ما يبس وما لم ييبس)[5].

نصاب زكاة الزروع والثمار:

تقدم فيما سبق الأصناف التي تجب فيها الزكاة من الزروع والثمار، وتحقق القول فيها أنها أربعة أصناف، أو يقال: ما يقتات ويدخر، لكن ما النصاب الذي يجب أن يخرج منه الزكاة؟

الصحيح من ذلك أن نصاب الزروع والثمار خمسة أوسق، وهو قول جمهور أهل العلم؛ لحديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة»[6]. و«الوَسْق»: ستون صاعًا، و«الصاع»: قدح وثلث، فيكون النصاب خمسـين كيلة، ويلاحظ أن النصاب يقدر بعد تصفية الحبوب من قشورها، وجفاف الثمار؛ قال ابن قدامة رحمه الله: (وتعتبر خمسة الأوسق بعد التصفية في الحبوب، والجفاف في الثمار، فلو كان له عشـرة أوسق عنبًا لا يجيء منها خمسة أوسقٍ زبيبًا لم يجب عليه شـيء)[7].

لكن إن أراد ادخاره بقشـره، فالأرجح أن يقدر الثقات من أهل الخبرة ما يخرج منه بعد تصفيته[8].

قيمة زكاة الزروع:

يجب «العشـر» فيما سقي بغير مؤنة؛ كالنبات الذي يشـرب من السماء والأنهار، وما يشـرب بعروقه فيستغني عن سقي.

ويجب «نصف العشـر» فيما سقي بالمؤن؛ كالدوالي والنواضح، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، ولم يخالف في ذلك أحد.

والدليل: قول النبي ﷺ: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا[9] العشـر، وما سقي بالنضح نصف العشـر»[10]. وفي رواية في «صحيح مسلم»: «فيما سقي بالسانية نصف العشـر»، و«السواني»: هي النواضح يستقى بها لشـرب الأرض.


متى تجب زكاة الزروع والثمار؟

الصحيح أن الزكاة تجب إذا بدا الصلاح؛ بأن يشتد الحب، ويحمر التمر، فهذا هو وقت الوجوب؛ وأما وقت إخراجه فبعد تصفية الحب ودرسه، وبعد جفاف التمر.

وعلى هذا إذا باع الثمرة بعد بدو صلاحها، فالصحيح أن الزكاة على البائع؛ لأنه ثبت الوجوب وهو في ملكه.

وأما إذا تلف بغير إتلافه أو تفريط منه، فلا زكاة عليه؛ قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان)[11]. وأما إن أتلفها بعد الوجوب بتفريطه أو عدوانه لم تسقط عنه الزكاة، ويجب عليه أداؤها. وإذا ادعى تلفها من غير تفريطه، قُبِل قولُه من غير يمين؛ قال أحمد: (لا يستحلف الناس على صدقاتهم).

وأما عند الشافعية فيرون استحلافه، لكنهم يختلفون: هل هذا الاستحلاف على الوجوب أو على الاستحباب.

مسائل متعلقة بزكاة الزروع والثمار:

(1) الزكاة واجبة على صاحب الزرع؛ سواء كان هو مالك الأرض، أو زرعها بمعاملة جائزة كالإيجار والهبة، أو معاملة غير جائزة كأن يكون غاصبًا للأرض، وأما إذا كان بين صاحب الأرض وصاحب الزرع مزارعة؛ أخذ كل واحد منهما نصـيبه، ثم أخرجت زكاة كل منهما. فإذا لم يبلغ نصـيب الواحد نصاب الزكاة فلا زكاة عليهما[12].

(2) تجب زكاة الزروع والثمار لكل صنف من الأصناف الواجب فيها الزكاة مستقلًّا إذا كمل خمسة أوسق، فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا الحنطة إلى الشعير، ولكن إذا كان الجنس الواحد منه أنواع ضم بعضها إلى بعض؛ فأصناف القمح يضم بعضها إلى بعض، وكذلك تضم أصناف الشعير بعضها إلى بعض، وكذلك أصناف التمر بعضها إلى بعض.

(3) تجب الزكاة إذا كمل الصنف الواحد خمسة أوسق؛ سواء زرعت في مكان واحد، أو في مكانين متباعدين، مهما كان تباعدهما؛ ما دام مجموع الصنف الواحد بلغ نصابًا لنفس الشخص. وكذلك يضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، سواء اتفق وقت زرعه أو اختلف، فما كان منه بالصـيف ضم إلى ما كان منه بالربيع وهكذا.

(4) ما أنفقه الزارع للحرث والحصاد والجمع والدرس ونحو ذلك، هل يسقط من الزكاة أم لا؟

الذي ثبت عند البيهقي وابن أبي شـيبة عن جابر بن زيد، عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم في الرجل يستقرض فينفق على ثمرته وعلى أهله، قال: قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيقضـيه ويزكي ما بقي، قال: وقال ابن عباس: يقضـي ما أنفق على الثمرة ثم يزكي ما بقي[13]. ومعنى هذا أن ابن عباس يرى أن يقضـي ما أنفقه على زرعه فقط، ولا يحتسب ما أنفق على أهله. وأما ابن عمر فيرى أنه يقضـي ما أنفق على زرعه وأهله.

هذا إذا كان عليه دين، وأما إذا أنفق من ماله ولم يكن عليه دين، فالظاهر أنه لا يسقط منه شـيء، وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة.

(5) لا يُعَدُّ على صاحب الزرع في الزكاة ما أكله هو وأهله، أو سقط فيأكله الطير أو الماشـية، أو يأخذه الضعفاء، أو تصدق به حين الحصاد.

(6) قال ابن تيمية رحمه الله: (لا يتعين على صاحب المال الإخراج من عين المال، بل من كان معه ذهب أو فضة أو عرض تجارة، أو له حب أو ثمر يجب فيه العشـر، أو ماشـية فيها الزكاة، وأخرج مقدار الواجب المنصوص من غير ذلك المال، أجزأه)[14].

(7) قال ابن قدامة رحمه الله: (فإن سُقي نصفَ السنة بكُلْفة ونصفها بغير كلفة؛ ففيه ثلاثة أرباع العشـر... لا نعلم فيه مخالفًا)[15].

(8) فإن كان لرجل حائطان -أي: بستانان- سقى أحدهما بمؤنة والآخر بغير مؤنة، ضم غلة أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، وأخرج من الذي سقى بغير مؤنة عشـره، ومن الآخر نصف عشـره.

(9) لا وَقْص[16] في نصاب الحبوب والثمار، بل مهما زاد على النصاب أخرج منه بالحساب؛ فيخرج عشـر جميع ما عنده[17]، بخلاف الماشـية فإنه كلما زاد المواشـي لا يحسب حتى يكتمل عنده العدد الذي بعده. راجع ما تقدم من زكاة الماشـية.

(10) وإذا وجب عليه عشـر مرة، لم يجب عليه عشـر آخر في نفس الثمار، وإن حال عليه الحول؛ فإذا بقي الحب عنده أكثر من الحول ولم ينقص عن النصاب، فلا يجب عليه إخراج الزكاة مرة أخرى... فإن اشترى شـيئًا من ذلك للتجارة، صار عَرَضًا تجب فيه زكاة التجارة إذا حال عليه الحول[18].

(11) إذا حفر نهرًا أو قنوات، فقد أفاد ابن قدامة في (المغني) أن حفر الأنهار والقنوات لا يؤثر في نقصان الزكاة. وقال الخطابي رحمه الله: (إن كان لا مؤنة فيه أكثر من مؤنة الحفر الأول وكسحها في بعض الأوقات، فسبيلها سبيل النهر والسـيح في وجوب العشـر، وإن كان تكثر مؤنتها؛ بأن لا تزال تتداعى وتنهار ويكثر نضوب الماء فيها فيحتاج إلى استحداث حفر، فسبيلها سبيل ماء الآبار التى ينزع منها بالسواني)[19]، أي: أنه في الحالة الأخيرة يجب نصف العشـر.

(12) قال ابن قدامة رحمه الله: (يصح تصـرف المالك في النصاب قبل الخرص وبعده، بالبيع والهبة وغيرهما، فإن باعه أو وهبه بعد بدو صلاحه، فصدقته على البائع والواهب، وبهذا قال الحسن، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وبه قال الليث؛ إلا أن يشترطها على المبتاع)[20].

ولو اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها، ثم بدا صلاحها في يد المشتري على وجه صحيح، مثل أن يشتري نخلة مثمرة، أو وهبت له ثمرة قبل بدو صلاحها، فبدا صلاحها في يد المشتري، أو المتَّهب... فالصدقة عليه؛ لأن سبب الوجوب حصل في ملكه.

(13) قال ابن عثيمين رحمه الله: (إذا قيل لرجل: احصد هذا الزرع بثلثه، فحصده بثلثه، فلا زكاة عليه في الثلث؛ لأنه لم يملكه حين وجوب الزكاة، وإنما ملكه بعد ذلك)[21]، والمقصود حتى لو بلغ هذا الثلث خمسة أوسق.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة