حجم الخط:

محتوى الدرس (106)

خامسًا: زكاة عروض التجارة:

حكمها:

ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب زكاة عروض التجارة، واستدلوا على ذلك بأدلة عامة:

منها قوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103].

ومنها قوله تعالى: ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:19].

وقوله ﷺ: «إن الله افترض عليهم في أموالهم صدقة؛ تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» [1].

قال ابن العربي رحمه الله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً : عام في كل مال؛ على اختلاف أصنافه، وتباين أسمائه، واختلاف أغراضه، فمن أراد أن يخصه بشـيء فعليه الدليل[2].

ومنها قوله تعالى: ﴿ c الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة:267]. قال الجصاص رحمه الله: (قد روي عن جماعة من السلف في قوله تعالى: ﴿ أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ أنه من التجارات، ومنهم الحسن ومجاهد، وعموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائر الأموال؛ لأن قوله تعالى: ﴿ مَا كَسَبْتُمْ ينتظمها)[3].

وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله: (قال علماؤنا: قوله تعالى: ﴿ مَا كَسَبْتُمْ يعني التجارة، ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يعني: النبات)[4].

* واستدلوا أيضًا بقول الصديق رضي الله عنه: «والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه»[5]. قال النووي رحمه الله: (وحكى الخطابي عن بعض العلماء أن معناه: منعوني زكاة لعقال إذا كان من عروض التجارة، وهذا تأويل صحيح)[6].

* ومن الأدلة أيضًا: ما ثبت عن عمر، وابنه عبد الله، وابن عباس رضي الله عنهم؛ فعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري قال: كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب، فكان إذا خرج العطاء جمع أموال التجار، ثم حسبها -شاهدها وغائبها- ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب[7].

وأما أثر ابن عمر رضي الله عنهما فقال: «ما كان من دقيق أو بَز للتجارة ففيه الزكاة»[8]، وثبت عنه أنه قال: «ليس في العروض زكاة، إلا أن تكون لتجارة». ومعنى «البز»: الثياب.

وأما أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لا بأس بالتربص حتى يبيع، والزكاة واجبة عليه»[9].

ونقل ابن المنذر وأبو عبيد إجماع أهل العلم على وجوب زكاة عروض التجارة، وخالف في ذلك الظاهرية. قال ابن المنذر رحمه الله: (فأجمعوا على أن في العروض التي تدار للتجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول)[10].

قال ابن قدامة رحمه الله: (روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، وطاوس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق، وأصحاب الرأي)[11]. وهو مذهب الحنابلة كما قرر ذلك ابن قدامة في (المغني).

فهذا رأي جمهور العلماء، وقد رأى أهل الظاهر أنه لا زكاة في عروض التجارة، ومع ذلك فقد قرر ابن حزم أن على التجار زكاة، لكنها لم تقدر مقاديرها، بل بما طابت به أنفسهم؛ فقال رحمه الله: (فهذه صدقة مفروضة غير محدودة، لكن بما طابت به أنفسهم، وتكون كفارة لما يشوب البيع مما لا يصح من لغو وحلف)[12].

شروط عروض التجارة:

يشترط في زكاة عروض التجارة ما يلي:

(أ) أن يملك هذه العروض بأي وسـيلة من وسائل التملك؛ كالشـراء والهبة، وكذلك الإرث، وغير ذلك على الأرجح.

(ب) أن ينوي بها التجارة، فإذا ملكها للقُنْية والاستعمال، فإنها لا تكون عروض تجارة.

(جـ) أن تبلغ نصابًا.

(د) أن يحول عليها الحول.

مسائل في عروض التجارة:

(1) إذا اشترى سـيارة أو أرضًا للاستعمال الخاص أو البناء عليها، لا ينوي بها التجارة، ثم بدا له بيعها رغبة عنها، أو لأنه عرض عليه ربح، فهذه لا تكون عروض تجارة؛ لأنه لم يقتنها أساسًا للتجارة، فلا زكاة فيها.

(2) في المسألة السابقة إذا اشتراها للقنية، ثم بدا له أن يتجر فيها، فإنها تصـير عروض تجارة، من بداية نيته، ويجب فيها الزكاة بعد تمام الحول[13].

(3) الزكاة واجبة في كل حول، وهذا مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد، ويشاركهم الإمام مالك في هذا الرأي إذا كان التاجر يبيع ويشتري في أثناء الحول؛ كبائع الثياب والبقال والخردوات، ونحو ذلك، ويسمى هذا البائع (مديرًا).

لكنه يخالفهم إذا كان يشتري السلعة يتربص بها السوق؛ كالذي يشتري عقارًا أو أرضًا، فيرى الإمام مالك لهذا أنه يزكيه إذا باعه زكاة سنة واحدة، ويسمى هذا البائع (محتكرًا)، لكن هذا التفصـيل لا دليل عليه، والراجح قول الجمهور.

(4) تضم قيمة العروض على ما عنده من مال، فإذا كان عنده نصف نصابٍ ذهبًا، ونصفه عروضًا وجبت عليه الزكاة، وهذا بخلاف ما لو كان نصفه ذهبًا ونصفه فضة فلا زكاة فيهما؛ لأنهما جنسان لا يضم بعضهما إلى بعض، وأما العروض فالمقصود بها القيمة.

(5) لو اتجر في سلعة، ثم بدا له في أثناء الحول أن يتجر في غيرها؛ فهل يحسب الحول من بداية الاتجار في الأولى أم الثانية؟ الصحيح: أنه من بداية الاتجار الأول؛ لأن المعتبر القيمة، وليست نوع السلعة.

(6) كيف يقوِّم التاجر تجارته؟ أعني: كيف يحسب تجاراته ليخرج زكاته؟

عليه أن يقوم بعملية جرد؛ وذلك بأن يحسب جميع ما لديه من السلع بعد مرور الحول الهجري، ويحسب ذلك بالسعر وقت الجرد، أعني سعر الجملة وقته. ثم يضم إلى ذلك ما لديه من أموال (سـيولة)، ثم يخرج الزكاة ربع العشـر. أي: 25 جنيهًا لكل ألف جنيه.

وأما الديون فهي قسمان:

(أ) ديون له عند الآخرين؛ فهذه لا يخرج زكاتها على الراجح كما قدَّمنا.

(ب) ديون عليه للآخرين، فهذه إن كانت حالَّة (أي: حان وقت سدادها) أدَّى ما عليه وليس عليه زكاة فيها، وإن كانت غير حالَّة، فلا تخصم من المال، بل عليه الزكاة على جميع ما تحت يده.

(جـ) ما دفعه من ضـرائب، وجمارك، ورواتب للعمال، وأجرة محل، ومصاريف شخصـية، ونحو هذا، تخصم من أصل المال، وليس عليه فيها زكاة.

واعلم أن الأثاث؛ أو ما يسمى بالأصول الثابتة؛ كالآلات التي يستخدمها لنماء المال من ماكينات ونحوها، أو سـيارة ينقل عليها أو نحوه؛ فلا زكاة عليه فيها. وعلى هذا فمالك السـيارة الأجرة (التاكسـي أو غيره)، لا زكاة عليه فيها، إنما الزكاة على الدخل، إذا تم نصابه، وحال عليه الحول.

(7) يجوز إخراج زكاة عروض التجارة من العروض نفسها، ويجوز إخراجها من القيمة، وهذا اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[14].

(8) تقدم أنه لا تأثير للخلطة في غير بهيمة الأنعام، وعلى ذلك إذا اشترك اثنان في تجارة ونصـيب كل منهما لا يبلغ النِّصاب (وقد يبلغ مجموعهما النِّصاب) فلا زكاة على واحد منهما حتى يكمل النِّصاب لكل منهما، فمن كمل نصابه وجبت عليه الزكاة دون الآخر.

(9) إذا اشترك اثنان مضاربة؛ بأن دفع أحدهما مالًا يبلغ النِّصاب ليتجر الثاني فيه فربحا؛ فإن الزكاة تجب على صاحب المال على أصل ماله وما زاد عليه؛ لأنه نصاب قد حال الحول عليه، وأما العامل (المضارب) فلا زكاة على ربحه، بل يستأنف به الحول إذا بلغ ربحه هذا النِّصاب[15].

المال المستفاد:

ذكرنا من قبل أن الزكاة لا تجب حتى تبلغ النِّصاب، وأنه لا بد أن يمر عليها حول كامل في زكاة الأنعام والنقدين وعروض التجارة. فإن كان عنده مال لم يبلغ النصاب فلا زكاة عليه، فإن استفاد مالًا آخر من جنس ما عنده فكمل به النصاب انعقد عليه حول الزكاة من وقتها، فإذا مضـى الحول، والنصاب لم ينقص، فقد وجب عليه إخراج الزكاة.

وإن كان عنده النصاب أصلًا، ثم استفاد مالًا آخر أثناء الحول، فكيف يحسب هذا المال الزائد؟

اختلف العلماء في زكاة هذا المال على قولين:

القول الأول: قسم أحوال هذا المال إلى ثلاثة أقسام[16]:

(1) أن يكون المستفاد من نمائه: أي: ناتج ومتولد من المال الذي معه؛ كربح مال التجارة ونتاج السائمة (أي: ما تلده الأنعام أثناء الحول)، فهذا يجب ضمُّه إلى ما عنده من أصله، فيعتبر حولًا بحوله. قال ابن قدامة رحمه الله: لا نعلم خلافًا. قلت: ومعنى هذا فإنه يخرج الزكاة في آخر الحول عن كل ما معه (الأصل، مضافًا إليه الزيادة المستفادة أثناء الحول).

(2) أن يكون المستفاد من غير جنس ما عنده، فهذا له حكم نفسه لا يضم إلى ما عنده في حول ولا نصاب، بل إن كان نصابًا استقبل به حولًا وزَكَّاه، وإلا فلا شـيء عليه، وهذا قول جمهور العلماء.

مثال: لو كان عنده نصاب ذهب ثم استفاد في أثناء الحول فضة، فلا تضم إلى ما عنده لأنهما جنسان مختلفان. فإن كانت هذه الفضة نصابًا حسب لها حولًا مستقلًّا وإن كانت أقل من نصاب فلا شـيء عليه فيها.

(3) أن يستفيد مالًا من جنس نصاب عنده، قد انعقد عليه حول الزكاة بسبب مستقل، وليس من نماء المال الذي عنده، مثل أن يكون عنده أربعون من الغنم مضـى عليها بعض الحول، فيشتري أو يوهب له مائة، فهذا الزائد لا تجب فيه زكاة حتى يمضـي عليه حول أيضًا، هذا رأي الحنابلة والشافعية، ومعنى هذا أنه يخرج زكاة الأربعين في وقتها، ويحسب للمال المستفاد حولًا مستقلًّا فيخرج عنه زكاته في حولها. وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يضم إلى الأصل ويخرج الزكاة عند تمام الحول. وأما المالكية فقد وافقوا الشافعية والحنابلة في النقدين، ووافقوا رأي الحنفية في السائمة.

القول الثاني: وهو رأي ابن حزم الظاهري على التفصـيل الآتي[17]:

(1) إذا كان يملك نصابًا، فاستفاد أثناء الحول من جنسه بحيث لا يغير من الزكاة المفروضة شـيئًا؛ كأن يكون عنده أربعون شاة فزاد تمام المائة والعشـرين شاة؛ فإن الزيادة تضم إلى ما عنده ويزكي الجميع لحول التي عنده أولًا.

(2) وأما إذا استفاد ما يغير حكم الفريضة، لكنها -أي: الزيادة- لو انفردت لا تبلغ نصابًا، فإنه يزكي الذي عنده وحده لتمام حوله، ثم يضم الزيادة- أي: في آخر الحول- ويستأنف بالجميع حولًا جديدًا.

مثاله: من عنده مائة وعشـرون شاة، ثم استفاد شاة فأكثر، أو كان عنده مائتا درهم، فاستفاد مائة درهم[18].

(3) أما إذا ملك نصابًا، ثم استفاد في أثناء الحول نصابًا آخر فإنه يزكي كل مال لحوله[19].

فإذا نقص الأول إلى ما لا زكاة فيه، فإنه إذا حال حول المال المستفاد زكَّاه ثم ضم الأول حينئذ إليه، واستأنف بداية حول الجميع، والعكس كذلك: إذا نقص المال الثاني (المستفاد) إلى ما لا زكاة فيه وبقي الأول نصابًا فإنه يزكِّيه إذا حال حوله ويضم إليه الثاني، ويستأنف بالجميع حولًا كاملًا.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة